الرئيسية / علوم بينية / الاقتصاد السياسي / مبادئ علم السياسة المقارنة: “الاقتصاد السياسي” السوق والملكية والإنفاق الاجتماعي و الميركانتلية
مبادئ علم السياسة المقارنة: “الاقتصاد السياسي” السوق والملكية والإنفاق الاجتماعي و الميركانتلية
مبادئ علم السياسة المقارنة: “الاقتصاد السياسي” السوق والملكية والإنفاق الاجتماعي و الميركانتلية

مبادئ علم السياسة المقارنة: “الاقتصاد السياسي” السوق والملكية والإنفاق الاجتماعي و الميركانتلية

مبادئ علم السياسة المقارنة: “الاقتصاد السياسي” السوق والملكية والإنفاق الاجتماعي و الميركانتلية

 

الفصل الرابع من كتاب مبادئ علم السياسة المقارنة لباتريك أونيل

 

الاقتصاد السياسي

مفاهيم أساسية:

  • كل الدول تشارك في إدارة الأسواق والملكية.
  • توفر الدول السلع العامة التي يتشارك بها المجتمع في بعض الفائدة الجماعية.
  • توفق الأنظمة الاقتصادية السياسية المختلفة بين الحرية والمساواة عبر أشياء مثل الإنفاق الاجتماعي والضرائب والتشريع والتجارة.
  • يمكن المقارنة بين الدول المختلفة والأنظمة الاقتصادية السياسية من خلال مستويات التنمية البشرية والثروة وعدم المساواة.
  • غدت أنظمة الاقتصاد السياسي أكثر ليبرالية خلال العقود الثلاثة الماضية.

 

عالم الاقتصاد مثل عالم السياسة يتكون من مؤسسات كثيرة وقوانين وقواعد وقيم تؤثر بقوة على الطريقة التي يتم من خلالها بناء النظام الاقتصادي. غالبا ما يظن الناس أن الأنظمة الاقتصادية شيء “فطري” ذات وظائف مماثلة لقانون الجاذبية وفي الحقيقة، يعتمد اقتصاد ما على مجموعة معينة من المؤسسات التي تمكن الأفراد من تبادل السلع والموارد بين بعضهم البعض. وعلاوة على ذلك، إن المؤسسات الاقتصادية، مثلها مثل المؤسسات السياسية يصعب تغيرها ما إن تبني، إذ تصبح كينونة قائمة بحد ذاتها ويعاني الناس من ظروف قاسية في تصور حياتهم بدونها.

تؤثر المؤسسات الاقتصادية بشكل مباشر على عالم السياسة والعكس صحيح فالاقتصاد إحدى الحلبات الرئيسة التي تشهد ذلك الصراع من أجل الحرية والمساواة. وبينما ينظر بعضهم إلى الاقتصاد وسيلة رئيسة يمكن للناس من خلالها الوصول إلى حرية الفرد، يعتبر أخرون إن الاقتصاد هو وسيلة رئيسة للوصول إلى المساواة الجماعية.

 

مكونات الاقتصاد السياسي:

جميع الدول المعاصرة منخرطة إلى حد كبير في الشئون اليومية لاقتصادياتها على المستويين المحلي والدولي تستخدم هذه الدول والأنظمة مجموعة متنوعة من المؤسسات الاقتصادية لرسم خريطة الاقتصاد لتحقيق أهدافها الإيديولوجية المعلنة.

1-السوق والملكية

إن المكان الأساسي الذي يجب الانطلاق منه هو الأسواق والملكية فعندما يتحدث الناس عن الأسواق، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المرء هو مكان فعلي يشتري منه الناس ويبيعون السلع. لأنه منذ عاش الإنسان في مجتمعات مستقرة استطاعت أن تنتج فائض من السلع، كانت هناك أسواق. إن وجود الأسواق مرتبط اللي حد كبير بوجود المدن، فالناس يستقرون حول الأسواق غالبا ما تنمو حول الأماكن المحصنة حيث يمكن إجراء التبادلات التجارية ما بالمدن.

فالأسواق هي التفاعلات بين قوي العرض والطلب وهي تخصص الموارد من خلال عملية التفاعل تلك. وفي أثناء تفاعل هذين العاملين، تخلق قيمة للسلع والخدمات بالتوصيل الى أسعار محددة. والأمر المثير بالنسبة للأسواق هو أنها يمكن أن تكون لامركزية إلى حد كبير. باختصار، تظهر الأسواق كنوع من جماعة مشترين وبائعين في تفاعل مستمر من خلال الخيارات الاقتصادية التي يتخذونها، وفي الوقت نفسه، تتطلب قوي السوق بطبيعتها أن تقوم الدول بوضع العقود حيز التنفيذ، وإقرار النشاطات الاقتصادية وتنظيم العرض والطلب حيث كان ذلك ضروريا. فعلي سبيل المثال، تتحكم الدولة الى حد ما بسعر اليد العاملة بوضع حد أدني للأجور. من خلال منع المخدرات والدعارة، تحاول الدولة حظر جانب معين من السوق برمته.

الأسواق

  • يسعي الباعة إلى إنتاج منتجات تكون في الطلب.
  • يسعي المشترون إلى شراء السلع الأفضل أو الأكثر بالسعر الأدنى.
  • الأسواق هي الواسطة التي يتبادل فيها الباعة والمشترون البضائع.
  • تبرز الأسواق بشكل عفوي وليس من السهل علي الدولة أن تتحكم بها وتراقبها.

الملكية هي العنصر الثاني الهام لأي اقتصاد فبينما تعتبر الأسواق الوسيلة التي يتم من خلالها تبادل البضائع والخدمات، تشير الملكية إلى الجهة التي تملك هذه السلع والخدمات، ويمكن أن تشير الملكية إلى الأراضي والأبنية والشركات والأشياء الشخصية وغيرها كثير. وكما هو الحال مع قوي السوق، فإن الدولة هي التي تضع حقوق الملكية وتطبقها. دون سلطة الدولة التي تعمل بطريقة عادية كون الملكية غير آمنة.

يعتقد أناس كثير أن الملكية، بعكس الأسواق، ذات وجود مادي إذ بإمكان المرء رؤية السيارة وشرائها وامتلاكها وبيعها عندما يرغب بواحدة جديدة لكن الملكية ليست دائما شيئا ملموساً فالملكية الفكرية، مثلا، تشير إلى ملكية نوع معين من المعرفة أو المحتوي الفكري- أغنية أو شيفرة قطعة من برنامج إلكتروني أو علاج لمرضي السكري.

كما هو الحال مع الأسواق، تختلف الدول حول طريقة صياغة حقوق الملكية وتطبقها، سواء بين الناس أو بين الدولة والمجتمع قد تفشل الدول في فرض حقوق الأفراد بحماية ملكيتهم من أفراد آخرين.

2-السلع العامة

يمكن تعريف السلع العامة بأنها السلع التي تقدمها أو تؤمنها الدولة، التي تتوفر للمجتمع ولا يمكن تجزئتها، ما يعني أنه لا يمكن لشخص بمفرده أو منظمة خاصة أن تملكها. وبعكس السلع الخاصة ذات الصلة الفطرية بحرية الفرد، فأن السلع العامة يمكن أن تولد مزيداً من المساواة بسبب قدرة الجمهور العام على المشاركة بفوائد هذه السلع على نحو أوسع.

إن الطرق والدفاع الوطني والرعاية الصحية والتعليم الأساسي، هي سلع عامة في بلدان كثيرة، إذ يمكن لكل شخص داخل هذه الدول أن تستخدمها أو يستفيد من وجودها. لكن الدول تختلف جدا بالمدي الذي تقدم فيه السلع العامة، ويعود ذلك في جزء رئيسي منه إلى الدور الأيديولوجي في العلاقة بين الدول والأسواق فالرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال، ليست سلعة عامة، ولاتزال تحت تصرف القطاع الخاص، ولا يمتلك الجميع فرصا متساوية في الحصول عليها لكن الرعاية الصحية في كندا هي سلعة عامة تقدمها الحكومة من خلال المستشفيات العامة والفوائد المتساوية الشاملة لجميع المواطنين.

3-الإنفاق الاجتماعي: من يستفيد؟

الإنفاق الاجتماعي –  توفير الدولة للمنافع العامة، مثل التعليم والرعاية الصحية والمواصلات أو ما نطلق علية اسم ” الرعاية الاجتماعية ” أو دولة الرعاية الاجتماعية “.

من يستفيد من الإنفاق الاجتماعي؟ إن استخدمنا تعريفا صارما، فان الدولة تقدم الإنفاق الاجتماعي لأولئك الذين يجدون أنفسهم في ظروف تتطلب رعاية أكبر: العاطلين عن العمل: والمتقدمين في السن، الفقراء، وذوي الإعاقات.

يمكن أن يتضمن مثل هذا الإنفاق الرعاية الصحية، التدريب الوظيفي، تقديم بديل عن الراتب، تأمين السكن لكن الكثير من أشكال الإنفاق الاجتماعي تمثل سلعا عامة تتم الاستفادة منها على نطاق أوسع. فعلي سبيل المثال، يعالج نظام الرعاية الصحية الوطني كلا من العاملين والعاطلين عن العمل، الأغنياء والفقراء عل حد سواء أما الطرق السريعة والتعليم العالي العام والمؤسسات الثقافية، كالمتاحف، قد تعود بالنفع بشكل رئيسي على الأغنياء وإذا نظرنا إلى الإنفاق الاجتماعي على نحو أوسع، فسنجد أن معظم الأموال التي تصرف في كثير من الدول تستفيد منها الطبقة الوسطي، وليس الفقراء. وفي هذه الحالة يمكن القول إن لدولة الرعاية هي بنية يتم فيها فرض ضرائب على الطبقة الوسطي والأغنياء ليستفيد الفقراء.

4-الضريبة …

غدت السلع العامة والإنفاق الاجتماعي خلال الأعوام الخمسين الأخيرة مسؤوليات رئيسة ومتزايدة تقع على عاتق الدولة. كيف تدفع الدولة مقابل هذه النفقات؟ إن أحد الموارد الأساسية للأموال هي الضرائب. كما هي الحال بالنسبة للإنفاق الاجتماعي، تولد الضرائب مشاعر متناقضة: فينظر إليها بعضهم أنها وسيلة تستولي بواسطتها الدول الجشعة على العائد التي كدح المواطنون في سبيل جنيها، وهو ما يعوق النمو الاقتصادي، بينما يري أخرون أنها إدارة فعالة لإقامة مستوي أساسي من المساواة. وبغض النظر عن رأي الشخص في الضرائب، تتوقع المجتمعات من الدول تأمين عدد من السلع والخدمات العامة، وبالنسبة لمعظم الدول، الضرائب مصدر أساسي للعائدات.

تختلف قيمة الضرائب التي يتم جمعها من دولة الى دولة لذلك تميل بلدان أوربية كثيرة ذات إنفاق اجتماعي كبير إلى فرض ضرائب إجمالية مرتفعة لتمويل تلك النفقات. وبالإضافة الى ذلك تختلف الدول من مصدر هذه العائدات فيعتمد بعضها على ضرائب شخصية مرتفعة بينما تعتمد أخري على ضرائب تفرضها على الشركات أو السلع والخدمات.

 

المال والتضخيم والبطالة …

يجب على الدول أن تنشئ علاقة مع الأسواق والملكية، وأن تقرر نوعية السلع والملكيات التي يجب أن تبقي في القطاع الخاص، وتلك التي يحب أن تكون عامة، ونوع الحقوق التي يملكها كل من القطاعين. يجب على الدول أيضا أن تحدد مستوي وشكل الإنفاق الاجتماعي المطلوب لضمان المعاير الأساسية للعيش والأمن لجميع المواطنين يتطلب هذا التوزيع الأموال، وعادة يجب على الدول أن تعتمد على الموارد العامة من خلال الضرائب. لكن وجود قاعدة ضريبة ناجحة ومثمرة يحتاج إلى اقتصاد نشط ومتنام. وهو ضروري أيضا لتلبية حاجات المجتمع ومطالبه وهكذا بينما تلقي علي الدولة مسؤولية إدارة الأسواق والملكية والمنافع العامة، تضطلع أيضا بمسؤولية رعاية النمو الاقتصادي.

إن إحدى الطرق الأساسية التي تقوم الدول بهذا الدور هو خلق وإدارة المال، والمال ليس سوي وسيلة للمقايضة وبعكس الثروة المكونة من ملكية لها قيمتها، فإن الأموال هي أداة يستخدمها الأشخاص للقيام بمبادلات اقتصادية. لا يمثل المال إلا جزءاً يسراً من الثروة في العالم , ويتجسد بغالبيته في المنازل والمصانع والأراضي وملكيات أخري لكن من دون المال يصعب القيام بالمبادلات الاقتصادية .ولهذا تلعب الدول دورا هاما للغاية في توفير المال كوسيلة لتأمين وتحفيز المبادلات الاقتصادية في غابر الأزمان  , لم يكن هناك وجود للمال لكن بينما أخذت أنظمة سياسية معقدة بالتشكيل بدأت هذه الأنظمة بتأسيس علاقات مالية بدائية من خلال نظام مالي , اعتمد أساسا علي معادن لها قيمة بذاتها (الذهب والفضة ) لكن المال خلال القرن الماضي فقد تماما كل قيمته الذاتية ومع هذه  التحولات بدأ الناس بوضع ثقتهم في العملة المتداولة في الدولة اعتمادا علي الثقة بهذه الدولة حيث يقبل الشخص بأن يدفع له بالدولار أو اليورو أو الين لأنه يعرف أن الأخرين سيقبلونها بدورهم .

ونتيجة لتحكمها بالمال تملك الدول نفوذا كبيرة على اقتصادياتها الداخلية، ويأتي جزء من هذا النفوذ مما يعرف بالبنك المركزي الذي هو مؤسسة تتحكم بكمية المال الذي يتدفق في الاقتصاد، بالإضافة إلى تكلفة الاقتراض في هذا الاقتصاد. وإحدى الوسائل الرئيسية التي يؤثر من خلالها البنك المركزي علي هذين المجالين هو تغير نسبة الفائدة الوطنية وهي بالنسبة التي تفرض على المصاريف الخاصة عندما تحتاج للاقتراض من البنك المركزي أو بعضها من بعض.

فعندما يخفض البنك المركزي الفائدة التي يستوفيها من المصارف , تخفض هذه المصارف بدورها الفائدة التي تستوفيها من الشركات والأفراد  وتصبح القروض اقل تكلفة والمدخرات أقل ربحية , وهو ما يدفع الأشخاص إلي الاقتراض أكثر والإنفاق اكثر يؤدي هذا إلي زيادة كمية الأموال التي تتحرك في الاقتصاد وهو ما يحفز النمو الاقتصادي أما اذا رفع المصرف المركزي أسعار الفائدة فمن المرجح أن يقل اقتراض الأشخاص للأموال وتزداد المدخرات للاستفادة من الفائدة الأكبر التي يمكن أن تجنيها مدخراتهم ونتيجة لذلك يتقلص ضخ الأموال في الاقتصاد ويرجح أن يتباطأ النمو الاقتصادي .

ترتبط تدابير البنك المركزي أيضا بشكل وثيق بعاملين اثنين مهمين في أي اقتصاد هما: التضخيم والبطالة. فعندما يزيد ضخ الأموال من خلال الائتمان غير المكلف فأن الاقتصاد يشهد وجود كميات كبيرة من المال مقابل سلع قليلة – خلل في التوازن بين العرض والطلب وفي مثل هذه الظروف، تبدأ الأسعار بالارتفاع ويفقد المال قيمته، مسببا مشكلة تسمي التضخيم ورغم أن مستويات صغيرة من التضخيم لا تمثل مشكلة، إلا أن التضخيم قد يتحول إلى مشكلة حقيقة عندما يكون مستواه مرتفعا فتفقد المدخرات قيمتها بسرعة ويشعر العاملون وأولئك الذين يحصلون علي دخل ثابت كالمتعاقدين أن مرتباتهم أو معاشاتهم التعاقدية تشتري سلعا أقل فأقل. ويضغط الناس عندئذ للحصول على رواتب أعلي أو مزايا أخري من أجل تعويض ارتفاع الأسعار وهذا ما يغذي بدوره التضخيم أكثر.

البنك المركزي…

  • يراقب مقدار المال في الاقتصاد.
  • يراقب كلفة المال المستدان.
  • يخفض نسب الفائدة لتحفيز الاقتصاد.
  • يرفع نسب الفائدة ليحد من التضخم.

وفي الحالات الأسوأ يمكن أن تعاني الدول من التضخيم المفرط الذي يعرف بأنه التضخيم الذي تزيد نسبته عن 50%شهريا خلال أكثر من شهرين متتاليين ويحدث التضخيم المفرط عادة عندما تجد الحكومات نفسها أنها تفتقر إلى عائدات الضرائب لتغطية النفقات الأساسية وقد تقرر الحكومة في هذه الحالة أن تقوم ببساطة بطباعة أموال لتدفع مقابل نفقاتها الخاصة.

عندما يتم طباعة كميات كبيرة من الأموال وضخها في الاقتصاد تتأكل قيمتها بسرعة وهو ما يقوض شرعية العملة نفسها يدفع هذا الناس إلى إنفاق أموالهم بأقصى سرعة وهو ما يزيد من التضخيم أكثر وكما يمكن أن تتخيل انهيار العملية الاقتصادية في مثل هذه الظروف بسرعة.

قد تدفعنا مخاطر التضخيم للقول إن السيطرة الصارمة علي تدفق الأموال يجب أن تكون في طليعة أولويات الحكومة. لكن الوجه الأخر لمستويات الفائدة المرتفعة قد يكون ارتفاع نسب البطالة وانخفاض نسب النمو الاقتصادي فإذا أصبح اقتراض المال مكلفا جدا ستجد الشركات نفسها غير قادرة على خلق وظائف جديدة لان اعتماداتها الائتمانية للقيام باستثمارات إضافية تكون محدودة وقد يتجنب الأفراد في هذه الحالة الاقتراض والأنفاق تاركين أموالهم في المصارف للاستفادة من أسعار الفائدة المغرية.

أن الدول تقوم بمهمة حساسة للغاية في إدارة كمية الأموال المتدفقة إذ تحاول خلق اقتصاد تكون نسب التضخم والبطالة منخفضة فيه مع إدراكها أن هذين العاملين قد يعمل كل منهما ضد الأخر.

التنظيم …

يجب على الدول ألا تحصر اهتمامها بالناتج الاقتصادي فحسب بل يجب أن تهتم بالوسائل التي يتم من خلالها خلق هذا الناتج وكما هو الحال مع السلع العامة تؤثر مسائل أخلاقية وتقنية في مقاربة الدولة في هذا المجال، وهل بعض العمليات الاقتصادية التي تولد مشكلات تؤثر سلبا على المجتمع؟  من يملك الحقوق الأساسية في هذه الحالات؟ المواطنون أم الشركات؟ تقود هذه المخاوف الدول إلى مجال التنظيم الاقتصادي والأنظمة – هي القواعد أو الأوامر التي تضع حدود إجراء معين قد تأخذ أشكالا مختلفة أولاً قد تكون الأنظمة اقتصادية في طبيعتها حيث تضبط أسعار سلع أو خدمات معينة مثل الغذاء والطاقة كما يمكن أن تضبط الأنظمة الاقتصادية ماهية الشركات التي يمكنها العمل في أسواق معينة وأحد الأمثلة على ذلك هو أنظمة الهاتف الوطنية التي حتى وقت قريب كانت تعمل في معظم أرجاء العالم إما احتكار خاص أو احتكار حكومي.

التجارة …

يجب أن تبذل الدول جهوداً مضنية لمواجهة تحديات تنظيم الإنتاج الاقتصادي ليس داخل حدودها فقط وإنا بين مواطنيها والعالم الخارجي وفي معظم الاقتصاديات لم تعد الأسواق محلية فحسب بل تأتي السلع والخدمات من جميع أنحاء العالم وبإمكان الدول التأثير على درجة التنافس والوصول إي هذه السلع داخل الدول نفسها من خلال تحديد السلع والخدمات الأجنبية التي يمكن أن تدخل إلى السوق المحلية.

نقاشات حول تنظيم التجارة

لماذا يتم تنظيم التجارة؟                        لماذا عدم التنظيم؟

  • لتوليد عائدات للدولة                       لتشجيع المنافسة
  •           لرعاية الصناعة المحلية                       لإبقاء تكاليف السلع منخفضة
  •                                        لحماية الوظائف المحلية                 لتحفيز الابتكار المحلي في مجالات الأفضلية النسبية.
  • للحفاظ على الثروة في البلد                                              .

إن الطريقة التي تهيكل بها الدولة تجارتها تتأثر تأثيراً شديدا على تطورها الاقتصادي وتملك الدول عددا من الأدوات للتأثير على التجارة، التعريفات الجمركية التي هي بشكل أساسي ضرائب على السلع المستوردة أما الحصص فتحدد كمية السلع التي يمكن إدخالها إلي الدولة بالإضافة إلى قيود تنظيمية غير جمركية يمكن أن تفرض قيوداً لها علاقة بالصحة وتغليف السلع وغيرها وتكون غايتها الظاهرية حماية المواطنين لكنها في الحقيقة تزيد من صعوبة أو تكلفة بيع السلع الأجنبية في السوق المحلية.

لكن لماذا تقوم بتنظيم التجارة؟ قد تفضل الدول فرض تعريفات جمركية لجني عائدات وقد تنظر الدول والمصنعون المحليون إلى هذه الحواجز باعتبارها طريقة تحفيز أو تحمي الصناعات والشركات المحلية بينما يبرهن أولئك الذين يعترضون على الحواجز التجارية إن التجارة تؤدي إلى المزيد من المنافسة والابتكار والميزات النسبية وهي القدرة على إنتاج سلعة أو توفير خدمة معينة بكفاءة أكثر مقارنة بدول أخري تنتج السلعة ذاتها أو تقدم الخدمة نفسها.

الأنظمة الاقتصادية – السياسية:

يمكن تعريف النظام الاقتصادي السياسي بانة العلاقة الفعلية بين المؤسسات السياسية والاقتصادية في بلد محدده، بالإضافة الى السياسات والنتائج التي تولدها تنظر الأنماط العديدة والمساواة وتصنف عادة الأنظمة الاقتصادية السياسية باعتبارها ليبرالية أو ديمقراطية اجتماعية وشيوعية أو ميركانتلية إذ يمكن النظر إلى الأنظمة الاقتصادية السياسية أنها محاولة لتحقيق الإيديولوجيات النظرية في مؤسسات وسياسيات اقتصادية واقعية لكن سيكون هناك دائما انفصال بين النظرية والتطبيق.

الليبرالية …

تولي الليبرالية أولوية كبيرة لحرية الفرد السياسية والاقتصادية وتؤيد تقييد سلطة الدولة لصالح حريات واسعة للأفراد والسوق تفترض الليبرالية أن الأفراد هم الأكثر ملاءمة لتحمل مسؤولية سلوكهم ورفاهيتهم ويؤمن الباحثون الليبراليون، مثل ادم سميث بالسوق والملكية الخاصة إذا سمح للناس بتسخير طاقاتهم وحس المقاومة لديهم وجشعهم كأنهم سيولدون ازدهاراً أكثر من أي حكومة يمكنها أن تقوم بذلك من خلال سياسات وتشريعات (مفروضة من فوق)

إذا بالنسبة لليبراليين الدولة الأفضل هي تلك الضعيفة والمقيدة باستقلاليتها وإمكانياتها الذاتية. فإلى جانب تأمين حقوق الملكية، علي الدولة أن تحد من انخراطها في الاقتصاد. ويجب تأمين السلع العامة في مجالات محددة وحصرية مثل الدفاع والتعليم لكي تحد من ظاهرة (الركوب الحر) وتشجيع المسؤولية الفردية. يجب قبول البطالة على أنها جزء محتوم من مرونة السوق، بل مرغوب. ويجب الإبقاء على الضرائب عند الحد الأدنى وهكذا تبقي الثروة في أيدي الناس، أما التنظيم فيجب إن يكون خفيفاً يجب تشجيع التجارة لتحفيز التنافس والابتكار. وبالإجمال يجب أن تتطلع الدولة بدور الحارس الليلي، تتدخل للدفاع عن المجتمع عندما تندلع أزمة فقط تصف هذه الشروط العقيدة الليبرالية في سياسة عدم التدخل التي تقتضي السماح للاقتصاد بفعل ما يرغب به وهذا هوا تماما ما نصفة بالرأسمالية – وهو نظام الملكية الخاصة والأسواق الحرة

وفي ظل شروط الدفاع عن الحد الأدنى لتدخل الدولة هذه يعتقد الليبراليون أن النمو الاقتصادي سيتعاظم. والأكثر من ذلك أن الناس في ظل هذه الشروط أيضا سيتمتعون بدرجة عالية من الحرية الشخصية والسياسية يركز الليبراليون في الحقيقة على أن الديمقراطية تتطلب حرية السوق ويعتقدون بأنه إذا تركزت نسبة كبيرة من القوة الاقتصادية والسياسية في يد الدولة فإن هذا الاحتكار يعرض الديمقراطية للخطر ولهذا فإن الدول الضعيفة هي الشكل الأفضل للدولة وهو ما حاول اًدم سميث أحد أباء الفكر الليبرالي أن يثبته عام 1755م.

إذن تعرف الليبرالية كنظام اقتصادي سياسي من خلال تركيزها على حريات الفرد أكثر من تركيزها على المساواة الجماعية وعلى قوة الأسواق أكثر من الدولة ينطبق هذا الوصف على الولايات المتحدة الأمريكية لأنها تجسد تماما القيم الليبرالية. فالأنظمة غالبا ما تكون أضعف أما الإنفاق  الاجتماعي والضرائب فهي أقل منها في الديمقراطيات الصناعية الأخرى ,لكن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة في معسكر الليبرالية فالمملكة المتحدة التي هي الينبوع الفكري لمعظم الفكر الليبرالي ينظر إليها أيضا أنها بلد ليبرالي مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وقد تبنت دول كثيرة حول العالم خلال السنوات العشرين الأخيرة النمط الاقتصادي “الليبرالي الجديد ” وتعرف بالمستويات المنخفضة للأنظمة الحكومية والضريبة والإنفاق الاجتماعي وعلم الرغم من أن جميع هذه الدول يمكن تصنيفها أنها أنظمة ليبرالية إلا أنها تختلف في عدد من النواحي كالسلع العامة التي توفرها في مجالات التعليم العالي والبطالة وفوائد التقاعد وبالإضافة  إلي ذلك , وعلي الرغم من أن الإيديولوجية  الليبرالية تحاول أن تثبت  أن السوق الحرة  والديمقراطية  صنوان لا ينفصلان إلا أننا نستطيع أن نجد  دول تسود فيها أنظمة  سياسية اقتصادية ليبرالية ومع ذلك تفيد الحقوق الديمقراطية فسنغافورة وعمان والبحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة تتميز بأنها تملك أنظمة اقتصادية هي من بين الكثر حرية في العالم لكن الحقوق المدنية وحريات الفرد السياسية مقيدة في جميع هذه الدول .

الديمقراطية الاجتماعية…

إن الديمقراطية الاجتماعية تستلهم أفكارها من الليبرالية والشيوعية في محاولة لتخفيف وطأة الأفكار المتطرفة إزاء إفراط في الحرية أو المساواة مثل الليبرالية، تعمل الديمقراطية الاجتماعية علي أساس الرأسمالية – القائمة على الملكية الخاصة والأسواق المفتوحة – وترفض دعوة الشيوعين للثورة واستيلاء الدولة علي الملكية والثروات الخاصة ومن أهم أوائل مفكري الديمقراطية الاجتماعية إدوارد بيرن شتاين.

رفض بيرن شتاين في كتابه الاشتراكية التطورية عقيدة كارل ماركس بحتمية الثورة وخلص إلى أن الديمقراطية قد تتطور إلى اشتراكية من خلال صندوق الاقتراع وليس بالسلاح.

ويحاول الديمقراطيون الاجتماعيون إثبات أن التطور الاقتصادي غير الخاضع لأي نوع من الرقابة قد يؤدي ذلك الى مستوي كبير من عدم المساواة وذلك من خلال تركيز الثروة في أيدي قلة قليلة وهذا بدورة يستقطب المجتمع، الآمر الذي يثير المالكين ضد العمال والأغنياء ضد الفقراء والمدينة ضد الريف وفي هذه الطريقة من التفكير ينظر إلي الدولة ليس كخطر على المجتمع أو الاقتصاد، بل كخالق للحقوق الاجتماعية وإلا ستضيع في تقلبات السوق.

وهكذا يمكن لقوة الدولة أن تتجسد بعدد من الطرق حيث يجب أن توفر الدولة مجموعة واسعة من السلع العامة مثل الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية والتعليم العالي والحاجة للتنافس يجب ألا تقف في وجه تنظيم حكومي قومي أو حتي ملكية حكومية لقطاعات معينة في الاقتصاد والتجارة يجب أن تدار بطريقة لا تعرض الشركات وفرص  العمل داخل البلاد للخطر وأخيراً يتطلب هدف المساواة مستوي أعلي من الإنفاق الاجتماعي لضمان المنافع الأساسية للجميع تجعل الضرائب هذا الإنفاق الاجتماعي ممكنا , بينما تقوم في الوقت نفسة بإعادة توزيع الثروة من الأغنياء إلي الفقراء ، ولهذا عادة ما تكون الضرائب أعلي في نظام ديمقراطي اجتماعي .

ليست الديمقراطيات الاجتماعية جميعها ذات نمط واحد حيث يمكن أن تختلف الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية في مجال مرونة العمل فيمكن أن تنظم الوظائف وفق ساعات العمل المشغولة والميزات المتقدمة وشروط إقالة العمال.

كيف تعمل الديمقراطيات الاجتماعية لتحقيق المزيد من المساواة؟

  • من خلال الضرائب التي تجعل المستويات العليا من الإنفاق الاجتماعي ممكنة في حين تعيد توزيع الثروة من الغني إلى الفقير.
  • من خلال التجارة التي تشجع وتوازن بالحفاظ على الصناعة والوظائف المحلية.
  • من خلال التنظيم الحكومي وحتى ملكية القطاعات الهامة في الاقتصاد.

بالإضافة إلي هذه السياسات وجد عنصر أخر في بعض الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية هو استخدام النزعة النقابية الجديدة وهو نظام سياسة تجمع الدولة والعمال والشركات ، يتم اتخاذ القرارات الاقتصادية في النظام الليبرالي من خلال التفاعل التنافسي بين الشركات والعمال يطالب العمال بالحصول علي أجور أعلي أو تحسين شروط الأمان ويقومون بإضرابات أو حتي ترك العمل عندما يكون عملهم ضروريا أما أرباب العمل فيوظفون ويصرفون ويتفاوضون مع العمال بالطريقة التي يرونها مناسبة وتلعب الدولة دوراً محدودا في هذه العلاقات في المقابل تعتمد الأنظمة النقابية الجديدة علي عدد محدود من النقابات التي تمثل قطاعاً كبيرا من الشركات والعمال .

هذه الاتحادات مثل النقابات واتحادات رجال الأعمال بدورها تفوز باعتراف الدولة باعتبارها الممثل الشرعي لأعضائها وتقوم هذه الاتحادات مع الدولة بصياغة الاتفاقيات فيما يخص مسائل السياسة الاقتصادية الهامة مثل الأجور وتعويض البطالة والضرائب ويبرهن مؤيدو هذا النظام أن النتيجة هي نظام أقل جنوحا نحو النزاع ويوفر دوراً أكبر لكل من الشركات والعمال في سياسات الدولة الاقتصادية.

أخيراً غالبا ما تنخرط الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية في النظام الاقتصادي من خلال الملكية الجزئية أو الكاملة للشركات التي تعتبرها سلعة عامة.

الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية أكثر انتشاراً في أوروبا حيث تملك الدول استقلالية وإمكانيات أكبر لتدبير الاقتصاد بشكل فعال.

يتفقد الليبراليون هذه الأنظمة بدعوي أنها مكلفة وأنها تمثل عقبة في طريق الابتكار والمنافسة ويرد الديمقراطيون الاجتماعيون على ذلك بالقول إن أنظمتهم تتجنب إسراف الليبرالية في حين تواصل تشجيع المشاريع والأفكار الجديدة.

الشيوعية…

يختار النظام السياسي الاقتصادي في الشيوعية إلغاء الحرية الفردية بقوة لتحقيق المساواة.

انطلق المفكرون الشيوعيون مثل كارل ماركس من فرضية أن الرأسمالية بملكيتها الخاصة وأسواقها الحرة , لا يمكن أن تخدم حاجات المجتمع ككل بل ينظر الشيوعيون إلي الملكية الخاصة والأسواق علي أنها شكل من القوة يؤدي حتما إلي السيطرة علي الأخرين فالتنافس الاقتصادي بين الناس يخلق الاستغلال ونمو الطبقات الاجتماعية التي تسطير فيها مجموعة صغيرة من الأغنياء وتستفيد من عمل الأغلبية الفقيرة وهذا الاستغلال داخليا كان أم خارجيا يخلق فجوة تتوسع باستمرار بين أولئك الذين يسيطرون علي الاقتصاد وأولئك الذين يعملون فيه وحاول ماركس أن يثبت أن عدم المساواة هذا سيؤدي حتما إلي اندلاع ثورة يسيطر خلالها حزب شيوعي واحد علي الدولة باسم الشعب كله. تستخدم الأنظمة الشيوعية الدولة لتحويلها فيتم تأميم الملكية الخاصة بشكل كامل وتضع الدولة يدها عليها باسم الشعب ومن خلال التأميم تسعي الشيوعية إلى القضاء على الفروق الاقتصادية بين الناس وعلى أدوات الاستغلال يغدو الاقتصاد برمته سلعة عامة لخدمة الجميع، وتقوم الدولة بالقضاء على قوي السوق حيث تعتبر كل التبادلات الخاصة سوقا سوداء.

تعهد الشيوعية إلي الدولة اتخاذ جميع القرارات الاقتصادية ويفترض أن تكون الدولة هي المؤسسة الوحيدة التي يمكنها أن توزع الموارد بعقلانية لتعود بالفائدة القصوى على المجتمع برمثة.

وبسبب عملية صنع القرارات الاقتصادية وسيطرة الدولة علي الملكية كلها تختلف المهام الأساسية للدولة في الأنظمة السياسية الاقتصادية الأخرى عنها في ظل الشيوعية ما لاحظنا في غياب الأسواق والملكية لا يمكن الحديث عن حقوق ملكية أخري غير الممتلكات الشخصية فالأفراد لا يملكون شركات أو أراضي أو حتي بيوتهم وتأخذ الضرائب شكلا غير مباشر من خلال الأسعار والأجور الثابتة وأي ربح ينتجه عامل أو شركة ما يذهب مباشرة إلي الدولة للإنفاق العام ويتم القضاء علي البطالة وتقوم الدولة بتوزيع اليد العاملة أي أنها تحدد من سيعمل ومكان ذلك ولأن الدولة تملك جميع الشركات يتم القضاء علي التنافس أيضا  أما القواعد التنظيمية فرغم أنها موجودة إلا أنها قد تكون ضعيفة إلي حد كبير بما أن الدولة تقوم لتنظيم نفسها الإنفاق الاجتماعي واسع جدا بما أن الدولة تمتلك وتوفر كل الخدمات الأساسية بما فيها الرعاية الصحية والتعليم والتقاعد وحتي النشاطات الترفيهية وأخيرا التجارة فهي مقيدة إلي حد كبير حيث لا يتم استيراد سوي السلع التي تعتبرها الدولة ضرورية ولا يمكن إنتاجها داخل البلاد استقلالية الدولة وإمكانياتها مرتفعة جدا حيث يمكن للدولة أن تعمل دون تدخل المجتمع أو الجهات الاقتصادية الخاصة .

مؤيدي الملكية الخاصة وقوي السوق يبرهنون أن الدول ذات الأنظمة السياسية الاقتصادية الشيوعية تفتقر إلي القدرة علي اتخاذ القرارات الاقتصادية التي هي نتاج طبيعي للسوق اللامركزية فإن وضع كل القوة الاقتصادية في يد الدولة تجعل الديمقراطية أمراً مستحيلاً فعليا وإذا لم تتبق أية حقوق ملكية للناس وإذا كانت الدولة هي التي تتخذ جميع القرارات الاقتصادية  فلن يوجد فصل بين العام والخاص وينتهي الأمر بسيطرة الدولة علي مصائر الناس فتحدد أين يعيشون ويعملون وما يمكنهم جنيه وما يمكنهم شراؤه ويرد الشيوعيون علي ذلك بالقول إن ما يقدمونه هو مساواة كاملة للجميع وأن نظامهم يؤكد علي المساواة وليس حرية الفرد في ما تفعل الليبرالية العكس تماما .

ويحاول مؤيدوه أن يثبتوا أن من الأفضل تبديد الموارد الاقتصادية على محاولة توفير الموارد للجميع، بدلا من تبديدها على رفاهيات مجموعة قليلة من الأغنياء كما هو شائع في اقتصادية السوق.

الميركانتلية…

النظام الاقتصادي السياسي الأخير هو الميركانتلي الذ يقف بعيداً عن النقاش حول الحرية والمساواة التي تفرق بين الليبرالية والديمقراطية الاجتماعية والشيوعية فبينما ركزت الأنظمة الثلاثة السابقة نظريا علي حاجات المجتمع وإن بطرق مختلفة تركز الميركانتلية علي حاجات الدولة ولا تعبأ كثيراً بالحرية الفردية أو المساواة الجماعية .وبدلاً من ذلك تركز علي القوة الاقتصادية الوطنية وبالنتيجة تنظر الميركانتلية إلي الاقتصاد المحلي للدولة باعتباره أداة موجودة لخدمة حاجات الدولة من خلال توليد الثروة التي يمكن استخدامها للقوة الوطنية تركز الدول ذات النظام الميركانتلي بشكل خاص علي موقعها في النظام الدولي لأنها تعتقد أن الضعف الاقتصادي يقوض السيادة الوطنية ومن جهة النظر الميركانتلية يجب أن تدعم الثروة السلطة السياسية ويجب توجيه هذه الثروة للأهداف الوطنية.

إن هذا النظام الاقتصادي السياسي يبدو بعيداً عن الجدال بين الحرية والمساواة كونه لا يركز علي أي منهما إلا أنه هو الأقدم بين الأنظمة الأربعة التي غيناها فعند ظهور الاقتصاديات الحديثة في أوروبا منذ قرون انخرطت معظم الدول في ممارسات تنتمي إلي النظام الميركانتلي فبناء الإمبراطوريات بشكل خاص هو ثمرة هذا النظام وهذه طريقة يمكن للدولة من خلالها أن تستخدم سلطتها السياسية للسيطرة علي الموارد والأسواق وتغلق الباب أمام منافسيها وإنشاء المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية , وعلي الرغم من التحديات التي تشكلها الأنظمة الاقتصادية السياسية البدلية تم استخدام النظام الميركانتلي بفعالية في أسيا علي وجه الخصوص .

كيف تسعي الدول الميركانتلية إلى تحقيق القوة الاقتصادية؟

  • بتوجيه الاقتصاد نحو صناعات محددة وإبعاد عن أخري باستخدام المعونات والضريبة.
  • من خلال ملكية الدولة الجزئية أو الكاملة لصناعات تعتبر حاسمة (تدعمها الدولة).
  • باستخدام قوي الحواجز الجمركية وغير الجمركية وقواعد تنظيمية أخري.
  • بالحد من الإنفاق الاجتماعي وبالتالي الحفاظ على الضريبة في حد أدني.
  • بنسب فائدة منخفضة يضعها البنك المركزي لتشجيع الاقتراض والاستثمار.

تتمثل إحدى الطرق التي تحاول الدولة الميركانتلية من خلالها تحقيق القوة الاقتصادية للدولة في السياسة الصناعية الفاعلية حيث يسعي وزراء الاقتصاد إلى توجيه الاقتصاد نحو صناعات معينة بعيداً عن صناعات أخري من خلال سياسات محددة كالضرائب الاجتماعية على ملكية الدولة الجزئية أو الكلية لصناعات معينة في سعيها إلى إنشاء شركات معينة ينظر إليها على أنها حاسمة في مجال التنافس الدولي إنها الرأسمالية التي تقودها الدولة لتحقيق أهداف حددتها الحكومة.

ومن الطرق المكملة الأخرى لدفع الاقتصاد المحلي في ظل الميركانتلي , الاستخدام القوي للتعريفات الجمركية والقيود التنظيمية غير الجمركية وغيرها من أنظمة تجارية والغاية من وراء ذلك هي أن السلع التي لا يتم إنتاجها محليا تؤدي إلي خسارة في العائدات الوطنية وإلي زيادة الاعتماد علي اقتصاديات أجنبية إن فرض تعريفات جمركية مرتفعة طريقة شائعة لحماية الاقتصاد المحلي والرفع من شأنه بتأكيده علي قوة الدولة لا يركز النظام الميركانتلي عادة علي الإنفاق الاجتماعي بالطريقة التي تسلكها الديمقراطيات الاجتماعية وتكون منافع الرعاية الاجتماعية أقل كثيراً . وفي الحقيقة ثمة منطق وراء هذه السياسة: وجود مستوي منخفض من المنافع يمكنه أن يشجع مدخرات عامة أكثر التي بدورها قد تقترضها الدولة أو الشركات كما أن مستويات الإنفاق المنخفضة تؤدي في الغالب إلي ضرائب اقل وعادة ما تكون استقلالية الدولة وإمكانياتها كبيرة في الأنظمة الاقتصادية السياسية الميركانتلية.

ويشير مؤيدو النظام الميركانتلي إلى قدرته على توجيه الاقتصاد إلى قطاعات التطوير الصناعي والتنافسية الدولية التي لا يمكن للسوق أن يسعي إليها. يعتبر هذا الاتجاه مغريا بشكل خاص للدول النامية وتقدم اليابان وكوريا الجنوبية أمثلة علي قوه النظام الميركانتلي. ويلاحظ منتقدو هذا النظام أنه مثل الشيوعية، الدول أقل كفاءة في تقرير مسار صناعي ما للبلد، وتكون النتيجة غالبا وجود صناعات غير فعالة تستمر لمجرد أنها محمية من المنافسة الخارجية. وبالإضافة إلى ذلك، العلاقة الوثيقة بين الملكية الخاصة والدولة وصفة للفساد، وهو ما يعوق أكثر فأكثر عملية التطوير.

النظام الميركانتلي مرتبطاً بأنظمة حكم غير ديمقراطية، وحتى فاشية، وهو ما ولد وصمة عار حول هذا النظام الاقتصادي السياسي.

الأنظمة الاقتصادية السياسية والدولة: مقارنة النتائج …

إن كل نظام يعتمد على مقارنة إيديولوجية مختلفة وعلى منظومة من المؤسسات بغية التوفيق بين الحرية والمساواة، فقد يبدو أن محاولة المقارنة بينها عديمة الجدوى لكن هناك مؤشرات يمكن أن نستخدمها لمقارنة هذه الأنظمة ولأتعد هذه المؤشرات بأي حال من الأحوال الطرق الوحيدة، التي يمكن عبرها عقد مقارنات واستخلاص نتائج لكنها أدوات مفيدة تخدم أغراضنا.

إن أحد المعايير الأساسية للمقارنة الذي يمكن أن نستخدمه هو مستوي التطور الاقتصادي والأداة الأكثر شيوعاً التي يستخدمها الاقتصاديون لقياس التطور الاقتصادي هي الناتج المحلي إجمالي الذي يعرف بأنه قيمة السوق إجمالية لجميع السلع والخدمات التي يتم إنتاجها داخل دولة معينة خلال سنة من الزمن.

يقدم الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن تكون مضللة إلى حد كبير لسبب واحد وجيه هو أن مبلغا ما من المال يشتري سلعاً في منطقة معينة من البلاد أكثر من مناطق في الدولة نفسها.

وينطبق الأمر نفسه عند المقارنة بين بلدين : حيث يمكن أن يجني الناس أموالاً أكثر في بعض الدول مقارنة بدولة أخري , لكن هذه الأرقام المجردة لا تأخذ بالحسبان التكاليف النسبية للمعيشة في هذه الدول ,ولاسيما عند محاولة تحويل الاقتصاديات المختلفة إلي عملة واحدة كالدولار الأمريكي ، وبما  أن أسعار الصرف تتذبذب بين الدول فإن هذا قد يجعل الدول أغني أو أفقر عند إجراء مقارنات ,وهو أمر مضلل ,ولمعالجة هذه المسألة يحتسب الاقتصاديون البيانات الوطنية للناتج المحلي الإجمالي علي أساس ما يعرف بأنه معادل القيمة الشرائية  يحاول معدل القيمة الشرائية تقدير  القوة الشرائية للدخل في كل دولة من خلال مقارنة التكاليف المتشابهة مثل الطعام والسكين , مستخدما الأسعار في الولايات المتحدة الأمريكية كمعيار عندما يتم أخذ هذه العوامل بعين الاعتبار فإن المقارنات بين الدخل تختلف كثيراً . فعلي سبيل المثال إن الدخل الوطني للسويد، دون احتساب معدل القيمة الشرائية أعلي من الدخل الوطني لكندا لكن عندما يتم احتساب تكلفة المعيشة في كل دولة من خلال معدل القيمة الشرائية فإن الأمر ينعكس.

قياس اللامساواة والفقر…

ربما كان الأمر الأكثر إشكالية هو أن الناتج المحلي إجمالي لا يشير إلى الكيفية التي يتم توزيع الدخل من خلالها على السكان (قضية اللامساواة) والمقاربة الأكثر تعقيداً التي تفعل ذلك هي مؤشر جيني، وهو صيغة رياضية تقيس مستوي اللامساواة في مجتمع ما فتغطي المساواة التامة تصنيف (صفر) وفق هذا المؤشر فيها تعطي اللامساواة التامة تصنيف (100) وهكذا كلما زادت قيمة المؤشر، زادت اللامساواة وهناك ارتباط بين كمية الثروة التي تملكها نسبة الـ 10 % الأفقر بين السكان وتمركز الثروة في أيدي نسبة الـ 10 % الأغنى.

ففي الدول التي يملك فيها أولئك الأكثر فقراً كمية أقل من الثروة، يملك هؤلاء الذين يتربعون على القمة ثروات أكبر والمزيد من اللامساواة بدورها تؤدي إلى الارتفاع في مؤشر جيني.

 

                                      قياس الثروة

إجمالي الإنتاج الوطني (GDP)         إنتاج إجمالي في بلد ما، بغض النظر عمن يملك المنتجات.

معادل قوة الشراء (PPP)                    يأخذ كلفة المعيشة والقوة الشرائية في الحسبان.

مؤشر جيني                                      يقيم عدم المساواة

مؤشر التنمية الإنسانية (HDI)                يقيم الصحة والتعليم وثروة السكان

ماهي الاستنتاجات التي يمكن أن نستخلصها من مؤشر جيني؟

إحدى هذه النتائج هي إن الدول الديمقراطية الاجتماعية عادة ما يكون مؤشر جيني فيها أقل , وهو أمر ليس مفاجئا نظراً إلي تركيز هذه الدول علي المساواة إذ تملك الدنمارك والسويد أقل تصنيف علي مؤشر جيني في العالم بينما تزداد حالة اللامساواة في الدول ذات أنظمة الاقتصاد السياسي الليبرالية لكنها تختلف كثيراً في ما بينها من كندا وأيرلنديا من جهة وصولاً إلي الولايات المتحدة من الجهة الأخرى أما البلدان الميركانتلية وما بعد الشيوعية فتظهر تنوعا مماثلا حيث تسجل أمريكا اللاتينية وأفريقيا إجمالاً أعلي مستويات اللامساواة بغض النظر عن نظام الاقتصاد السياسي .

وبعد إن نظرنا إلى اللامساواة بطريقة مقارنة من المهم التأكيد على أن هذا أمر يختلف عن الفقر فبينما يمكن قياس الفقر بواسطة بعض المعايير الثابتة يمكن قياس اللامساواة بعدد من الطرق المختلفة ولهذا يجب أن نكون حذرين من عدم الخلط بين هذين المفهومين.

بعد كل ما قيل ما هو الاتجاه السائد في العالم؟ تشير البيانات العالمية إلي أن الفقر حول الكرة الأرضية قد انخفض منذ ثمانيات القرن الماضي من ثلث سكان العالم إلي اقل من 20 في المئة من سكان العالم وقد يحدث في معظم هذا التقلص في أسيا لاسيما في الصين والهند بينما زادت مستويات الفقر في معظم أرجاء أفريقيا وفي الوقت نفسه زادت حالة اللامساواة في بلدان كثيرة كما رأينا هي الحال في الصين بينما انخفضت مستويات اللامساواة بين الدول لذلك فالصورة معقدة من جهة ينخفض الفقر عالميا لكن ليس في أفريقيا وتزداد اللامساواة داخل الدول لكن ليس بينها وهكذا تعتمد النتائج التي نستخلصها في ما يتعلق بالفقر واللامساواة علي البيانات التي تعاجلها.

مؤشر التنمية البشرية…

الفقر واللامساواة داخل الدول واللامساواة بين الدول  يوجد قياس أخر قد يساعدنا في إجابة عن هذا السؤال ، لقد طور برنامج الأمم المتحدة للتنمية مؤشر التنمية البشرية الذي لا ينظر إلي المقدار إجمالي للثروة في مجتمع ما , كما يفعل الناتج المحلي الإجمالي ولا علي توزيع الثروة كما يفعل مؤشر جيني بل الحصيلة الإجمالية لتلك الثروة أي علي رفاه شعب بلد ما يأخذ مؤشر التنمية البشرية بعين الاعتبار عوامل مختلفة مثل نسبة معرفة القراءة والكتابة لدي البالغين ومتوسط العمر المتوقع والانخراط في التعليم بالإضافة إلي الناتج المحلي الإجمالي  وبالنظر إلي هذه البيانات مجتمعة يمكن أن ندرس ما إذا كانت الثروة المنتجة في دولة معينة تستخدم  بطريقة توفر معايير العيش الأساسية لجميع السكان سواء من خلال أدوات عامة أو خاصة وتصنيف جميع دول العالم تقريباً علي مؤشر التنمية البشرية وقد جاءت أيسلندا في المرتبة الأولي عام 2008 م بينما احتلت سيراليون المبتلية بالحرب الأهلية المرتبة الأخيرة .

يظهر مؤشر التنمية البشرية ترابطا قويا بين مستوي المعيشة في الدولة وناتجها المحلي الإجمالي حيث تظهر الدول التي تملك أعلي دخل وطني مستويات هي الأعلى في العالم في قطاعات التعليم ومتوسط العمر المتوقع.

أن مؤشر التنمية البشرية يصنف الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية مثل السويد (المرتبة 6) إلى جانب دول أكثر ليبرالية مثل أستراليا وكندا (اللتين تحتلان المرتبتين 3و4 على التوالي) وكذلك إلى جانب بعض الدول التي تعتمد على النظام الميركانتلي مثل اليابان (المرتبة 8) وقد ارتفع مؤشر التنمية البشرية في هذه البلدان بشكل مضطرد خلال السنوات الثلاثين الماضية.

أما الدول ما بعد الشيوعية فقد أظهرت انخفاضا في مؤشر التنمية البشرية حلال المرحلة الأولي بعد التغير السياسي الذي شهدته قبل إن يعود المؤشر فيها للارتفاع مجدداً خلال السنوات الأخيرة.

وقد سجل مؤشر التنمية البشرية ارتفاعا إجمالياً في أرجاء العالم منذ 1980م وشهدت دول أفريقية عدة ارتفاعاً في المؤشر بعد عقد من انخفاض.

السعادة …

إن الحديث عن السعادة باعتبارها مؤشراً يمكن أن نستخدمه للمقارنة بين أنظمة اقتصادية سياسية لكن عندما نتمعن في الأمر نجد أن السعادة هي محور النشاط الإنساني وهي محصلة التفاعل بين الحرية والمساواة وبدءاً من الفلاسفة وصولاً إلى علماء النفس المختصين في تطور الجنس البشري هناك اعتقاد مشترك بأن سعي الإنسان إلى السعادة الشخصية هو الدافع الأساسي الذي يقود السلوك الإنساني وإذا كانت هذه هي الحال فإن السعادة قد تكون مؤشراً مفيداً للتطور السياسي الاقتصادي.

 

لقراءة الملفات كاملة:

– مبادئ علم السياسة المقارنة: المؤسسات السياسية والعلاقة بين الحرية والمساواة

http://arabprf.com/?p=601

— مبادئ علم السياسة المقارنة: الدولة والسيادة والسلطة

http://arabprf.com/?p=604

— مبادئ علم السياسة المقارنة: “الأمم والمجتمعات” نزاعات الهوية والمواطنة والأيديولوجية

http://arabprf.com/?p=609

—-مبادئ علم السياسة المقارنة: “الاقتصاد السياسي” السوق والملكية والإنفاق الاجتماعي و الميركانتلية

http://arabprf.com/?p=612

—– مبادئ علم السياسة المقارنة: “الأنظمة الديمقراطية” أصول ومؤسسات وأحزاب وانتخابات

http://arabprf.com/?p=615

عن Muhammad Helal

شاهد أيضاً

نظرية ما بعد الحداثة وتطبيقها في الإدارة العامة

نظرية ما بعد الحداثة وتطبيقها في الإدارة العامة “مترجم”

نظرية ما بعد الحداثة وتطبيقها في الإدارة العامة  تؤجمة: محمد هلال العائلات الأخرى من النظرية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *