الرئيسية / علوم بينية / الاقتصاد السياسي / نقد نظرية نمط الإنتاج
نقد نظرية نمط الإنتاج
نقد نظرية نمط الإنتاج

نقد نظرية نمط الإنتاج

نقد نظرية نمط الإنتاج

د. محمد عادل زكي

ينشغل هذا المقال بنقد نظرية تعد من أهم النظريات، ذات المركزية الأوروبية، التي يؤسس عليها علم الاقتصاد السياسي، وهي بوجه عام محل اعتناق من قبل كل من وقع أسيراً للماركسية كما دونت في كراسات التعميم. ونمط/ طريقة الإنتاج — كمصطلح يعود إلى ماركس — يقوم على ركيزتين:

الركيزة الأولى: علاقات الإنتاج: وهي الروابط الحقوقية الَّتي تحكم عملية خلق السلع والخدمات على الصعيد الاجتماعي، وقد تكون علاقات الإنتاج على هذا النحو، وفقًا لماركس وتراثه:

1- عبودية (بين العبد والسيد) في المجتمع العبودي، وتؤسَّس بالتالي على حق السيد في “قهر” عبده؛ إذ لا أهلية قانونية للعبد الَّذي يُعد من قبيل الأشياء الَّتي قد يرى صاحبها استغلالها أو التصرف فيها بالبيع مثلًا، أو حتّى التخلص منها بإعدامها!

2- أو: إقطاعية (بين القن والإقطاعي) في المجتمع الإقطاعي، وتؤسَّس بالتالي على التبعية. فالقن “تابع” للأرض، وحينما تنتقل ملكيتها، بالميراث مثلًا، إلى سيد آخر ينتقل القن أيضاً مع انتقال ملكية تلك الأرض إلى السيد الجديد.

3- أو: تعاقدية (بين العامل المأجور والرأسمالي) في المجتمع البرجوازي المعاصر، وتؤسَّس على تلاقي الإرادات “الحرة” القادرة على إحداث أثر قانوني معين؛ فالعامل بما يملك من إرادةٍ شارعة يظهر في السوق كطرف حُر من أطراف العقد — عقد العمل– في مقابل الرأسمالي الَّذي يملك هو الآخر إرادة شارعة، ومن خلال التلاقي بين الإرادات طبقاً للقاعدة الَّتي تقضي بأن العقد شريعة المتعاقدين  ينعقد العقد، وهي قاعدة تفترض سلفًا، وبالتصادم مع الحقيقة والواقع، تساوي طرفي العقد وعيًا وقوة وسلطة!

وعلى هذا النحو، لا يوجد ما يمنع وجود عدة علاقات إنتاج تعمل جنبًا إلى جنب في المجتمع الواحد؛ فقد تسود علاقات إنتاج عبودية إلى جانب علاقات إنتاج تعاقدية كما رأينا في آثينا أو روما، وقد تسود علاقات إنتاج إقطاعية في الريف؛ وتعاقدية حرة في المدينة كما في فرنسا في القرن السابع عشر.

أما الركيزة الثانية، فهي قوى الإنتاج: وهي الأشياء الَّتي تستخدم في عمليات تجديد الإنتاج الاجتماعي، أي وسائل الإنتاج وقوة العمل. فهي على هذا النحو حاضرة دومًا، وإن كانت بمستويات مختلفة من التطور، في جميع علاقات الإنتاج (عبودية، وإقطاعية، وتعاقدية) كما رأينا، في محاضرات سابقة، في بابل وآثينا وروما وبغداد وقرطبة… إلخ. ولكنها لن تؤدي في تصور ماركس، وتراثه من بعده، دور”الرأسمال” إلا، وفقط، مع المجتمع البرجوازي الأوروبي المعاصر!

والآن، فلنلاحظ جيدًا:

– لقد تمت نسبة مصطلح نمط الإنتاج العبودي (بعد اختزال التنظيم الاجتماعي بأسره، وعنوة، في ظاهرة العبودية بشكل انتقائي وتحكمي) وكذلك مصطلح نمط الإنتاج الإقطاعي إلى علاقات الإنتاج (دون أي مبرر علمي، أي دون سبب لتغليب علاقات الإنتاج كي ينسب إليها نمط الإنتاج في المجتمع)

 ونسبة مصطلح نمط الإنتاج الرأسمالي إلى قوى الإنتاج (أيضًا دون أي سبب علمي، أي دون مبرر لتغليب قوى الإنتاج هذه المرة كي ينسب إليها نمط الإنتاج في المجتمع)

ولكي يتحدد المجتمع الرأسمالي المعاصر، وبالتالي يمكن إسقاط الرأسمالية ثوريًا، في مذهب ماركس وتراثه؛ كان يتعين إبراز ظاهرتي بيع قوة العمل والإنتاج من أجل السوق كظاهرتين غير مسبوقتين تاريخيًا! مع استمرار تأكيد نفيهما في المجتمعات السابقة على الرأسمالية الأوروبية! وعلى ما يبدو أن تلك هي الوسيلة الوحيدة الَّتي مكَّنت ماركس، وتراثه من بعده، من الادعاء بأن الرأسمالية لا تعرفها المجتمعات السابقة عليها تاريخيًا، وبالتالي هي نظام اجتماعي طاريء، ومن ثم يمكن إسقاطه!

والتصنيف على هذا النحو المذكور أعلاه يؤدي في إطار علم الاقتصاد السياسي دورًا غاية في الخطورة من جهتين؛ فهو:

أولاً: يَحول دون التغلغل في عمليتي الإنتاج والتوزيع من أجل الكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة لهما على الصعيد الاجتماعي. فهو يقدم — على صعيد علاقات الإنتاج —  الشكل الخارجي لعلاقات التنظيم الطبقي (القهر والاستعباد)، مع الخلط بينها وبين علاقات التنظيم السياسي (التبعية والإقطاع)، وبينها وبين غلاف علاقات التنظيم الحقوقي (سلطان الإرادة). يقدم سطح التنظيم الاجتماعي والسياسي. وبالتالي يقدم الشكل الظاهري لعلاقات التوزيع.

وابتداءً من الانشغال (بشكل) التنظيم الاجتماعي والسياسي، أو بـ (شكل) المركز القانوني أو الطبقي للمنتج المباشر أو مالك وسائل الإنتاج تأثرًا، بلا سند علمي، بالظواهر الاجتماعية الأكثر بروزًا، أي تأثرًا بالعبودية والوضع الطبقي للعبيد في العالم القديم، وبالإقطاع ومركز القن في العالم الوسيط، وبمبدأ سلطان الإرادة وخضوع العامل المأجور لسلطة الرأسمال في العالم البرجوازي المعاصر، يجري طمس قوانين الحركة ودورها الحاسم تشكيل القاعدة الَّتي تعمل عليها جميع النظم الاجتماعية في العالم السابق على الرأسمالية الأوروبية، حيث يفترض التصنيف أعلاه شفافية وسطحية علاقات الإنتاج في العالم السابق على الرأسمالية الأوروبية، وانعدام ظاهرتي بيع قوة العمل والإنتاج من أجل السوق بقصد الربح؛ فالسيد في العالم العبودي يملك العبد بما يتضمنه من قدرة على العمل. ولا أهلية للعبد ولا إرادة! نعم ينتزع السيد فائضًا من العبد، ولكن طبيعة هذا الفائض، وبالتالي مصدره وتوزيعه، لا يحتاج، وفق نظرية نمط الإنتاج، إلى علم يفسره لأن القهر واضح والظلم فادح والاستعباد سيد الموقف! فالفائض يُنتزع انتزاعًا بالحديد والنار! ويتم، بالتالي، الانتهاء نظريًا إلى انتفاء الداعي لظهور العلم الاجتماعي المنشغل بالكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع في هذا المجتمع؛ فهي قوانين غير موجودة بالأساس!

وفي المجتمع الإقطاعي لا يختلف الأمر وفق نظرية نمط الإنتاج؛ فالقن، كتابع ذليل يأتي في آخر التدرج الطبقي، يعمل قهرًا في أرض سيده الإقطاعي، ولا يملك من أمره شيئًا، فهو يفلح أرض سيده ويعصر الكروم في معاصره ويطحن الغلال في طَوَاحينه ويدفع بالفوائض إلى مخازنه وخزائنه! ولا ضرورة على هذا النحو أيضًا، وفق نظرية نمط الإنتاج، تستدعي ظهور العلم الاجتماعي الَّذي يكشف عن القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع في هذا المجتمع!

والواقع تاريخيًا أن الفوائض كانت تُنتزع، باستخدام العنف والقوة والتسخير، من العبيد والأقنان في بعض الأحوال، وليس دائمًا وعلى طول الخط، ولا يصح علميًا تعميم ظاهرتي القهر والانتزاع بالقوة، بل يجب البحث عن القوانين الموضوعية الَّتي حكمت الإنتاج والتوزيع وبالتالي الاستئثار بالفائض من قِبل السادة ملَّاك العبيد أو كبار ملَّاك الأرض في الأحوال، وهي كثيرة وشائعة، الَّتي كان العبيد والأقنان يعملون جنبًا إلى جنب بجوار العمال والمزارعين الأجراء، ويخضعون لنفس القواعد الحاكمة لعمل الأجراء على صعيد عملية الإنتاج.

ويجب أيضًا، وربما من باب أولى، البحث عن هذه القوانين الموضوعية في أحوال انتزاع الفائض الاجتماعي بالقهر والقوة؛ وصولاً إلى القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع عبر تاريخ النشاط الاقتصادي للبشر، أياً ما كان شكل التنظيم الاجتماعي/ السياسي، وأياً ما كان الوضع الطبقي للمنتج المباشر أو المركز القانوني لمالك وسائل الإنتاج، وأياً ما كان مستوى تطور قوى الإنتاج ذاتها.

ثانيًا: يُستخدم هذا التصنيف “عبودية  إقطاع  رأسمالية” أيديولوجيًا من أجل ترسيخ وجود نظام سياسي قائم، ومحاولة إثبات (علمية وحتمية!) مجيء نظام سياسي معين للمزيد من خداع الجماهير! وقد ساهم خلفاء ماركس، أكثر منه، بفاعلية شديدة في ترسيخ هذا الوضع الأيديولوجي.

فلقد رأى ماركس بقدر أو آخر، أن مراحل التاريخ الإنساني تبدأ، وفق المركزية الأوروبية، من المشاعية البدائية وتمر بالعبودية والإقطاع ثم الرأسمالية، وعليه، يصبح علم الاقتصاد السياسي عند ماركس هو علم نمط الإنتاج الرأسمالي، إنما ابتداءً من نظريته في نمط الإنتاج الَّتي تستند إلى شفافية علاقات الإنتاج وانعدام الرأسمال كظاهرة في المجتمعات قبل الرأسمالية حيث الإنتاج في الغالب من أجل الإشباع المباشر! يتلقف خلفاء ماركس هذه النظرية كي يؤسسوا/ يسوقوا للشيوعية (علمياً!) على أساس أن (العلم) يقول ذلك! فمن البدائية تخرج العبودية، ومن العبودية يخرج الإقطاع، ومن الإقطاع تخرج الرأسمالية، ومن الرأسمالية، مرورًا بالاشتراكية، تخرج الشيوعية! الأخيرة إذًا قادمة (علميًا) لا محالة! ويصبح علم الاقتصاد السياسي لديهم، على هذا النحو، هو علم أنماط الإنتاج! أفضت نظرية نمط الإنتاج إذًا إلى”أدلجة” العلم.

حقًا، كم هو مضلل ذلك الخطاب الأيديولوجي المسوَّق ضد الرأسمال، والَّذي يحصر الرأسمالية في ذاك الرجل البدين مشعلًا غليونه وهو يرقب عماله من شرفة مكتبه بمصنعه، ويمني نفسه بالأرباح الطائلة الَّتي سوف يجنيها باستغلال عماله. تكمن أزمة هذا الخطاب المضلل في شخصنته للنظام الرأسمالي وحصر النضال في الثورة ضد كبار ملَّاك المصانع والأراضي بل وضد الأغنياء بوجه عام! وهو ما استتبع فشل جميع حركات التحرر ابتداءً من إعادة إنتاج شخص المستغِل، أو تغييره الشكلي، دون مواجهة علمية حقيقية قادرة على خلق المشروع الحضاري لمستقبل عادل رحيم.

فعلى الرغم من أن قوانين حركة الرأسمال تحكم آداء مصانع جنرال موتورز كما تحكم آداء أحقر ورشة لصنع أربطة الأحذية في أحط أحياء القاهرة، كما حكمت مصانع بلاد الغال ودور الطراز السلطانية، طالما تم استخدام العمل المأجور بقصد الإنتاج من أجل السوق، فإن أكبر خدعة تم تسويقها لاغتيال عقول الشباب هي أن الرأسمالية الَّتي يجب مقاومتها والثورة ضدها لا تتجسد إلا في ذلك الرجل الرأسمالي المستغل/ الجشع، والَّذي قد تتعارض مصلحته مع النظام السياسي. النظام السياسي الَّذي كان يستمد وجوده في السلطة من خداع الجماهير أيديولوجيًا. تلك الشخصنة هي المسئولة عن الفشل التاريخي لجميع محاولات فهم قوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، ومن ثم الإخفاق الدائم في تجاوزها.

ويتأكد ارتباك وتناقض نظرية نمط الإنتاج بالشكل الَّذي قُدمت به من قِبل ماركس، وتراثه من بعده، في الآتي:

1- هب أن علاقة الإنتاج في مجتمع ما، عبودية أو إقطاعية، وقوى الإنتاج رأسمالية(11) فكيف يمكن، وبدون تحكم، ووفقًا لنظرية نمط الإنتاج، تصنيف نمط الإنتاج في هذا المجتمع؟ ولماذا نقول أن المجتمع عبودي (بالنظر إلى علاقات الإنتاج)؟ ولا نقول أن المجتمع رأسمالي (بالنظر إلى قوى الإنتاج)؟ أو العكس؛ فنقول أن المجتمع رأسمالي (بالنظر إلى قوى الإنتاج)؟ ولا نقول أن المجتمع إقطاعي (بالنظر إلى علاقات الإنتاج)؟

2- في بعض عمليات الإنتاج الاجتماعي قد تكون أحد أجزائها قائمة على علاقة إنتاج إقطاعية أو عبودية، وأحد أجزائها الأخرى قائمة على علاقة إنتاج تعاقدية حرة! فنفس السؤال: ما هو نمط الإنتاج في هذه الحالة؟

3- وفقًا لنظرية نمط الإنتاج سوف تتطور قوى الإنتاج مع المجتمع البرجوازي المعاصر، حتى تبلغ المستوى الَّذي يجعلها تتحول من مجرد وسائل إنتاج لمنتجات تستخدم في الإشباع المباشر إلى رأسمال! فالسؤال الَّذي لا تعرف له أبدًا إجابة عند نظرية نمط الإنتاج هو: ما هو، علميًا، “مستوى التطور” الَّذي يُحدد هل وسائل الإنتاج بلغت مرحلة الرأسمال أم لا؟

ابتداءً من تفرقتنا بين شكل التنظيم الاجتماعي (عبودي/ إقطاعي/ برجوازي) وبين قوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع داخل هذا التنظيم الاجتماعي. وانتهاءً برفضنا لنظرية نمط الإنتاج بالحالة الَّتي هي عليها وبالشكل الأيديولوجي الَّذي قُدمت به، نستبدل نظرية نمط الإنتاج، بعد تصحيحها، بقوانين الحركة وصولًا إلى القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي عبر تاريخ النشاط الاقتصادي أياً ما كان شكل التنظيم الاجتماعي/ السياسي، وأياً ما كان الوضع الطبقي للمنتج المباشر أو المركز القانوني لمالك وسائل الإنتاج، وأياً كان مستوى تطور قوى الإنتاج ذاتها.

من أنماط الإنتاج إلى قوانين الحركة

حينما فحصنا في محاضرات سابقة قوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع في آثينا في القرن الأول قبل الميلاد، أو في روما في القرن الرابع بعد الميلاد، رأينا أن علاقات الإنتاج لم تكن عبودية صرفة كما تشيع نظرية نمط الإنتاج، بل وجدت علاقات الإنتاج التعاقدية الحرة إلى جانب علاقات الإنتاج العبودية القائمة على القهر، وكانت علاقات الإنتاج العبودية نفسها ذات مستويات مختلفة من الشدة والاستغلال. بل ويمكن القول بأن علاقات الإنتاج العبودية كانت نسبيًا ضعيفة وقليلة وفي إطار الأعمال المنزلية أو الأعمال الَّتي لا تتطلب مهارة، وذلك بالنظر إلى سيادة علاقات الإنتاج التعاقدية الحرة في الورش والمعامل وعلى ظهور السفن… إلخ، وبالتالي لا نجد أي مبرر علمي لاعتبار نمط الإنتاج آنذاك عبوديًا دون اعتباره تعاقديًا حرًا! ولا يبدو لنا نسبة نمط الإنتاج آنذاك إلى العبودية إلا تحكميًا دون أي سبب علمي.

وأما قوى الإنتاج، في آثنيا وروما أيضاً، فلم تكن من قبيل المنتجات الَّتي كانت تستخدم في الإشباع المباشر، كما توحي لنا أيضاً نظرية نمط الإنتاج، بل كانت، على الرغم من تدني مستواها التقني نسبيًا، سلعًا معدة للطرح في السوق، كما كانت تقوم بدور الرأسمال. هذا بالطبع إذا كنا نتحدث عن الإنتاج والتوزيع في المجتمع، أما إذا كنا نتحدث عن الظاهرة الاجتماعية الَّتي كانت منتشرة في المجتمع الآثيني أو الروماني آنذاك، فيمكن أن نعدد مجموعة من الظواهر منها الأوليجارشية أو الأرستقراطية أو العبودية… إلخ، ولكن دون أن تنسحب أي ظاهرة منهم على الإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي لتدمغهما باسمها وصفتها. وإن تم ذلك، وقد تم فعلًا على يد نظرية نمط الإنتاج، فسوف يتم إخفاء القوانين الحاكمة للإنتاج والتوزيع في المجتمع، وفي أفضل الأحوال سيتم اختزالها في العبودية، ويصبح المجتمع ميتًا لا حراك فيه؛ فلا تبادل ولا نقود ولا أسواق ولا إنتاج ولا توزيع… إلخ، إنما عبيد يلبون رغبات أسيادهم الَّذين يرتدون أفخر ثياب العصر ويتزينون بأثمن جواهر الدهر، فيقدمون لهم الطعام والشراب (لا نعلم من أين أتى هذا الثياب وتلك الجواهر!) وحينما يسأم منهم السادة يلقون بهم إلى الضواري في مشاهد مأساوية كما يحدث في أفلام هوليوود!

ومع المجتمع الَّذي تسيطر فيه مؤسسة الحكم، ومعها النُّخب الاجتماعية والدينية، على الأرض، فتمنحها لمن تشاء وتنزعها ممن تشاء، أو تسخر فيها مَن تشاء، سواء أكانت ممثلة تلك المؤسسة الحاكمة في الملك أم اللورد أم الخليفة، يبدأ إخفاء القوانين الموضوعية الحاكمة للإنتاج والتوزيع في المجتمع في نفس اللحظة الَّتي يختزل فيها النشاط الاقتصادي في علاقات الإنتاج الَّتي تكون بين السادة الإقطاعيين والأقنان عبيد الأرض، وكأن المجتمع يخلو من أصحاب المهن والأجراء والحرفيين ويخلو من علاقات الإنتاج بينهم. كما يخلو من التبادل والسلع والتراكم والنقود والربح والأجور… إلخ، بل ويخلو من الإنتاج والتوزيع!

المجتمعات العبودية والإقطاعية إذًا تقدَّم، وفقاً لنظرية نمط الإنتاج ذات المركزية الأوروبية، كمجتمعات تعيش على الاكتفاء الذاتي وتُنتج من أجل الإشباع المباشر، وبالتالي لا ترى النظرية أي أهمية لظهور العلم المفسر لظواهر الإنتاج والتوزيع في هذين المجتمعين! فلا صعوبة في فهم المجتمع العبودي بالكيفية المطروح بها على أساس السيد الَّذي يمتلك العبيد الَّذين يلبون رغباته ثم يلقون حتفهم بين فكُوك الأسود. ولا صعوبة كذلك في فهم المجتمع الإقطاعي بالكيفية الَّتي قدم بها وفقًا لنظرية نمط الإنتاج، فالإقطاعي في قصره والأقنان في أكواخهم وعششهم والمخازن تعج بالحنطة والشعير، والأقبية تمتليء بالجعة والنبيذ. وبالتالي لا توجد أي مشكلة تستدعي الكشف عن القوانين الموضوعية للإنتاج والتوزيع بواسطة علم اجتماعي!

ولأن التقديم الأيديولوجي لأنماط الإنتاج على نحو ما رأينا أعلاه يأتي على نحو مضلل، ويهدر ما هو ثابت تاريخيًا، ويفضي إلى أدلجة العلم وتسييسه، فسوف نستبدل نظرية نمط الإنتاج، بحالتها الراهنة، بقوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي، مع إعادة النظر في الطبيعة الحقوقية للعلاقات الجدليّة بين مكونات قوى الإنتاج الاجتماعي في كلٍ من التنظيم الاجتماعي العبودي، والتنظيم الاجتماعي الإقطاعي، وذلك على النحو التالي:

1- الاعتداد بقوانين الحركة، وهي معيار ثابت، في تحليل النشاط الاقتصادي عبر تطوره يؤدي إلى رؤية هيكلية/ تجريدية للتاريخ الاقتصادي للعالم وحاضره. رؤية لديها الوعي الناقد بأن عمليات إنتاج السلع والخدمات الَّتي تتم في إطار النظم الاجتماعية على اختلاف أشكالها وخصائصها الموضوعية تأتي دومًا خاضعة لقوانين حركة ثابتة، هي قوانين الحركة الثلاثة. الَّذي يتبدَّل هو الشكل. المظهر. فحينما نحلل، ابتداءً من قوانين الحركة، الإنتاج والتوزيع في المجتمع الَّذي تنتشر فيه ظاهرة العبودية ويكون التنظيم الاجتماعي قائم على أساس منها، فسنجد القوانين الثلاثة، أي قوانين حركة الرأسمال الّتي شرحناها بالتفصيل في محاضرات سابقة، حاضرة دائمًا أياً ما كان شكل علاقات الإنتاج، وأياً ما كان مستوى تطور قوى الإنتاج. فمالك العبد في سبيل إنتاج الخمر من أجل السوق، يقوم بإطعام عبده (أجر عيني) ويأخذ منه قيمة زائدة مع السلع الَّتي ينتجها. في هذه اللحظة، لحظة إنتاج معادل القيمة والقيمة الزائدة تحدث المعاوضة، كعلاقة حقوقية، يأخد العبد مأكله الَّذي يمده بالطاقة الضرورية (قيمة قوة عمله) ويقدم في المقابل، ووفقاً لقانون حركة الرأسمال، عملًا زائدًا.

وحينما نحلل، ابتداءً من قوانين الحركة كذلك، الإنتاج والتوزيع في المجتمع الَّذي تنتشر فيه ظاهرة الإقطاع: فيمكننا أن نحلل نموذجين: الأول: حيث الإنتاج من أجل الإشباع المباشر كما طرحه ماركس وروزا، حيث ينعدم التبادل وهو ما يمثل، وكما ذكرنا أيضاً في محاضرة سابقة، استثناء تاريخيًا مستقًا من إمبراطورية شارلمان! والنموذج الثاني: حيث الإنتاج من أجل السوق كما يطرح في واقع التكوين الاجتماعي الإقطاعي في فرنسا على سبيل المثال. أما النموذج الأول فهو لم يقدَّم تاريخيًا بشكل أمين، وتم اختزاله في الإنتاج من أجل الإشباع المباشر. وعلى الرغم من أن هذا التصور يحتوي على جانب من الحقيقة إلا أنه يخفي الجانب الآخر، الأهم والأشمل والأعم، والَّذي يثبت وجود التبادل والإنتاج من أجل السوق، وإن جاء الأمران، أي التبادل والإنتاج من أجل السوق، في حدود ضيقة، فذلك ليس بسبب قوانين المادية التاريخية بل بسبب الأوضاع السياسية المضطربة في البحر المتوسط آنذاك. أما النموذج الثاني حيث الإنتاج من أجل السوق كما يطرح في واقع التكوين الاجتماعي الإقطاعي في فرنسا، فهو، في الحقيقة، يمثل نموذجًا واضحًا لنمط الإنتاج الرأسمالي ليس على صعيد الحرف والصناعات المختلفة في المدينة فحسب، بل وعلى صعيد النشاط الزراعي في الريف. إذ في هذا التنظيم الاجتماعي/ السياسي (الإقطاعي) تتجلى علاقات الإنتاج في المعاوضة بين مالك القدرة على العمل ومالك وسائل الإنتاج. كما تتجلى قوى الإنتاج، ابتداءً من معاوضة قوة العمل بالأجر العيني أو النقدي، كرأسمال يتم استخدامه في إنتاج السلع من أجل السوق بقصد الربح. قد يختلف شكل الصانع آنذاك أو صاحب المهنة كالطبيب والمحامي، كما يختلف شكل السلعة أو طبيعة الخدمة، ولكن تظل قوى الإنتاج، والعلاقات الجدلية بين مكوناتها، خاضعة لقوانين الحركة الحاكمة للإنتاج والتوزيع على الصعيد الاجتماعي.

2- الاستناد إلى قوانين الحركة في فهم وتحليل طبيعة النشاط الاقتصادي وتطوره التاريخي، يجنبنا الخلط الشائع بين التنظيم الاجتماعي/ السياسي/ الطبقي السائد على الصعيد الاجتماعي (العبودي، أو الإقطاعي، أو البرجوازي)، وبين علاقات وروابط إنتاج السلع والخدمات الَّتي تقوم دومًا على المعاوضة بين العبد والسيد، والقن والإقطاعي، والعامل المأجور والرأسمالي.

3- الاستناد إلى قوانين الحركة في فهم وتحليل تاريخ النشاط الاقتصادي وحاضره يجنبنا التصنيفات التعسفية الَّتي تسللت إلى علم الاقتصاد السياسي، كمصطلحات: البرجوازي الصغير! والبرجوازي الكبير! وكبار الحرفيين وصغارهم!… إلخ، فجميع هذه التصنيفات لا تقوم في الواقع إلا على أفهام ملتبسة وتصورات انطباعية ورؤى تحكمية دون أسس موضوعية ثابتة أو واضحة. وكان هدفها المركزي خداع الجماهير!

4- حينما ننسب نمط الإنتاج إلى ظاهرة الرأسمال، فنقول: نمط الإنتاج الرأسمالي؛ فنحن ننسبه إلى قوانين حركة الرأسمال بما تتضمنه، داخليًا، من روابط الإنتاج، وليس إلى تطور قوى الإنتاج من محض أشياء إلى رأسمال. وبالتالي يصبح نمط الإنتاج الرأسمالي، في مقابلة نمط الإنتاج البدائي/ المعاشي، هو نمط الإنتاج الَّذي يمثل القاعدة الَّتي تعمل عليها النظم الاجتماعية المختلفة سواء أكان هذا التنظيم عبوديًا أم إقطاعيًا أم برجوازيًا معاصرًا. وأياً ما كان مستوى تطور قوى الإنتاج. وأياً ما كان المركز الطبقي للمنتج المباشر ومالك وسائل الإنتاج.

عن admin

شاهد أيضاً

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم   د. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *