الرئيسية / النظم السياسية / التحول الديمقراطي / التحول الديمقراطي: الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية – مترجم
التحول الديمقراطي، الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية
التحول الديمقراطي: الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية

التحول الديمقراطي: الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية – مترجم

الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية

عرض الفصل السادس من كتاب

محددات التحول الديمقراطي: دراسة لتغير النظم السياسية في العالم خلال الفترة 1972- 2006 

تقديم

ياسمين كامل منصور عمر 

تحت اشراف

أ.د علي الدين هلال

  

التعريف بالكاتب

مؤلف هذا الكتاب هو جان توريل (Jan Teorell) ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة لوند في السويد ، حصل على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة أوبسالا عام 1998 عن أطروحته حول الديمقراطية داخل الحزب السياسي ، تشمل اهتماماته البحثية على عدد من الموضوعات الخاصة بالمنهجية السياسية ، السياسة المقارنة ، المشاركة السياسية ، وكذلك دراسات الرأي العام وقضايا الفساد .

عمل جان كباحث زائر بمركز البحوث للعلوم الاجتماعية بجامعة هارفارد ثم مركز الدراسات الأوروبية بنفس الجامعة ، بالاضافة إلى كونه مديراً لمشروع أنماط الديمقراطية والذي يهدف إلى بحث مفاهيم وأشكال الديمقراطية المختلفة في كل أنحاء العالم منذ عام 1900 وحتى الآن ، وقد وضع سبعة أشكال أساسية للديمقراطية تتمثل في (الانتخابية، الليبرالية، التشاركية، الأغلبية، الرضائية، التداولية، المساواة) ، يأتي بعدها عشرات الأشكال من الديمقراطية الأدني مثل (الانتخابات العادية، استقلال القضاء، الديمقراطية المباشرة، المساواة بين الجنسين) ويقدم لكل شكل منها عدد من المؤشرات المفصلة .

صدر عنه العديد من الدراسات حول السياسات الحزبية ، ودراسات في التنمية الدولية المقارنة ، بالاضافة إلى بعض الدراسات المنشورة بالمجلة الأوربية للبحوث السياسية ، ومجلة الديمقراطية والحكم ، ويعمل حاليا على مشروع بحثي حول “كيف ولماذا ألغي تزوير الانتخابات والفساد تاريخيا في السويد والولايات المتحدة وغيرهما من الديمقراطيات الراسخة ؟” ويحاول خلالها أن يقدم دراسة للفترة من 1719- 1908 ، فضلا عن مشروعه حول السلطة التنفيذية كمؤشر للديمقراطية .

 

الأفكار المحورية في الكتاب

ما هي محددات التحول نحو الديمقراطية ؟ وهل تستجيب النظم السياسية لهذه المحددات بنفس الدرجة أم تختلف حسب طبيعة النظام ذاته ؟ وهل العوامل التي تدفع بعض الدول للتحول الديمقراطي قد تكون سببا في امتناع دول أخرى عن التحول والبقاء في الاستبدادية ؟

يحاول توريل في هذا الكتاب تقديم الاجابة على هذه الأسئلة من خلال تقصي الأسباب التي من خلالها يتحول النظام السياسي السلطوي إلى شكل أكثر ديمقراطية ، فوضع عدد من المحددات لهذا التحول والتي تتراوح ما بين محددات داخلية (كالاحتجاجات السلمية والأزمات الاقتصادية) وأخرى خارجية (عقوبات اقتصادية وتدخلات عسكرية)، وذلك من خلال تحليل بعض التجارب الدولية المختلفة .  

وهو ينظر خلال فصوله المختلفة في نتائج ما يسمى بـ “الموجة الثالثة للديمقراطية” والتي شهدها العالم مع سبعينات القرن العشرين ، وذلك عقب موجتين سابقتين: الأولى بعد الحرب العالمية الأولى ، والثانية بعد الحرب العالمية الثانية ، ومع ذلك بقيت الأنظمة الاستبدادية مستمرة في الشرق الأوسط وبشمال أفريقيا على حالها خلال هذه الموجة الثالثة مما دفع توريل إلى الاهتمام بتفسير هذا الوضع .

وبالتالي بدأ في مطلع كتابه بالنظر في مختلف النظريات الخاصة بالتحول الديمقراطي ، وأهمها نظرية التحديث modernization theory التي تدور حول دراسة الاتجاه العام لتعزيز التنمية الاقتصادية وتعميق التصنيع ونشر التعليم ، ثم تطرق إلى البحث في مسارات التحول نحو الديمقراطية: أولاً التحول من أعلى والذي يأتي كمبادرة من النخبة الحاكمة وغالبا تكون نتيجة لضغوط شعبية أو خارجية تسفر عن تغييرات من قبل النظام حتى يمكنه الاستمرار وتجاوز الأزمة ، أو قد يحدث نتيجة لوصول نخبة جديدة إلى الحكم تؤيد التغيير ، ثانياً التحول من أسفل نتيجة لاحتجاجات شعبية والتعبئة الجماهيرية ويأتي على رأسها القوة العاملة.

وقد توصل توريل خلال كتابه إلى عدد من الاستنتاجات التي يمكن اجمالها في الآتي:

1-    ان التحديث من شأنه التأثير إيجابا على عملية التحول الديمقراطي ، وهو ما يظهر بشكل واضح مع انتشار وسائل الاعلام التي تعمل على نشر الوعي بين الناس .

2-    أن التقدم الاقتصادي يساعد على بقاء الأنظمة الاستبدادية لفترات أطول ، والعكس فإن الأزمات الاقتصادية تكون دافعة إلى التحول ، وهو ما يفسره توريل بأن تدهور الأداء الاقتصادي قد يؤدي إلى إنقسامات بين النظام السياسي وبين النخبة الاقتصادية مما يدفع الأخيرة إلى تخليها عن دعم النظام ، كما تغذي تدهور الأوضاع الاقتصادية في تعبئة الجماهير ضد النظام .

3-    الاحتجاجات الشعبية التي تستخدم وسائل عنيفة كأعمال الشغب والتمرد المسلح لا تعزز من التحول الديمقراطي بشكل عام ، فقط المظاهرات السلمية تساعد على تحقيق هذا التحول ، لأن استخدام العنف –والذي يكون غالبا من قبل الجماعات المهمشة- يبرر العنف المضاد من جانب النظام في حين أن الاحتجاج الجماهيري السلمي يساعد على تعبئة قطاعات أوسع من السكان .

4-    تحول النظم السياسية في البلدان المجاورة إلى الديمقراطية يكون له تأثير إيجابي في الدفع بالنظم الأخرى إلى الاتجاه ذاته ، كما تعمل المنظمات الاقليمية على نشر ثقافة الديمقراطية بين الدول الأعضاء فيها .

5-    إن الاعتماد على التجارة الخارجية وامتلاك شعب ذو أغلبية مسلمة من شأنه تقليل فرص التحول.

 

محتويات الكتاب

يدور الكتاب بصفة أساسية حول مقدمة وسبعة فصول ، بدأ بالاشارة إلى الخطوط العريضة للدراسة والهدف منها والنتائج التي تهدف الوصول إليها (المقدمة) ، ليتناول في الفصل الأول منه النظريات الخاصة بالتحول الديمقراطي ، وفي الفصول (2- 6) يبحث بمزيد من التفصيل المتغيرات المختلفة المؤثرة على التحول الديمقراطي في الأنظمة السياسية وطبيعة هذا التأثير سواء سلبا أو إيجابا ، أقل أو أكثر ، ليصل في الفصل السابع إلى عدد من النتائج الهامة لتلك الدراسة . وبالتالي يكون تقسيم الكتاب كالآتي:

أولاً: تفسير التحول الديمقراطي (الاقتراب الهيكلي، الاقتراب الاستراتيجي، تقاليد القوى الاجتماعية، الاقتراب الاقتصادي، الاقتراب المعاصر: الانتقائية النظرية) .

ثانياً: المحددات الاجتماعية (الأدبيات الخاصة بالمحددات الاجتماعية المحلية، النتائج الامبريقية، الاسلام والديمقراطية، لماذا تكون الدول الصغيرة أكثر قابلية للتحول الديمقراطي؟) .

ثالثاً: المحددات الاقتصادية (التحديث والأداء ووفرة الموارد، الحرية وعدم المساواة الاقتصادية، التحديث الاجتماعي والاقتصادي، الأزمات الاقتصادية والضعف السلطوي) .

رابعاً: الدوافع الخارجية: المحددات الدولية (الأدبيات الخاصة بالمحددات الدولية، النتائج الامبريقية، التبعية التجارية والتحول الديمقراطي المتعثر، هل تعزز المنظمات الاقليمية من عملية التحول الديمقراطي؟) .

خامساً: التغيير من أسفل: التعبئة الشعبية (الأدبيات والنتائج الامبريقية، لماذا تفضي المظاهرات السلمية إلى الديمقراطية؟) .

سادساً: الضغوط الخارجية وأنواع النظم الاستبدادية (التحول الديمقراطي وأنواع النظم الاستبدادية، استراتيجية التقدير، النتائج الامبريقية) .

سابعاً: ملخص نتائج الدراسة (نحو نظرية متكاملة للتحول الديمقراطي؟ دروس لدراسة مستقبلية حول التحول الديمقراطي، دروس حول تعزيز التحول الديمقراطي، دروس لمستقبل التحول الديمقراطي) .

 

ملخص الفصل : التحول الديمقراطي وأنواع النظم السلطوية

الأفكار الرئيسية في هذا الفصل

تعتبر دراسة الأنواع المختلفة للأنظمة الاستبدادية واحدة من الاتجاهات الحديثة في مجال التحول الديمقراطي المقارن والذي لاقى اهتمام واسع  بما في ذلك دراسة “الأنظمة المختلطة/ الهجينية” التي تقع في منطقة رمادية بين الديمقراطية والاستبدادية ، وسوف تساهم هذه الدراسة باختبار مدى استجابة هذه النظم السلطوية بأشكالها المختلفة إلى الضغوط الخارجية أو الداخلية للتحول نحو الديمقراطية .

المشكلة الرئيسية لهذه الدراسة هي :

“إلى أي مدى تؤثر طبيعة النظام الاستبدادية على استجابته للضغوط الخارجية باعتبارها إحدى محددات التحول الديمقراطي ؟”

ويؤكد الكاتب في البداية أنه خلافا للدراسات السابقة، فهو لن يركز على التكوين المؤسسي للتمييز بين الديمقراطيات كالاهتمام بأشكال الحكم والنظام الانتخابي والمؤسسات التي تشارك في السلطة ، وإنما يهتم بالعواقب المرتبة على هذه المؤسسات السلطوية وقابليتها للتحول وهو ما تعرض للاهمال من قبل هذه الدراسات .

وتنقسم الدراسة إلى بداية معرفة أوجه العلاقة بين أشكال النظم السلطوية المختلفة وبين التحول الديمقراطي ، وكذلك على استجابتها للضغوط الخارجية ، ثم تقديم استراتيجية تقديرية ، والخروج بعدد من النتائج المترتبة على اختبار هذه الفروض النظرية في الواقع .

 

المنهجية المستخدمة في هذه الدراسة

اعتمد الكاتب في الاجابة على السؤال الأساسي لدراسته على التحليل الاحصائي لعدد من محددات تغيير النظم السياسية والتي تتراوح ما بين المحددات الاجتماعية والاقتصادية والدولية ، وكذلك على دراسة الحالة لعدد من البلدان تصل الى 165 دولة في جميع أنحاء العالم خلال الفترة من 1972 وحتى 2006 ، واستخلاص أهم النتائج مع التركيز على حالات معينة من تجارب التحول الديمقراطي حوالي 9 حالات وهي : الأرجنتين ، بوليفيا ، هنغاريا ، نيبال ، بيرو ، الفلبين ، جنوب أفريقيا ، تركيا وأورجواي .

إلا أن الدراسة فعليا (في هذا الفصل) اقتصرت في جمع البيانات حتى عام 2005 وذلك لأن مصدر هذه البيانات المتمثل في دراسة (Hadenius and Teorell) توقفت عند هذا العام .

 

أولاً: التحول الديمقراطي وأنواع النظم السلطوية

يعتبر هذا الجزء بمثابة الاطار النظري للدراسة وقد اعتمد الكاتب في صياغته على النماذج النظرية لكل من جيديس Geddes وبوينو دي ميسكيتا Bueno de Mesquita وليفيتسكي Levitsky وآخرون ، وتتبع خلال هذه النماذج الأشكال المختلفة للنظم الاستبدادية التسلطية والتي يتمثل أهمها في :

1-    نظم تسلطية عسكرية military regimes

2-    نظم الحزب الواحد single-party

3-    النظم الشخصية (الشخصانية) personalist regimes

4-    النظم الملكية monarchies

5-    نظم تسلطية متعددة الأحزاب multiparty autocracies

6-    نظم تسلطية تنافسية competitive authoritarian

7-    تسلطية انتخابية electoral authoritarian

وقد لاحظ في هذه الدراسات إقتصارها على بعض الأنواع دون الأخرى كما هو الحال في دراسة جيديس والتي تتسم بدرجة عالية من التبسيط في تناولها لهذه النظم ، فهي لا تفرق بين نظم الحزب الواحد (التي لا تسمح بوجود المعارضة) ونظام الحزب المهيمن (أي حزب واحد يحكم لكنه يترك مجالا للمعارضة) ، الملاحظة الثانية تتعلق بالشخصانية فهو لا يعتبرها نظام في حد ذاته –كما ذهب بروكر- لكنها فقط تعتبر سمة ثانوية أو تكميلية للنظام ، فجميع هذه النظم سواء العسكرية أو الحزب الواحد أو الملكية وغيرها تتسم بدرجة أكثر أو أقل بتركيز السطلة في يد قائد واحد .

وحاول بعد ذلك الخروج ببعض الفروض النظرية التي تتعلق بوصف وتفسير العلاقة بين أشكال هذه النظم وبخاصة (الحزب الواحد، العسكرية، الملكية، التسلطية المتعددة الأحزاب) وبين عملية التحول تمهيداً لمرحلة الاختبار .

·     النظم التسلطية العسكرية: إن الأساس لفهم كيف يتحول هذا النوع من الأنظمة يكمن –طبقا لجيديس- في إدارك العقيدة العسكرية وميل الضباط إلى البقاء والوحدة في إطار المؤسسة العسكرية أكثر من أي شيء آخر بما في ذلك السلطة . ولذلك فهي تسعى دائما إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي بما يجعلها قادرة على التوازن بين التدخل والبقاء بعيداً عن السياسة في آن واحد حفاظا على وحدتها الداخلية . هذه السمات تجعل النظم العسكرية أكثر عرضة للانشقاقات الداخلية نتيجة عدم وجود لحياة الديمقراطية داخل الجيش كمؤسسة ، وتفضيلات الضباط لتحرير النظام والانسحاب إلى الثكنات خاصة عندما تنشب انقسامات بين الفصائل السياسية المختلفة من أجل السلطة ، هذا التهديد بحدوث انقسامات داخلية يمكن النظم العسكرية من امتلاك آلية ذاتية تجعلها أكثر عرضة للتحول نحو الديمقراطية ، والأكثر من ذلك أن الضغوط الخارجية قد تخلق تنافس داخلي يكون له تأثير ملحوظ في ميل هذه النظم للتحول .

ولكن هذا السيناريو يتناقض بشكل واضح مع أنظمة الحزب الواحد ، حيث يفضل كوادر الحزب البقاء في المنصب ، والفصائل المتنافسة داخل الحزب الحاكم ليس لديهم حافز للانشقاق عن النظام ، فهدفها الأساسي أن تكون موحدة وفي السلطة ، ومن ثم لا يكون هناك احتمال كبير للانقسام وبالتالي تكون أقل عرضة للدمقرطة .

وبنفس المنطق تكون النظم العسكرية أكثر قابلية للتأثر بالأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها البلاد من أنظمة الحزب الواحد مما دفع إلى القول بأنها لا تستطيع أن تستمر أكثر من فترة متوسطة في ظل وجود أوضاع اقتصادية سيئة .

وفي إطار المقارنة بين النظم العسكرية ونظم الحزب الواحد ، يعتمد توريل على الاطار النظري لبوينو دي ميسكيتا والذي يطلق عليه Selectorate Theory والتي تفترض وجود محورين أساسيين للتمييز بين النظم الاستبدادية المختلفة : الأول وهو حجم الائتلاف (الحزب) الفائز أي الاستناد على وجود أغلبية من الشعب لتأييده ، والثاني هو حجم المرشحين ويسعى هؤلاء الأشخاص إلى الحصول على القوة والموارد المناسبة للاستمرار في السلطة ، ومن ثم يحرص على وجود سبكة تواصل مع الناس من خلال عدد من الأعضاء الذين يثقون في قوة ولائهم للنظام. ووفقا لهذه النظرية نجد أن النظام الديكتاتوري ذا الحزب الواحد يعتمد على وجود قاعدة واسعة من هؤلاء المؤيدين والمستفيدين من بقاء النظام ، على عكس النظام العسكري فهو لا يعتمد على الولاء وإنما على القوة القهرية في إخضاع الفصائل المعارضة مما يثير من حفيظة المواطنين بل واعضاء المؤسسة العسكرية أنفسهم.

ويمكن أن نخلص من ذلك إلى المجموعة الأولى من الفروض النظرية :

أولاً: أن النظم العسكرية أكثر قابلية للتحول الديمقراطي من نظم الحزب الواحد .

ثانياً: النظم العسكرية أكثر قابلية للتحول كاستجابة للضغوط الخارجية من نظم الحزب الواحد .

·     النظم الملكية : يخطئ البعض في التعامل مع الملكيات بنفس منطق النظم الديكتاتورية الفردية، إلا أن الملكية خلافا للديكتاتورية تخضع لقواعد تنظم خلافة القيادة ، فكما أظهر مايكل هرب أن الملكيات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحكمها قواعد تعمل على منع الافراط في الشخصانية من خلال آلية الاجماع داخل العائلة المالكة لاختيار خليفة الحاكم وتوزيع مناصب الدولة العليا بين أفراد العائلة  مما يحول دون استخدام السلطات حسب الأهواء الشخصية .

ويذكر الكاتب آليتين تجعلان الملكية أقرب شبها للديكتاتورية العسكرية : الأولى تتعلق بقواعد الدعم والولاء ، فالممالك تشبه النظم العسكرية ليس فقط في وجود تحالفات صغيرة ، ولكن أيضا في وجود Selectorate ففي الملكيات تكون عبارة عن العائلة المالكة فلا تحتاج إلى إيجاد قاعدة واسعة من الموالين لها على غرار النظم العسكرية . الأمر الثاني هو أن هذه النظم لا تعتمد على آليات الديمقراطية للوصول إلى الحكم ، فكما يذكر هربرت أن من الفضائل الغريبة للملكية  أن الحكام لا يزعمون أن مناصبهم بحكم التفويض الشعبي ، فالملوك يولدون للسلطة ولا ينتخبوا لها ، وأن الملوك وإن سمحوا بوجود انتخابات حرة والسماح للشعب بالتصويت على بعض قرارات الحكومة دون التنازل عن عروشهم .

لهذه الأسباب، يتوقع انتهاج الملكيات لأداء مماثل للأنظمة العسكرية مما يؤدي إلى الخروج بالمجموعة الثانية من الفروض النظرية:

أولاً: الملكيات أكثر قابلية للتحول الديمقراطي من نظم الحزب الواحد.

ثانياً: الملكيات أكثر استجابة للضغوط الخارجية للتحول من نظم الحزب الواحد.

·          النظم التسلطية متعددة الأحزاب : إن نظريات النظم الاستبدادية لا تتعامل مع هذا النوع باعتباره نظام منفصل والبعض يميل إلى مناقشتها جنبا الى جنب مع أنظمة الحزب الواحد وأحيانا يتم استخدام مصطلح “النظام الانتخابي المزور” .

وبمسح عدد أكبر من الأدبيات، يمكن تكوين رؤية حول الاختلافات بينها وبين نظم الحزب الواحد وذلك بالاعتماد على آليتين هامتين : الأولى على أساس ديمقراطي وهي “الاستجابة للناخبين” ، فقد يتوقع البعض أن النظم الاستبدادية متعددة الأحزاب تكون أكثر استجابة للضغوط من أجل التحول الديمقراطي لنفس السبب الذي تكون فيه النخب في الديمقراطيات الراسخة تكون مستجيبة لمطالب الاصلاح: “لكي يحافظوا على البقاء في السلطة، لابد من تلبية رغبات ناخبيهم” إلا أنه في هذا النوع من الانظمة السياسية يكون الاتصال بين تفضيلات الناخبين والنتائج الانتخابية تصاغ بواسطة المخالفات/ التزوير، وبالتالي تكون أقل استجابة من النظم الديمقراطية . والآلية الثانية على أساس سلطوي وهي “وجود إنقسامات داخلية” ، فهذه النظم تكون أكثر عرضة من نظام الحزب الواحد للانقسامات داخل النخبة الحاكمة نتيجة للتنافس على الأصوات وهو الأمر الذي قد ينتج أيضا عن التدخلات الخارجية –خاصة العقوبات المفروضة من الخارج والتي تؤثر على موارد النظام لشراء أصوات الناخبين- وكذلك الاحتجاج السلمي .

وبالتالي تكون نتائج هاتين الاستيراتيجيتين التوأمين (انشقاق في الحزب الحاكم، توحيد للمعارضة) تدفعان الى التعزيز الذاتي من قبل النظام من خلال التحول الديمقراطي حفاظا على الاستمرار .

وبالتالي نصل إلى المجموعة الثالثة من الاستنتاجات :

أولاً: النظم التسلطية متعدد الأحزاب أكثر عرضة للتحول من نظم الحزب الواحد .

ثانياً: النظم التسلطية متعددة الأحزاب أكثر استجابة للضغوط الخارجية من أجل التحول من نظم الحزب الواحد .

 

استراتيجية التقدير estimation strategy

في هذا الجزء يتم اختبار الفرضيات التي تم ذكرها في السابق ، وتتكون العينة من 165 دولة في العالم خلال الفترة 1972- 2005 ، وسوف يتم استخدام مقياس التغير السنوي في رتبة الدولة وفقا لمقياس فريدوم هاوس وهو مقياس من 0 إلى 10 ، ويزعم الكاتب أن هذه الطريقة قادرة على توضيح أنماط الاستجابة لأنواع النظم السلطوية المختلفة بما في ذلك التغيرات الطفيفة وليس فقط التحول نحو الديمقراطية . وتعتبر المشكلة الرئيسية في هذا الاختبار هي تحديد المتغير المستقل أي نمط النظام الاستبدادي ذاته خاصة في ضوء وجود عائلة واسعة من هذه النظم وموقعها من النظم الديمقراطية والتي يتم قياسها بداية من العتبة (7.5)، إلا أنه اعتمد في ذلك على تصنيف النظم إلى 5 أنظمة سياسية وهي : الملكية، العسكرية، الحزب الواحد، التسلطية المتعددة الأحزاب في مقابل الديمقراطية . وبالرغم من وجود أنواع بينية أو هجينية إلا أن الدراسة ركزت على الأنواع النقية من الأنظمة السياسية للتبسيط .

وقد توصل توريل من خلال تلك العينة إلى أن أكثر النظم الاستبدادية شيوعا هي النظم التسلطية متعددة الأحزاب والتي تبلغ نسبتها 21% من حجم العينة ، يليها الديكتاتورية العسكرية بـ 16%، وتتقارب نسبة انتشار كل من النظم الملكية وذات الحزب الواحد لتحتل 7% و6% على التوالي ، بالاضافة إلى نسبة صغيرة من النظم الاستبدادية الأخرى التي لا تتعدى 2% .

وتمهيداً إلى إختبار مجموعات الفروض السابق ذكرها ، يذهب توريل إلى توضيح المقصود بـ “الضغوط الخارجية” في دراسته ويشير إلى أنه يعني بها 3 أنواع من المؤشرات : الاحتجاجات الشعبية ، الأزمة الاقتصادية والتدخل الأجنبي . وسوف يتم قياس الاحتجاج الشعبي بالنظر إلى عدد المظاهرات السلمية ، أما الأزمة الاقتصادية فمن حيث معدل النمو ، وفي حالة التدخل الأجنبي فهذا المؤشر يشير إلى أن الدولة خضعت لتدخل عسكري عدائي و/أو عقوبات اقتصادية من دولة أكثر ديمقراطية .

وقد خلصت الدراسة إلى أن تأثير الضغوط الخارجية تختلف باختلاف أنواع النظم السياسية :

1-    من الواضح أن الاستخدام الشائع للتظاهرات السلمية والتدخلات الأجنبية بيتم ضد الأنظمة الاستبدادية العسكرية والحزبية المتعددة مقابل الحزب الواحد.

2-    على الجانب الاخر، نجد أن أزمات الأداء الاقتصادي تكاد تصل إلى معدلات متقاربة في كل الأنظمة السياسية وإن كانت تزيد بنسبة طفيفة في نظم الحزب الواحد.

3-    كما نلاحظ أنه من بين حالات التدخل الأجنبي (تدخل عسكري أو فرض عقوبات) هنالك 4 حالات فقط ضد نظم الحزب الواحد وحالة واحدة ضد الملكيات وهو ما يؤكد أنه لا يمكن توقع تقديرات دقيقة حول عواقب التدخلات الأجنبية والتي تختلف باختلاف طبيعة النظام السياسي نفسه.

4-    وبالتالي، يظهر أن تأثير الضغوط الخارجية تختلف من نظام إلى آخر حسب مستوى ديمقراطية النظام ودرجة هيمنة الحزب الأكبر.

 

 

النتائج التجريبية  Empirical results

يختبر الكاتب الافتراضات السابقة وتأثيرها على النظم السياسية مع استبعاد ما تم التأكد منه في الفصول السابقة والاهتمام بمتغير الضغوط الخارجية بمؤشراته الثلاثة ، ويمكن أن نصنف نتائج هذه الدراسة إلى جزئين :

أولاً: نتائج إختبار النظم الأكثر صلاحية للتحول الديمقراطي

1-    توضح بيانات الدراسة أن هناك دعم للفرضية القائلة بأن النظم العسكرية أكثر عرضة للتحول من أنظمة الحزب الواحد وهو ما يدل على وقوع هذا النوع عند العتبة 5 من متصل الديمقراطية وبالتالي تكون أكثر عرضة للتحرك إلى أعلى على المتصل (قبول الفرض 1 من المجموعة  الأولى) .

2-    أن الميل للديمقراطية في الملكيات لا تختلف كثيراً عن أنظمة الحزب الواحد (أي رفض الفرض 1 من المجموعة الثانية) .

3-    تشير البيانات الاحصائية إلى وجود فارق كبير بين النظم التسلطية متعددة الاحزاب وبين نظم الحزب الواحد فهي أكثر عرضة من الأخيرة للتحول (قبول الفرض 1 من المجموعة الثالثة) .

ثانياً: نتائج اختبار درجة استجابة النظم السلطوية المختلفة للضغوط الخارجية

(أ‌)    المظاهرات والاحتجاجات السلمية :

1-    ينعدم تأثير هذا المؤشر على نظم الحزب الواحد بحيث يحتل المرتبة صفر على مقياس الديمقراطية .

2-    أن النظم التسلطية متعددة الأحزاب أكثر حساسية للاحتجاجات السلمية من الحزب الواحد (قبول الفرض 2 من المجموعة الثالثة) .

3-    لا يوجد فروق إحصائية ذات دلالة واضحة بين الحزب الواحد وبين النظم الملكية والعسكرية (أي رفض كل من الفرض 2 في المجموعتان الأولى والثانية) .

(ب‌)      الأزمات الاقتصادية (معدل النمو)

1-    النمو الاقتصادي يعمل على تعزيز التحول نحو مزيد من الديمقراطية .

2-    ان كل أنواع النظم التسلطية تستجيب للصدمات الخاصة بالنمو الاقتصادي باختلاف الدرجة .

3-    هناك فروق كبيرة بين نظم الحزب الواحد وبين التعددية الحزبية بحيث تكون الأخيرة أكثر عرضة واستجابة لضغوط الأزمات الاقتصادية .

(ج) التدخل الخارجي (تدخل عسكري و/أو عقوبات اقتصادية

أثبتت النتائج أن التدخل الأجنبي لا يلعب دور يذكر في عملية التحول ، وذلك لأن هذا التدخل لا يعمل إلا لتحقيق مصلحة دولية وليس ملحة الدولة ذاتها ، وكثيرا ما ترتبط هذه المصلحة ببقاء النظام الفاسد نظرا لأن يحقق استفادة للدول الكبرى.

إلا أنها تشير إلى وجود تأثير لهذه التدخلات على النظم الملكية وهي حالة واحدة ضد الأردن مما يصعب الحكم على قبول صحة هذا الافتراض بشكل مطلق . هذا بالاضافة الى وجود 4 حالات تدخل فقط موجهة الى نظم الحزب الواحد ، وبالتالي لا توجد أدلة تجريبية دقيقة يمكن الاستناد إليها في الحكم .

 

استنتاجات الدراسة

تتلخص الاستنتاجات الخاصة باختبار الفرضيات التي تدور حول أنواع النظم التسلطية وتأثيرها على عملية التحول الديقراطي في :

1-  المجموعة الأولى : هناك اختلاف كبير في النزوع نحو التحول لدى الأنظمة العسكرية مقارنة بأنظمة الحزب الواحد ، ففي كل الحالات التي خضعت للدراسة لم يتأكد الفرض القائل  بأن الأنظمة العسكرية هي الأكثر عرضة للدمقرطة من أنظمة الحزب الواحد كاستجابة للضغوط الخارجية ، ومن ثم يتم رفض هذا الفرض الأول ، ويفسر هذا الرفض بأنه وإن كانت الافتراضات النظرية حول اختلافات الديناميات الداخلية بين أنظمة الحزب الواحد والأنظمة العسكرية قد تكون صحيحة بقدر صحة القول إلى الميل للانقسامات الداخلية طبقا لـ selectorate theory  من حيث قاعدة الولاء فإن ذلك لا ينطبق بالضرورة على الضغوط الخارجية .

وتعتبر تركيا حالة ممتازة لدراسة كيف أن النظم العسكرية تعتبر أكثر ميلا للتحول الى الديمقراطية من أنظمة الحزب الواحد في ظل غياب الضغوط الخارجية .

2-  المجموعة الثانية : أظهرت الدراسة أنه لا يوجد ميل أقوى للتحول داخل النظم الملكية مقارنة بنظم الحزب الواحد . علاوة على ذلك، فهي ليست أكثر عرضة من الأخرى للتحول عندما تواجه ضغوط خارجية (باستثناء التدخل في الأردن 1991) .

ومن ثم يتم رفض الفرض الثاني وهو ما قد يعود الى ندرة البيانات التي تجعل من الصعب الوصول الى نتائج دقيقة بشأن النظم الملكية .

3-  المجموعة الثالثة : تعتبر من أكثر  الافتراضات التي تدعمها البيانات المتاحة والتي تشير الى أن  النظم التسلطية متعددة الأحزاب تكون أكثر نزوعا أو قابلية الى التحول سواء من أنفسهم أو كاستجابة للاحتجاجات الشعبية أو بسبب التدخلات الأجنبية .

ويعزى هذا القبول الى السماح بوجود المعارضة واضفاء الشرعية على النظام من خلال اجراءات ديمقراطية شكلية كالانتخابات مما يدعم من احتمالية الضغط على النظام من أجل التغيير ، وهذه الاستنتاجات تأتي على نحو مغاير مع ما ذهب إليه جاسون براونلي والذي يرى أن الانتخابات  مجرد أعراض وليست أسباب لتغيير النظام ، وكذلك أوكرا بقوله أن الانتخابات أكثر ميلا لمساعدة النظم الاستبدادية على البقاء اكثر من تعزيز عملية التحول ، وأخيرا يؤكد غاندي على أن الانتخابات متعددة الأحزاب في الأنظمة الاستبدادية لن تمهد الطريق نحو الديمقراطية .

 

الخاتمــــة

قدم هذا الفصل إسهاما واضحا في دراسة النظم السلطوية بأنواعها المختلفة ، من خلال تقصي فروض النظريات المختلفة التي تقوم بتفسير تحول هذا النظم إلى شكل أكثر ديمقراطية ، ثم اختبر مدى صحتها في الواقع ، وقد أثبتت أن جميع هذه النظم تضطر إلى عمل إصلاحات إذا ما تعرضت إلى أزمات سواء داخلية أو خارجية ، إلا أنها تختلف فقط في درجة الاستجابة.

—————

 

12 ملف مترجم بالكامل لمنهج التحول الديمقراطي من عدد من الكتب والمقالات الأكاديمية

 

1- التحول الديمقراطي – تعزيز الديمقراطية من الخارج

http://arabprf.com/?p=653

 

2- التحول الديمقراطي: النظرية والتجربة

http://arabprf.com/?p=657

 

3- التنمية والديمقراطية – أوجه قصور الدراسات

http://arabprf.com/?p=694

 

4- الأنظمة غير الديموقراطية: استعصاء السلطوية على التغيير

http://arabprf.com/?p=660

 

5- التحول الديمقراطي: الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية

http://arabprf.com/?p=664

 

6- عن الديمقراطية والتحول الديمقراطى

http://arabprf.com/?p=667

 

7- التحول الديمقراطي: الجذور الاقتصادیة للدیكتاتوریة والدیمقراطیة

http://arabprf.com/?p=671

 

8- التحول الديمقراطي: سيمور مارتن ليبست ودراسة الديمقراطية

http://arabprf.com/?p=675

 

9- التحول الديمقراطي: الديمقراطية والتنمية الاقتصادية

http://arabprf.com/?p=678

 

10- التحول الديمقراطي: الفقر وعدم المساواة – Routldege Handbook of Democratizaion

http://arabprf.com/?p=681

 

11- التحول الديمقراطي: الجمع بين الوكالة والهيكل

http://arabprf.com/?p=686

 

12- التحول الديمقراطي: ما الذي يسبب الديمقراطية؟ باربرا جيدس

http://arabprf.com/?p=689

عن admin

شاهد أيضاً

الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية

الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية

 الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية محمد سلامة البسومي   في الآونة الأخيرة – ولا سيما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *