الرئيسية / النظم السياسية / التحول الديمقراطي / الأنظمة غير الديموقراطية: استعصاء السلطوية على التغيير – مترجم
الأنظمة غير الديموقراطية: استعصاء السلطوية على التغيير
الأنظمة غير الديموقراطية: استعصاء السلطوية على التغيير

الأنظمة غير الديموقراطية: استعصاء السلطوية على التغيير – مترجم

استمرار النظم التسلطية وتحولها

الأنظمة غير الديموقراطية : المسارات والتحولات

استعصاء السلطوية على التغيير ومراجعات ذلك على ضوء الربيع العربي

Eva Bellin, The Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Exceptionalism in Comparative, Comparative Politics January 2004,pp.139-157. Perspective

Eva Bellin, Reconsidering the Robustness of Authoritarianism in the Middle East: Lessons from Arab Spring, Comparative Politics, January 2012, p127-149.

عرض مقدم إلى مقرر التحول الديموقراطي (برنامج الدراسات العليا)،

إشراف أد.علي الدين هلال

إعداد: علي جلال معوض

مدرس مساعد في قسم العلوم السياسية

تمهيد
حظيت النظم غير الديموقراطية تقليديا بدرجة أقل من الاهتمام والتنوع في أبعاد دراستها إذ غلب التركيز على تناولها باعتبارها تقدم أنماطا ينبغي تجاوزها للوصول إلى النظم الديموقراطية، ومن ثم ساد التعامل معها –صراحة أو ضمنا- باعتبارها نظما استثنائية أو انتقالية. إلا أن استمرار بعض هذه النظم غير الديموقراطية واستعصائها على التغيير في مواجهة موجات التحول الديموقراطي المختلفة، فضلا عن تزايد تحول بعضها إلى نظم هجينة أو حرة جزئيا، وتأخر انتقالها إلى مصاف الديموقراطيات الليبرالية وعدم وضوح آفاق ذلك، كلها عوامل دفعت إلى تعميق الاهتمام بدراسة النظم غير الديموقراطية بما يتجاوز البحث عن تفسيرات عامة لتعثر تطورها ديموقراطيا والمسارات الممكنة لمعالجة هذا الخلل. وأصبحت الأجندة البحثية لدراسة النظم غير الديموقراطية أكثر اتساعا لتشمل:

التعريفات والتصنيفات والأنماط: التمييز بين صور النظم غير الديموقراطية وأنماطها وأشكالها المختلفة : وظهرت تصنيفات متعددة في هذا الإطار لعل من أكثرها انتشارا التمييز نظم شمولية، ونظم الحكم الشخصي والملكي، والحكم العسكري، وحكم الحزب الواحد، والحكم الديني، والأنظمة الهجينة أو غير الليبرالية.

الظهور والنشأة: تحليل محددات ظهور أنماط معينة من التسلطيات في سياقات معينة دون غيرها : أي ما هي العوامل مثلا التي تؤدي إلى ظهور نظم للحكم العسكري في دول معينة بينما تظهر نظم حكم ديني في دول أخرى؟.

أدوات الحكم والسيطرة السياسية والاستمرار: أي آليات عمل النظم غير الديموقراطية واستمرارها، وهو ما يرتبط بالتساؤل حول ما إذا كانت تتمتع بمصادر خاصة للشرعية سواء في إطار تطوير نمط خاص من المؤسسات لتحقيق الإكراه والمراقبة، والانتقاء والاستيعاب في إطار علاقات المحسوبية والزبانية السياسية والإدماج/الكوربراتية، فضلا عن المصادر التقليدية والقيمية والكاريزمية والخارجية للشرعية.

قضايا التغير والتحول بين السلطويات: دراسة عوامل وأسباب التحول بين النظم السلطوية وبعضها البعض: أي لماذا يحدث انتقال من نمط غير ديموقراطي إلى آخر، مثل التساؤل حول تفسيرات التحول من نظم الحكم العسكري إلى الحزب الواحد مثلا، أو من معظم أشكال النظم السلطوية إلى النظم الهجينة؟

قضايا التغير والتحول عن السلطوية: ما هي العوامل التي تجعل مسارات التحول عن السلطوية غير حتمية بالنسبة أو على الأقل مؤجلة ؟ ومتى تفقد النظم السلطوية قدرتها على الاستمرار في السيطرة السياسية؟ وهل تختلف أنماط النظم التسلطية المختلفة في قابليتها لبدء التحول الديموقراطي وتأثرها بعوامله وفقا لخصائص كل نمط وطبيعة السياق (بدلا من معاملة جميع النظم السلطوية كفئة واحدة تخضع لذات القواعد)؟ وهل تختلف النظم السلطوية في قابليتها لإقرار التحول واستكمال مساره وصولا لترسيخ الديموقراطية؟ تجعل مسارات التحول

وفي سياق الإجابة على بعض هذه التساؤلات يمكن تسكين دراستي إيفا بالين -الباحثة متخصصة في تحليل النظم السياسية العربية ، والحاصلة على درجاتها العلمية من هارفارد وبرينستون- إذ تمثلت مشكلتها البحثية في مقالتها الأولى لعام 2004 في البحث عن تفسير مقنع لاستعصاء النظم السلطوية في منطقة الشرق الأوسط على التغيير وإبدائها قدرة عالية على الاستمرار، رغم موجات التحول الديموقراطي التي طالت دولا أخرى بعضها أسوأ من حيث عدم توافر المتطلبات السابقة لبدء الديموقراطية (مثل بعض دول افريقيا جنوب الصحراء). ثم أعادت البحث مرة أخرى في 2012 في دراسة جديدة حللت فيها دلالات انتفاضات “الربيع العربي” وسقوط النظامين المصري والتونسي، وما إذا كان ذلك يقتضي مراجعة تفسيرات استمرار التسلطية وسقوطها وبدء مسارات التحول عنها.

في تفسير رسوخ السلطوية واستعصائها على التحول عنها:
مراجعة وانتقاد التفسيرات السائدة:
تبدأ بالين بمراجعة المقولات والاجتهادات النظرية السائدة في تفسير استمرار النظم السلطوية في المنطقة، وتحددها بالأساس في اتجاهات التأكيد على عدم توافر الشروط المسبقة للتحول الديموقراطي ومتطلباته، من حيث:

· ضعف المجتمع المدني وعدم قدرته على الدفع نحو التحول الديموقراطي: مع ضعف النقابات وتجمعات رجال الأعمال والمنظمات غير الحكومية. ويساهم ضعف التنظيمات والتجمعات الطوعية غير الحكومية في إضعاف ثقافة المجتمع المدني التي تمثل شرطا ضروريا للديموقراطية.

· عدم وجود اقتصاد سوق قوي واستمرار سيطرة الدولة على الاقتصاد: رغم مرور بعض دول المنطقة بخبرات أكثر من عقدين من برامج التكيف الهيكلي، إلا أن الدولة ما تزال هي المسيطرة بشكل أساسي على النشاط الاقتصادي، وما يزال القطاع العام صاحب النسبة الأكبر في التوظيف وتوليد الناتج القومي الإجمالي في غالبية الدول، مع استمرار تراث الأيديولوجيات والثقافات المتطلعة لدور الدولة في المجال الاقتصادي.

· انخفاض مستويات التحديث والدخول والتعليم ومؤشرات التنمية البشرية: ارتفاع مستويات الفقر، والأمية، وعدم المساواة، وهو ما يقلل من أولوية مطالب الإصلاح السياسي/الديموقراطي سواء لدى الجماهير أو النخب.

· عدم توافر ثقافة ملائمة للديموقراطية مع التأثيرات السلبية للقيم غير الديموقراطية في الثقافة الإسلامية (وفق التصورات السائد)، وعدم قوة المجتمع المدني والتنظيمات السياسية،

· بعد دول المنطقة جغرافيا(باستثناء تركيا) عن المراكز الأساسية والنماذج الناجحة للديموقراطية بما يقلل التأثيرات الانتشارية للتحول الديموقراطي.

وتنتقد بالين هذه الاجتهادات باعتبارها غير كافية لتفسير استعصاء المنطقة على التحول الديموقراطي من أكثر من زاوية:

-أولها أن ثمة دول وحالات شهدت بدء عمليات للتحول الديموقراطي –بدرجات متفاوتة من النجاح- رغم معاناتها من ذات الافتقار لمتطلبات التحول وشروطه المسبقة، وهو ما يظهر في العديد من الدول أفريقيا جنوب الصحراء مثلا

-وثانيها أن غياب أو ضعف توافر هذه الشروط والمتطلبات قد يفسر صعوبة نجاح اكتمال عمليات التحول الديموقراطي باتجاه الوصول إلى ديموقراطيات راسخة، لكنها لا تكفي لتفسير تعثر بدء عمليات التحول عن السلطوية ذاتها.

-وأخيرا فإن التدقيق يكشف عن وجود بعض عناصر هذه المتطلبات فعليا في مجتمعات المنطقة ودولها: من حيث وجود نشاط لبعض منظمات المجتمع المدني، وتزايد نسبي لدور القطاع الخاص، وتطورات نسبية في مؤشرات التنمية البشرية، ووجود اتجاهات إصلاحية تدفع نحو مراجعة التراث الثقافي والديني القائم والتأكيد على توافقه مع قيم الديموقراطية.. إلا أن العائق الأساسي أمام تفعيل جميع هذه العناصر الإيجابية يتمثل –وفقا لبالين- في استمرار قوة الدول وسيطرتها وقدرة النظم القائمة على الإكراه والقمع وردع أي محاولات للتغير عبر أجهزتها الأمنية (الشرطية والعسكرية).

– كما ترفض بالين تفسير استمرار النظم السلطوية في المنطقة بتأثيرات التهديد الخارجي ممثلا بالأساس في التهديد الإسرائيلي؛ فرغم أن هذا العامل قد يساهم في إيجاد مبررات إضافية للشرعية وتهميش قضايا الإصلاح السياسي باعتبارها في مرتبة ثانوية مقارنة بتهديدات الأمن القومي، إلا أن هذا العامل بمفرده يعجز عن تفسير استمرار السلطوية في مختلف دول المنطقة بغض النظر عن قربها وانخراطها فعليا في دائرة الصراع أم لا. ومن ثم تصبح هناك حاجة للبحث عن تفسيرات أخرى.

تقديم تفسير بديل: دور الأجهزة الأمنية الإكراهية للدول (القدرات والإرادة):
وتستلهم بالين تفسيرها لقدرة الأنظمة القمعية على الاستمرار والحد من بدء عمليات التحول الديموقراطي بالرجوع إلى بعض الكتابات الخاصة بتيدا سكوكبول حول الثورات، إذ يلفت الانتباه أنه رغم انتشار المظالم وحالات عدم الرضا عن الحكومات والحكام إلا أن الثورات تظل قليلة نسبيا، وحالات نجاحها أكثر ندرة. وتفسر سكوكبول ذلك بقدوة الدولة الإكراهية التي تحد من احتمالات اندلاع الثورات ضدها أو نجاح هذه الثورات حال قيامها.

وتركز بالين في هذا الإطار على متغير تفسيري أساسي هو رسوخ “دور الأجهزة الأمنية الإكراهية Robust State Security coercive apparatus” باعتبار أن ذلك هو العامل المفسر لاستمرار النظم التسلطية ومقاومتها نزعات التغيير. فكلما كانت الأجهزة الامنية الإكراهية للنظام تتمتع بالقدرة والرغبة في الدفاع عن النظام السلطوي القائم، فإن احتمالات بقاء النظام السلطوي ومقاومته أي محاولات للإصلاح والتغيير تصبح أعلى.

وتحدد بالين اربع محددات فرعية لقدرة المؤسسات الأمنية ومواقفها من مطالب الإصلاح (التي قد تصل إلى حد الثورات)، وهي:

1- القدرة المادية أو المالية: أي تمتع الأجهزة الأمنية وأعضائها بالموارد المالية المطلوبة في صورة نسب كبيرة (تتجاوز 6% غالبا) من إيرادات الدولة من مصادرها المختلفة. ويلفت الانتباه أن بعض الدول قد تخفض إنفاقها على الدعم وعلى أبواب الصحة والتعليم وغيرها استجابة للأزمات الاقتصادية أو ضغوط المؤسسات الاقتصادية الدولية، إلا أن مخصصات المؤسسات الأمنية تظل ثابتة أو تزيد، وتبقى نسبتها مرتفعة في أغلب الأحوال عن نظيراتها في النظم الديموقراطية. ويساعد الطابع الريعي Rentier state للكثير الدول السلطوية في المنطقة العربية في توفير الموارد اللازمة للإتفاق على الأجهزة الأمنية.

2- استمرار الدعم الدولي للمؤسسات الأمنية وأدوارها : وقد تمتعت العديد من المؤسسات الأمنية في النظم التسلطية بدعم خارجي تاريخيا في إطار مرحلة الحرب الباردة، واستمر بعضها في تلقي ذات الدعم حتى بعد نهاية هذه الحرب. وفي المقابل، فإن تراجع هذا الدعم الخارجي للمؤسسات العسكرية في بعض دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا ساهم في تعزيز فرص تحولها عن السلطوية.

3- درجة مؤسسية الأجهزة الأمنية (المقصود المؤسسية بالمعني الفيبري أي الطابع البيروقراطي، ووضوح القواعد واحترامها، تغليب اعتبارات الكفاءة في التعيين والترقي، وليس بالضرورة المؤسسية بمعنى الاحترافية والمهنية وعدم التسيس والفصل بين المدني والعسكري) في مقابل غلبة معايير الانتماءات الأولية (العشائرية والقبلية والمذهبية والإثنية)، واعتبارات وعلاقات المحسوبية والزبانية السياسية والفساد عليها. فكلما كانت الأجهزة الامنية أكثر مؤسسية، انخفضت رغبتها في الاستخدام الفعلي للقوة والقمع في مواجهة مطالب الإصلاح نتيجة اعتقادها بقابليتها للاستمرار حتى في حالة سقوط النخبة السياسية، فضلا عن التخوفات من حدوث انقسامات داخل المؤسسة الأمنية، وتطور نوع من الهوية الوطنية داخل المؤسسات الأمنية باعتبارها تستهدف تحقيق الصالح العام من خلال أدوارها في حماية الأمن الوطني للدولة أو تحقيق التنمية الاقتصادية. كما أن تحقيق إنجازات في هذين المجالين (الأمن والتنمية الاقتصادية) قد يشجع قيادات المؤسسة العسكرية على دعم الإصلاح السياسي مع الاعتقاد بالقدرة على تصدر موجة الإصلاح من خلال الانتخابات ذاتها.

وفي المقابل، فإن المحسوبية Clientalism والحكم الأبوي Patrimonialism توفر آليات أساسية لاستمرار النظام التسلطي حيث يعتمد الحاكم على مجموعة من المؤيدين له داخل الدولة يفوزون بمكاسب مباشرة مقابل تطبيق إرادة الحاكم كإحدى آليات الاستقطاب والجذب Co-optation التي تفرق قوى المعارضة من جهة وتجتذب درجة اعلى من تأييد المؤسسات الأمنية من جهة ثانية إذا كانت تتمتع بوضع خاص ضمن الجماعات المميزة.

4- درجة التعبئة الشعبية للتغيير أو الإصلاح: كلما زادت أعداد (كم) وقطاعات (كيف: أهمية الطبقة المتوسطة، تمثيل شرائح مختلفة، مواقف المؤسسات الدينية، …) المطالبين بالإصلاح، قلت رغبة/استعداد الأجهزة الامنية لممارسة القمع والإكراه، وبالتالي زادت فرص التحول الديموقراطي. ولا يمنع ذلك وجود حالات يرى فيها النظام أن السماح بالإصلاح هو تهديد وجودي بالنسبة له ، بما يؤدي إلى اللجوء لأعلى درجات القمع مهما كانت مستويات التعبئة ضده (حالة سوريا مثلا)..

وتنبه بالين إلى أن المحدد الأخير –مستوى التعبئة- قد يبدو تابعا للمحددات الأخرى الخاصة بدرجة القمع /قدرة المؤسسات الأمنية (ومن ثم يصبح تكرارا لها ويقتضي الاقتصاد في المتغيرات حذفه) أو قد يبدو متغيرا تابعا أو دالة في عدد كبير من المتغيرات الأخرى (الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والتعليمية وغيرها من تلك التي تركز عليها مدرسة المتطلبات أو الشروط المسبقة للديموقراطية). لكن يظل مع ذلك ثمة خصوصية فيما يتعلق بهذا المؤشر، إذ قد يحدث الحشد أو التعبئة في لحظات وسياقات معينة رغم القمع الأمني ، وكذلك رغم عدم توافر كافة الاشتراطات والمتطلبات الخاصة بالديموقراطية والفواعل المرتبطة بها (وجود مجتمع مدني قوى متطور، ثقافة مشجعة للديموقراطية، ارتفاع مستويات الوعي والتعليم والدخول…الخ). ومن ثم فإن التعامل مع مستوى الحشد أو التعبئة كمتغير مستقل هو أمر يمكن تبريره.

أي من هذه المحددات الأربع بمفرده لا يمثل شرطا ضروريا أو كافيا لاستمرار السلطوية أو التحول عنها، لكنها معا تحدد فرص استمرار السلطوية أو التحول عنها(إذا كانت الأجهزة الأمنية تتمتع بقدرات مادية ودعم دولي وتقوم على علاقات زبانية سياسية غير مؤسسية مع انخفاض مستويات التعبئة الشعبية فإن احتمالات استمرار النظام السلطوي تصبح أعلى.. أما حال غياب أو تغير أحد هذه العناصر أو اكثر، فإن احتمالات التحول الديموقراطي تصبح أعلى).

المتغير التابع/القيم

استمرارية النظام السلطوي

ارتفاع احتمال استمرار النظام السلطوي

ارتفاع احتمالات سقوط النظام السلطوي /بدء التحول عن السلطوية

المتغير المستقل: دور مؤسسات الإكراه الأمنية (القدرة والرغبة)/ المحددات

القدرات المادية

قدرات مادية عالية

تراجع أو انهيار القدرات المادية

الدعم الدولي

استمرار الدعم الدولي

تراجع الدعم الدولي

الطابع المؤسسي/ الأبوي

طابع أبوي

طابع مؤسسي

مستوى التعبئة الاجتماعية

تعبئة اجتماعية منخفضة (كما) أو مركزة (نوعا) ومقتصرة على جماعات محدودة أو أقليات

تعبئة اجتماعية عالية (كما) ومنتشرة (نوعا) وتضم جماعات ومؤسسات أساسية

التطبيق على المنطقة العربية والشرق الأوسط
يكشف التحليل أن الفترة حتى 2004 اتسمت بحضور غالبية أو كل توليفة العناصر المقللة لاحتمالات التحول الديموقراطي، حيث اتسمت دول المنطقة ونظمها ومؤسساتها الأمنية بالخصائص التالية:

– توظيف القدرات الريعية للدول وإيراداتها في تأمين الإنفاق على الأجهزة الأمنية؛

– استمرار الدعم الدولي للنظم السلطوية في المنطقة وأذرعها الأمنية رغم نهاية الحرب الباردة في ظل الاعتقاد بمحورية دورها في تامين مصالح الغرب الاستراتيجية لاسيما تلك المتعلقة بإمدادات الطاقة ومواجهة الخطر الإسلامي؛

– الطابع الأبوي للكثير من المؤسسات الأمنية في دول المنطقة (رغم الطابع المؤسسي لبعضها مثل مصر وتونس وتركيا) حيث تعيين قيادات المؤسسات الأمنية وتشكيل الوحدات الأمنية الخاصة على أسس تتصل بالروابط العائلية والمذهبية والإثنية والقبلية بما يضفي روابط شخصية وأولية على العلاقات بين المؤسسات الأمنية والنخب/النظم الحاكمة؛

– انخفاض مستويات التعبئة الاجتماعية وعدم وجود حركات شعبية حادة في أحجامها وعابرة للطبقات في تكوينها: وذلك في إطار ضعف قوى المعارضة وتشتتها، فضلا عن توظيف الدولة استراتيجيات القمع والاحتواء والاستقطاب والإدماج في مواجهتها؛ واقتصار القدرة على الحشد على الإسلاميين وهو ما يعزز قدرة الدولة على مواجهتهم من خلال تصويرهم كمصدر للتهديد للأمن داخليا وخارجيا ومن ثم تبرير إطلاق يد الأجهزة الأمنية في مواجهتهم (مثلما حدث في سوريا في السبعينيات والجزائر في التسعينيات)، وأزمة الليبرالية وقواها في المنطقة.

جميع هذه العناصر ظلت صالحة لتفسير استمرارية النظم التسلطية في المنطقة حتى قيام ثورات الربيع العربي التي أسقطت بالقيادات والنخب السياسية السلطوية الحاكمة في تونس ومصر بسهولة نسبية، مع تفجر مطالب التغيير في دول أخرى واتخاذها طابعا عنيفا في إطار . وتكشف مراجعة

نقد وتقييم
رغم أهمية الاجتهاد التفسيري الذي تقدمه دراسة بالين وتركيزه على متغير أو بالأحرى فاعل واحد رئيسي (الأجهزة الأمنية) وخصائصه وقدراته ومواقفه كمفسر لاستمرار النظم التسلطية أو سقوطها، إلا أن هذا الاجتهاد يظل قابلا للنقد من عدة زوايا:

– الطابع اختزالي في عرض وانتقاد الاتجاهات الأخرى: في حين أن تحليل بعضها على نحو أكثر دقة قد يكشف عن تفسيرات لذات الظاهرة، مثل اتسام بعض عناصر المجتمع المدني ذاتها بأنها غير ديموقراطية، أو ارتباط القطاع الخاص بعلاقات محسوبية وزبانية سياسية مع النظم القائمة بما يجعل دفعه لعمليات التحول الديموقراطي أقل احتمالا.

– اختزال مفهوم قوة الدولة في قوة أجهزتها الأمنية باعتبارها آليات للسيطرة والقمع، وهو ما قد يصلح لتفسير الاستجابات للثورات، لكنه لا يصلح لتحليل استمرارية النظم السلطوية بشكل عام. ويعبر ذلك عن إحدى الإشكاليات المحيطة بتحليل النظم غير الديموقراطية (الليبرالية) إذ يسود افتراض بأن المجتمع ينتظر الفرصة لتأسيس نظام ديموقراطي في مواجهة المعوقات المختلفة. لكن هذا الافتراض يتجاهل إمكانية وجود حالات تكون فيها “الأنظمة غير الديموقراطية ممأسسة ومستقرة وشرعية كما هي الحال بالنسبة لأي نظام ديموقراطي، يتمتع ببعض أو حتى بجل دعم المجتمع، خاصة إذا كانت المنافع منتشرة بشكل كاف، وكان اللجوء إلى الإكراه محدودا، والنظرة إلى التغيير السياسي بأنه محفوف بالمخاطر”[1].

– مشكلة الدائرية: هناك درجة من التداخل بين المتغير المستقل (موقف الأجهزة الأمنية) والمتغير التابع (ثبات/ تغير النظم السلطوية)، وذلك في إطار ما تشير غليه الكاتبة ذاتها من تداخل كبير بين النخب السياسية التسلطية الحاكمة والمؤسسات الأمنية، بحيث أن تخلي هذه الأجهزة أو عجزها عن القمع (أو العكس) يمكن التعامل معه باعتباره مؤشرا لانهيار النظام التسلطي (أو استمراره). لكن يظل من الممكن الرد على هذا الانتقاد بتأكيد وجود نوع من التمايز مؤسسيا بين النخب السياسية والأجهزة الأمنية إذ تظل الأخيرة في أغلب الأحيان مستمرة رغم تغير النظم.

– تجاهل بعض الأبعاد الأساسية الخاصة بمتغير موقف المؤسسات الأمنية، مثل درجة التماسك الداخلي لهذه المؤسسات، وإمكانية وجود تباينات في مواقف الأجهزة المختلفة، فضلا عن دور قيادات هذه الأجهزة ورؤاها التي قد لا تأتي بالضرورة تابعة للمحددات الهيكلية أو السياقية.

[1] باتريك ه. أونيل، مبادئ علم السياسة المقارنة، ترجمة باسل جبيلي(دمشق: الفرقد-شرق وغرب،2012)ص 238.

———-

 

12 ملف مترجم بالكامل لمنهج التحول الديمقراطي من عدد من الكتب والمقالات الأكاديمية

 

1- التحول الديمقراطي – تعزيز الديمقراطية من الخارج

http://arabprf.com/?p=653

 

2- التحول الديمقراطي: النظرية والتجربة

http://arabprf.com/?p=657

 

3- التنمية والديمقراطية – أوجه قصور الدراسات

http://arabprf.com/?p=694

 

4- الأنظمة غير الديموقراطية: استعصاء السلطوية على التغيير

http://arabprf.com/?p=660

 

5- التحول الديمقراطي: الضغوط الخارجية وأنواع النظم السلطوية

http://arabprf.com/?p=664

 

6- عن الديمقراطية والتحول الديمقراطى

http://arabprf.com/?p=667

 

7- التحول الديمقراطي: الجذور الاقتصادیة للدیكتاتوریة والدیمقراطیة

http://arabprf.com/?p=671

 

8- التحول الديمقراطي: سيمور مارتن ليبست ودراسة الديمقراطية

http://arabprf.com/?p=675

 

9- التحول الديمقراطي: الديمقراطية والتنمية الاقتصادية

http://arabprf.com/?p=678

 

10- التحول الديمقراطي: الفقر وعدم المساواة – Routldege Handbook of Democratizaion

http://arabprf.com/?p=681

 

11- التحول الديمقراطي: الجمع بين الوكالة والهيكل

http://arabprf.com/?p=686

 

12- التحول الديمقراطي: ما الذي يسبب الديمقراطية؟ باربرا جيدس

http://arabprf.com/?p=689

عن admin

شاهد أيضاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي - محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي – محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي ة الحداثية للتراثمحمد أركون نموذجاً                    م.د سامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *