الرئيسية / النظم السياسية / التحول الديمقراطي / الثورة والسياسة الخارجية … رؤية نظرية
الثورة والسياسة الخارجية ... رؤية نظرية
الثورة والسياسة الخارجية ... رؤية نظرية

الثورة والسياسة الخارجية … رؤية نظرية

الثورة والسياسة الخارجية …… رؤية نظرية

جيهان الحديدي

 

جاء عام 2011 ليحمل للعالم العربي أحداثا كبري سيقف التاريخ أمامها طويلا, فلم يمر شهر فبراير من هذا العام إلا وقد شاهد العالم سقوط رئيسي كل من مصر وتونس علي يد ثورتين شعبيتين امتدت شرارتهما إلي كل من اليمن وليبيا وسوريا والبحرين. فقد تواصلت موجات المد الديمقراطي في انتشارها العالمي خلال العقود الثلاثة الأخيرة, من البرازيل والأرجنتين في أمريكا اللاتينية إلي كوريا الجنوبية وإندونيسيا في جنوب شرق آسيا, ومن أوروبا الشرقية إلي جمهوريات آسيا الوسطي.

وبقي الوطن العربي خارج معادلة التحول الديمقراطي الذي تقوده حركات جماهيرية أو تحالفات سياسية معارضة للأنظمة التي تختلف مسمياتها ما بين جمهوريات وممالك وإمارات ولكن تشترك في نمط ممارسة الحكم الذي تحتكره نخبة عائلية غالبا تحوز السلطة والثروة معا, وتستبعد غالبية المواطنين من المشاركة الفعلية في عملية صنع القرار وإدارة المقدرات والموارد الهائلة التي تمتلكها تلك الدول. ومع تكاثر الدراسات والتحليلات التي حاولت استجلاء إمكانات التغيير وأشكاله في الوطن العربي لم تفلح العلوم الاجتماعية كعادتها في التنبوء بالتغيير وتوقيته, فقد جاء التغيير من الشارع ومن المواطن البسيط الذي لم يراهن عليه الكثير من البحّاث والمثقفين, وبقيادة جيل صاعد طالما اتٌهم بسطحية الفكر وتذبذب الهوية وضعف الانتماء خرجت الجماهير العربية عن صمتها الطويل لتطالب بحقها في الحرية وإقامة أنظمة حكم ديمقراطية تعطي العالم العربي مكانته اللائقة بثراء تاريخه وعمق حضارته.

 

وتثير التحولات السريعة التي يمر بها العالم العربي الآن عددا من الأسئلة الكبري علي الصعيدين العملي والنظري سواء فيما يتعلق باللحظة الثورية في عواملها المسببة والداعمة, أو تحديات المرحلة الانتقالية باستحقاقاتها الدستورية والقانونية والمؤسسية. وتواجه الجماعة العلمية تحديا خاصا, فالثورة في جوهرها هدم وبناء, ولا تنسحب تأثيرات التغيير فقط علي الواقع السياسي ولكنها تمتد لتشمل حالة علم السياسة علي وجه التحديد وتضع عبئا علي دارسيه وتفرض عليهم إعادة النظر في مقولاته ومناهجه وأطروحاته النظرية.

 

وتحاول هذه الورقة دراسة العلاقة بين الثورة والسياسة الخارجية من الناحية النظرية عبر عدد من الأسئلة المحورية علي النحو التالي:

كيف تتعامل السياسة الخارجية مع إشكالية الثورة؟

هل يفرض التغيير الثوري قيودا علي توجهات وأولويات السياسة الخارجية أم أنه يفتح الباب علي مصراعيه لتغيير تلك التوجهات والأولويات تغييرا جذريا؟

ما هي الإسهامات النظرية التي تساعد في تأصيل العلاقة بين الثورة والسياسة الخارجية؟

 

وينبغي التأكيد هنا علي أن دراسة العلاقة بين الثورة والسياسة الخارجية تشير إلي تأثير الثورة علي السياسة الخارجية في اتجاهين رئيسيين:

الاتجاه الأول: حدوث ثورة داخل الدولة, وما ينتج عن ذلك من تغيير في سياستها الخارجية, من حيث إعادة النظر في الأهداف والأدوات ودوائر الحركة.

الاتجاه الثاني: استجابة الدول الأخري للتغيير الثوري, وكيفية إدراك تلك الدول لما ينطوي عليه ذلك التغيير من تأثير علي مصالحها بالسلب أو بالإيجاب. وليس من الممكن الفصل بين الحالتين فصلا تاما, وستحاول هذه الورقة التعامل مع الحالتين في أبعادهما النظرية.

 

مفاهيم أساسية للدراسة:

السياسة الخارجية – الثورة – تغير النظام

 

المفاهيم النظرية والمفاهيم التاريخية:

يستدعي التحليل هنا التطرق بدءا لمعني “النظرية” في علم السياسة, حيث تتعدد التعريفات ومنها علي سبيل المثال: أن “النظرية إطار مفاهيمي يطرح عددا من المفاهيم الرئيسية لتفسير الظواهر السياسية”, أو هي “مقولة عامة بناء علي علاقة سببية بين متغيرين أو أكثر”, أو “هيراركية من القوانين التي تم استنباطها واستنتاجها”[1]. وفي إحدي الدراسات التي نٌشرت في مطلع الثمانينيات حول مفهوم الثورة من الناحية النظرية والمنهاجية, يصنّف الباحث المفاهيم السياسية إلي نوعين أساسيين: المفاهيم النظرية والمفاهيم التاريخية. ويشير المفهوم النظري إلي ذلك المفهوم الذي لا يعبر عن مساحة زمنية أو مكانية محددة وإنما يكون عابرا للفواصل التي يفرضها الزمان والمكان وبالتالي يصلح للاستخدام دوما بغض النظر عن استعمال الفاعلين السياسيين لذلك المفهوم أو نظرتهم له[2].

 

أما المفهوم التاريخي فهو يشير إلي نمطين من أنماط المفاهيم: تلك التي ترتبط بمرحلة تاريخية محددة (مفهوم العصور الوسطي مثلا) أو تلك المفاهيم التي تتغير بتغير معتقدات وممارسات الفاعلين السياسيين في كل مرحلة تاريخية[3], وهو ما ينطبق علي مفهوم الثورة. وفي هذا الإطار فقد توقع المنظرّون أن يتطور مفهوم الثورة في عصر ما بعد التصنيع, بحيث يعبر عن انتفاضات شعبية أقل عنفا, موجهة لإعادة توجيه السياسات الاجتماعية وليس اقتلاع البٌني والهيراركيات المجتمعية القائمة, وأن تسقط النخب الحاكمة بسبب الجمود والعجز عن استيعاب التغيرات المجتمعية. وفي هذا الإطار, فإذا كانت النظريات عبارة عن نظم فكرية للتفسير والتنبوء بغض النظر عن اختلاف الزمان والمكان, يري البعض أن المفاهيم ذات الطبيعة التاريخية المتغيرة لا تصلح كجزء من البناء النظري ولكنها مفاهيم تحليلية علي أقصي تقدير, فكما تتغير السياسة تتغير آلياتها, والثورة أحد آليات التغيير السياسي, فإذا تغيّرت الآلية تغيّرت السياسة وتغيّر المفهوم[4].

 

ومفهوم الثورة هو مفهوم يستخدمه الفاعل السياسي Actor’s Concept  وبالتالي لا يمكن دراسته نظريا بمعزل عن رؤية الفاعلين السياسيين له, حيث يحمل الفاعلون المشاركون في العمل الثوري عادة مدركات مختلفة لمفهوم “الثورة”, كما تختلف معتقداتهم وممارساتهم بل ويحاولون إعادة صياغة استراتيجياتهم وتنظيماتهم علي ضوء التجارب الثورية السابقة, وهو ما يفعله الحكام بالمثل لتجنب وقوع ثورات تطيح بهم. وعلي هذا النحو تصبح كل ثورة “حالة خاصة” ويصبح من الصعوبة بمكان بلورة “نظرية عامة للثورة”, بل إن تعريف الثورة نفسه تطوّر كثيرا عبر العصور, حيث كانت تعّرف الثورة حتي أوائل القرن الثامن عشر بأنها “العودة إلي استرجاع نقطة بدء أصلية من تاريخ الشعوب والأمم”, ثم أصبحت الثورة في القرنين التاسع عشر والعشرين تشير إلي “قطيعة تامة مع الماضي وإعادة هيكلة المجتمع عن طريق الإطاحة بالطبقة الحاكمة أو النظام القائم وإقامة نظام بديل”[5]. ولكن هذا لا يعني أن المفهوم التاريخي لا يؤدي وظائف نظرية أوتفسيرية بل علي العكس من ذلك, فالمفهوم التاريخي يحمل قيمة نظرية كبيرة في إطار عملية “التفسير التاريخي” للظواهر السياسية وتحديدا الظاهرة الثورية التي يصعب بناء نظرية عامة وشاملة لتفسيرها كما سبق الإشارة, فالنظريات التي تفسر الثورات الأوروبية الكلاسيكية خلال القرنين السابع والثامن عشر لاتصلح لتفسير ثورات عصر ما بعد التصنيع[6].

 

وبناء علي ذلك فإن الثورات التي اندلعت في مصر وتونس هذا العام (نجحت في الإطاحة برئيسي ّ البلدين وتعيين إدارة انتقالية لحين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية) والانتفاضات المماثلة في ليبيا وسوريا واليمن والبحرين (لم تنجح حتي كتابة هذه السطور في الإطاحة بأي من حكام تلك الدول) هي ثورات ذات طبيعة مختلفة عن الثورات السابقة التي اندلعت خلال القرن العشرين في كل من روسيا والصين وإيران وأوروبا الشرقية. فقد وصف المفكر النرويجي يوهان جالتونج الثورات العربية بأنها تشترك في أربع خصائص رئيسية: أنها ثورات ضد الأوتوقراطية, ضد الفساد الحكومي, وضد الامبريالية, كما أنها ثورات تحمل بصمات قطاعين أساسيين عانيا من التهميش في الوطن العربي علي مدار عقود طويلة وهما الشباب, والمرأة[7].

 

كما أنها أول ثورات في التاريخ تٌستخدم فيها مواقع التواصل الاجتماعي علي نطاق واسع مثل فيسبوك وتويتر سواء في الدعوة للتظاهر وحشد تأييد المواطنين أو في نقل الحدث وتوثيقه[8].

وإذا كانت كل ثورة تحمل طابعا خاصا ومميزا فمن الطبيعي أن يتفاوت نمط تأثيرها علي مناحي الحياة المختلفة بما في ذلك السياسة الخارجية. ومن المعروف أن السياسة الخارجية تتأثر بمحددات ذات صلة بطبيعة النظام السياسي داخل الدولة مثل السمات الشخصية للقادة السياسيين والأنماط العقيدية والاتصالية للنخبة, المؤسسات المؤثرة في عملية صنع القرار مثل المؤسسة التشريعية والأجهزة البيروقراطية, وبعض القوي المجتمعية مثل جماعات الضغط والمصالح والرأي العام.كما تتأثر السياسة الخارجية بمدي صلابة النظام الحاكم في مواجهة ضغوط القوي المجتمعية المختلفة وقدرته علي تعبئة موارد الدولة وتوجيهها لتحقيق أهداف السياسة الخارجية, كذلك مدي وجود انقسامات داخل النخبة الحاكمة وتأثير ذلك علي صنع قرارات السياسة الخارجية.

 

“الثورة” و”التغيير السياسي”:

تبقي الثورة أحد أشكال التغيير السياسي وليست الشكل الوحيد, ولكن التغيير الثوري بلا جدال هو تغيير سريع وعنيف ومباغت في معظم الأحيان. وتستخدم بعض الأدبيات مفهوم “تغير النظام” Regime Change في إشارة إلي التحولات في النظام السياسي والتي قد تخلق أحيانا حالة من عدم الاستقرار لعل أهمها وأكثرها تأثيرا علي السياسة الخارجية تغير رأس الدولة, إلي جانب أشكال أخري من التغيير السياسي يمكن تصنيفها في عدة فئات, الفئة الأولي هي تلك التغييرات التي تشمل الإطاحة بشخصية سياسية رئيسية ولكنه ليس رأس الدولة, الفئة الثانية: تغيير رأس الدولة لكن دون تغيير الجماعة الحاكمة مثل تغيير رؤساء الوزراء في النظم البرلمانية كالهند واليابان مع استمرار الأحزاب التي ينتمون إليها في ممارسة الحكم, الفئة الثالثة: التغيير في تكوين المجموعات المكونة للائتلاف الحاكم دون تغيير طبيعة النظام السياسي للدولة مثل تداول الحقائب الوزارية بين الأحزاب في حالة الحكومات الائتلافية في إيطاليا ولبنان وغيرهما من الدول, الفئة الرابعة: تغيير الحزب أو الائتلاف الحاكم بشكل دستوري عن طريق الانتخابات, الفئة الخامسة والأخيرة: تشمل الانقلابات العسكرية والثورات التي تؤدي إلي إقصاء الجماعة الحاكمة عن السلطة والإطاحة برأس الدولة بشكل غير دستوري. ويوجد نوعان من الاستجابة في مجال السياسة الخارجية لوجود اضطراب أو عدم استقرار داخل الدولة إما نتيجة وجود انفسامات داخل النظام السياسي ومواجهته ضغوطا مجتمعية شديدة أو نتيجة تغير النظام السياسي بشكل راديكالي: النوع الأول من الاستجابة, تفرض فيه حالات تغير النظام السياسي بشكل جذري قيودا شديدة علي صانع القرار تمنعه من الدخول في التزامات خارجية مكلفة ماديا أو الاتجاه نحو بدائل مثيرة للجدل والسخط العام, حيث يجنح صانع القرار لتحقيق توافق داخلي يتطلب عدم الإخلال بالتوازنات القائمة وتجنب استثارة الرأي العام والمجموعات السياسية الأخري ذات التأثير في المجتمع, وبالتالي يميل نمط الدبلوماسية في تلك الحالة إلي ما يمكن تسميته “بالدبلوماسية الهادئة” وهو نمط بعيد عن التصريحات الحادة والمواقف المتطرفة ويميل إلي الهدوء علي المستويين اللفظي والحركي وعدم اطلاق مبادرات خارجية جديدة[10].

 

النوع الثاني من الاستجابة قد تعمل من خلاله القيادة الجديدة في حالات التغيير السياسي الراديكالي علي تغيير توجهات السياسة الخارجية علي نحو متطرف واتّباع سياسة خارجية نشطة لتعبئة الرأي العام وتوجيهه نحو قضايا خارجية وصرف الانتباه عن القضايا الداخلية. ويتوقف ما سبق علي طبيعة القيادة الموجودة في أعقاب التغيير الثورى, فإذا كانت القيادة الجديدة تميل إلي النمط الحاد في التعامل مع المواقف المختلفة فمن المرجح أن تتجاهل المعارضة الداخلية وتستخدم السياسة الخارجية لتعبئة التأييد الشعبي للنظام, أما إذا كانت القيادة الجديدة تميل إلي البراجماتية فإنها ستّتبع سياسة خارجية أكثر تحفظا واعتدالا[11].

 

معضلات السياسة الخارجية في ظل الثورات:

عودة إلي حالة الثورة تحديدا, حيث ينبغي الإشارة إلي أن السياسة الخارجية في دولة تشهد تغييرا ثوريا تختلف كثيرا عن السياسة الخارجية لنظام محافظ, كذلك فإن السياسة الخارجية الثورية إذا جاز التعبير هي سياسة تحمل تناقضات كثيرة نتيجة ما تشهده المرحلة الثورية من تفاعل بين قوي سياسية مختلفة تعكس اعتبارات فكرية ذات توجهات متباينة. ويستنتج الباحثون في تاريخ الثورات الكبري عبر التاريخ منذ الثورة الفرنسية عام 1789 وحتي الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 أن تلك الثورات اتّبعت بدءا ما يمكن تسميته بالسياسة الخارجية المزدوجة التي تحاول الموائمة بين محاولة نشر الفكر الثوري (تصدير الثورة إلي الدول الأخري) وما بين الحاجة إلي وجود علاقات دبلوماسية طبيعية مع الدول الأخري,. وعلي هذا يلاحظ وجود نمط متكرر في تطور العلاقات الخارجية للأنظمة الثورية, حيث تبدأ بما يمكن تسميته بفترة سماح A Period of Grace تتمتع فيها الدولة الثورية بعلاقات طيبة مع الدول الأخري وهو ما حدث في بداية الثورة الفرنسية, حيث تمتعت فرنسا بعلاقات طيبة مع انجلترا والدول الأوروبية, وكذلك روسيا في أعقاب الثورة البلشفية التي قامت في البداية بالتفاوض مع ألمانيا ومحاولة إقامة علاقات مع انجلترا وفرنسا, كما اتجهت الثورة الصينية في البداية لإقامة علاقات مع انجلترا وفتح حوار مع الولايات المتحدة, كذلك لم تبدأ المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلا مع أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران بعد عدة أشهر من اندلاع الثورة الإسلامية. ولكن لم تستمر فترة السماح تلك عادة أكثر من عام أو اثنين علي الأكثر, شهدت بعدها الدول الثورية مواجهات حادة مع الدول الأخري التي اعتبرتها فيما بعد مناوئة لثورتها الوليدة. ويفسر البعض تكرار الانتقال من فترة السماح إلي المواجهة الحادة مع الدول الأخري في أعقاب الثورات الكبري نتيجة خلل في إدراكات وحسابات القادة السياسيين, بينما يفسرها البعض الآخر بتطورات بنيوية داخلية تحدث علي مستويين أساسيين: مستوي الدولة التي وقعت بها الثورة من حيث تعريف الثوريين لأنفسهم, ومحاولة تعميم مفردات التغيير علي مستوي المجتمع ككل بما في ذلك إعادة توجيه بوصلة السياسة الخارجية. مستوي الدول الأخري من حيث تكييفها للثورة, وإدراكها لمدي خطورة التغيير الثوري في الدولة الأخري وتأثيره علي مصالحها. ويقود التفاعل بين تلك التطورات البنيوية علي هذين المستويين إلي مواجهة حتمية بين الدولة الثورية والدول الأخري[12]. وتتسم مرحلة المواجهة وهي المرحلة الثانية من تطور السياسية الخارجية في أعقاب الثورات بمواجهات مع الدول الأخري قد تصل إلي حد الاحتكاكات العسكرية, إلي جانب القيام بدعم القوي الثورية في الخارج, والتزام بتصدير مباديء وأفكار الثورة حول العالم. ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة التكيف بين الثورة والنظام الدولي, حيث تستعيد الدولة علاقاتها الطبيعية مع الدول الأخري, وتتراجع آليات الدعاية السياسة المضادة لتلك الدول ومحاولات التدخل في شئونها الداخلية, حيث يقوم النظام الدولي بما يشبه عملية ترويض واستيعاب للثورة التي تتجه نحو التركيز علي التنمية الذاتية. ويشير البعض إلي وجود مرحلة رابعة وهي مرحلة الآثار بعيدة المدي للثورة, حيث يصعب قياس أثر الثورات علي المحيط الإقليمي والدولي في حينه ولكن قياس هذا الأثر يقتضي متابعة علي المدي البعيد. فالثورات عادة ما تكون ملهمة للشعوب والحركات التي تسعي للتغيير الراديكالي, ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن تنجح كل تلك الحركات في إسقاط النظم القائمة حول العالم, كما لا تنجح الثورات في تصدير مبادئها وأفكارها بالتدخل العسكري وحده, ولاتنجح محاولات الإطاحة بالنظم الثورية عن طريق التدخل العسكري وحده أيضا, وإنما يتوقف الأمر علي ديناميات الحياة السياسية داخل الدول الأخري من حيث إدراكها لتلك الثورات وكيفية التعامل معها ومدي استعداد المجتمعات لتبني الأفكار التي تنتجها الثورات التي قد تصبح بعد مرور سنوات نموذجا تسعي الشعوب الأخري لتبنيه أو الابتعاد عنه في حالة التجارب الثورية التي مٌنيت بالفشل. فقد اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789 ولكن لم تكتمل آثارها الخارجية في المحيط الإقليمي إلا بتبلور مفاهيم الدولة القومية والديمقراطية في كل من ألمانيا وانجلترا وإيطاليا بحلول منتصف القرن التاسع عشر[13].

 

ويعتبر تصدير الثورة من أهم المعضلات التي تواجه السياسة الخارجية في ظل الثورات, حيث تؤدي إلي إشكالات كبيرة في العلاقة بين الدولة الثورية والدول الأخري, فالدولة الثورية تري أنها صاحبة حق مشروع وأصيل في نشر مشروعها الأيديولوجي في الخارج ودعم الحركات الثورية, وهو ما يوّلد رد فعل دفاعي في الدول المحافظة التي تحاول إخماد الحركات الثورية في الداخل ومحاربة الدول الثورية المؤيدة لتلك الحركات, وبالتالي تتأزم العلاقة بين الدولة الثورية والدول الأخري, حيث يتسم الثوريون عادة بالحماس الشديد والتفاؤل بشأن قدرة ثورتهم الوليدة علي تعميم التغيير في العالم فيما يعرف ب”نظرية الدومينو” التي تفترض أن نجاح ثورة في إسقاط نظام سياسي في دولة ما يستتبعه سقوط أنظمة أخري بنفس الآلية الثورية, ولكن يصطدم الحماس الثوري بجدلية العلاقة بين “الدولة والمجتمع” أو “بين الدولي والقومي”, حيث أن المجتمع الدولي ليس كتلة واحدة متجانسة بل إن وحدته الأساسية وهي الدولة تعبر عن تشكيلات مجتمعية وإنسانية شديدة التنوع والتباين, وتكون قادرة في أحيان كثيرة علي إنتاج ميكانيزمات دفاعية مضادة للثورة إما بمزيد من القمع أو بمزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويفسر البعض برامج الإصلاح الاقتصادي التي اتّبعتها دول شرق آسيا منذ ستينيات القرن العشرين تحديدا كوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة والتي أصبحت فيما بعد نموذجا للنجاح الاقتصادي, بأنها وٌضعت في إطار مناخ سياسي خشي فيه القادة السياسيون في تلك الدول من وصول المد الشيوعي الثوري إليهم. فالثورة “حدث دولي”, ولكن الأثر الدولي للثورات ليس مطلقا بل يواجه عوامل بنيوية داخل المجتمعات تقف حائلا دون التغيير الثوري فيها[14]. ولا تقف المسألة فقط عند العوائق البنيوية في الأنظمة السياسية الأخري, بل قد تعمل الدولة في سبيل تشجيع الانتشار الدولي لمبادئها وأفكارها الثورية علي توظيف رموز قومية واستدعاء مفردات وشعارات في خطابها السياسي تشير إلي تفوقها الحضاري وأمجادها التاريخية, مما قد يثير ردود أفعال مضادة في الدول الأخري التي تتخوف من الهيمنة أو محاولات التوسع وفرض النفوذ. ويؤدي هذا الأمر إلي تداعيات داخلية, حيث أن الالتزام بدعم حركات ثورية في الخارج, أو الدخول في مواجهات عسكرية مع دول أخري, كلها ليست أمورا مجانية ولكنها تحمّل الدولة تكلفة مادية باهظة في معظم الأحيان قد تؤدي إلي انقسامات داخل الرأي العام حول جدوي تلك الالتزامات الخارجية, بل وقد تصل إلي حدوث فجوة بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية خاصة إذا واجهت الدولة مشكلات اقتصادية واجتماعية ضاغطة تؤدي إلي تصاعد المطالب المجتمعية بالاتجاه نحو اتّباع سياسة خارجية براجماتية[15].

 

وبالرغم من أن الثورات تسعي دائما بشكل أو بآخر لهدم نظام قديم وتأسيس نظام جديد, إلا أن النظم الثورية تظل في أحيان كثيرة “حبيسة الماضي” خاصة في مجال السياسة الخارجية وفي ظل محددات النظام الدولي والوضع الإقليمي والدولي الذي تتمتع به الدولة ولا تستطيع تغييره, مثل حقائق الجغرافيا والديموجرافيا وما ترثه عن الوضع السابق من التزامات قانونية أو تحالفات سياسة وعسكرية, وكذا تداعيات علاقات الصداقة أو العداء التاريخية مع الدول الأخري علي مدار سنوات وعقود سابقة, كل ذلك يعطي سياسة الدولة الخارجية بعد الثورة مباشرة قدرا من الاستمرارية في إطار قيود يفرضها الوضع السابق ولا تستطيع الدولة التحرك خارج إطارها بشكل فوري علي المدي القصير[16].

فالسياسة الخارجية الثورية تعمل في إطار محددين أساسيين: الرغبة في نشر التغيير الثوري في الخارج, والرغبة في الحفاظ علي تماسك الدولة والمجتمع في الداخل من ناحية أخري, وبالتالي تظل السياسة الخارجية في حالة تأرجح ما بين متطلبات الداخل وضغوطه المجتمعية وما بين تأثيرات الخارج بما فيه من فرص وتحديات, بل ويظل النظام الثوري في صراع مع النظام الدولي لفترة تطول أو تقصر حتي يفرض أحدهما قواعده وتوجهاته علي الآخر[17].

 

ويمكن أن نضرب مثالا توضيحيا في هذا السياق بالإشارة إلي السياسة الخارجية الإيرانية في أعقاب الثورة الإسلامية عام 1979, حيث أصبحت القيم الإسلامية مهيمنة إلي حد كبير علي السياسة الخارجية الإيرانية, ولكن تأرجحت أولويات السياسة الخارجية ما بين مصالح الأمة الإسلامية والمصالح القومية لإيران, كذلك تعددت المدارس النظرية التي اتّبعها صانعو القرار السياسي الخارجي. وقد قام أحد الباحثين الإيرانيين بتصنيف الأساس النظري للسياسة الخارجية الإيرانية في أربع مدارس أساسية هي: المدرسة الواقعية, التي تم اتّباعها خلال العامين الأولين من الثورة, واتسمت تلك المدرسة بإعلاء المصالح القومية الإيرانية علي حساب الاعتبارات الأيديولوجية. وفي هذا الإطار فقد حاولت تلك المدرسة تحسين العلاقات مع دول العالم المختلفة وعدم التدخل في شئونها الداخلية, ولكن لم تستمر تلك المدرسة طويلا نتيجة خلافات بين الإمام الخوميني ورئيس الوزراء مهدي بازارجان الذي كان مؤمنا بالمدرسة الواقعية. المدرسة الأيديولوجية, وهي التي هيمنت علي السياسة الخارجية الإيرانية

 

وعموما فقد تحولت إيران في أعقاب الثورة الإسلامية من تبعية الولايات المتحدة الأمريكية تمشيا مع رفض القادة الجدد لإيران أن تظل دولتهم مجرد حارس للمصالح الأمريكية في المنطقة كما كانت في عهد الشاه محمد رضا بهلوي, وبالتالي اتجه الإيرانيون في البداية لتحسين علاقاتهم مع الدول الأوروبية كبديل لعلاقتهم مع الولايات المتحدة, وبالفعل تحسنت تلك العلاقات كثيرا في البداية , حيث اعترقت انجلترا وفرنسا وألمانيا بحكومة الثورة في إيران, ولكن سرعان ما تدهورت العلاقات بشدة بين إيران والغرب مع أزمة احتجاز الشباب الإيراني لرهائن أمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران, حيث أيدّت الدول الأوروبية الموقف الأمريكي خلال تلك الأزمة[20]. وهكذا فقد مرت سياسة إيران الخارجية بتحولات كثيرة ما بين المدارس الفكرية الأربع التي سبق الإشارة إليها, ولكن بالرغم من اتّباع القادة الإيرانيين أحيانا للنهج بالبراجماتي القائم علي تحسين العلاقات بين إيران والدول الأخري من أجل دعم الاقتصاد الإيراني وإخراجه من المأزق الذي تسببت فيه الحرب مع العراق, إلا أن الاعتبارات الدينية والأيدبولوجية كانت تلقي بظلابها علي سياسة إيران الخارجية بين الحين والآخر مثل قضية سلمان رشدي صاحب كتاب “آيات شيطانية” والذي أصدر الإمام الخوميني فتوي بإهدار دمه وهو ما أدي إلي أزمة كبيرة في العلاقات بين إيران والدول الأوروبية خاصة انجلترا[21].كذلك فقد حاول الرئيس السابق محمد خاتمي اتّباع سياسة خارجية إصلاحية كما سبق الإشارة, إلا أن الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد أعاد توجيه السياسة الخارجية الإيرانية نحو مباديء الثورة الإسلامية ومنها رفض قواعد النظام الدولي الحالي والجهر بالعداء الإيراني تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل[22]. وعموما فمنذ قيام ثورة عام 1979 ظلت المباديء الإسلامية لتلك الثورة مكونا أساسيا في سياسة إيران الخارجية بدرجات متفاوتة حسب رؤية القيادة وتوجهاتها, وقد أدي اتّباع تلك السياسة إلي فرض عزلة دولية علي إيران والكثير من الأزمات في العلاقات بينها وبين الدول الأخري[23]. ومن هذا العرض المختصر للتجربة الإيرانية نستخلص أن الثورات تؤثر حتما علي توجهات السياسة الخارجية ولكن هذا التأثير لا يكون بالضرورة آنيا أو مباشرا, حيث يمر الأثر الثوري علي متغير القيادة أولا التي تنعكس رؤاها وتوجهاتها في تحديد محتوي التغيير ومداه, كما يجب ألا نغفل عنصر الزمن في هذا الإطار, وبالقياس علي الحالة الإيرانية يوجد الآن جيل ثالث من الثورة وهم الشباب أقل من ثلاثين عاما الذين لم يعايشوا تجربة الثورة, وتعرضوا لتأثيرات ليبرالية عن طريق التعليم والإعلام, بل ويعاني كثير منهم من مشكلات البطالة والفقر ولا يرحبون بإعطاء القضية الفلسطينية ودعم حركات المقاومة الإسلامية والبرنامج النووي الإيراني أولوية علي القضايا الداخلية خاصة القضايا الاقتصادية, ولا يجد كثير منهم مبررا قويا لاعتبار الولايات المتحدة عدوا لإيران, بل ويميلون لاتّباع سياسة خارجية أكثر براجماتية بدلا من السياسة الحالية التي لم تجلب لإيران سوي العزلة والسمعة الدولية السيئة طبقا لرأي قطاع واسع من الشباب الإيراني اليوم

 

وخلاصة القول أن الثورات تفرض تغييرا كبيرا علي مناحي الحياة المختلفة بما في ذلك السياسة الخارجية, ولكن تتعامل الأدبيات التي أنتجها الباحثون حتي الآن مع الجوانب النظرية للثورة بالقياس علي الثورات الكلاسيكية منذ الثورة الفرنسية وحتي ثورة إيران, وهي التي اتسمت بوجود قيادة موحدة ومنظمة وبرنامج أيديولوجي تسعي الطليعة الثورية لتطبيقه داخل المجتمع ونشره في العالم, وبالتالي انقسم المجتمع الدولي تبعا لذلك إلي معسكرين: معسكر ثوري وآخر محافظ تتأرجح علاقاتهما ما بين المواجهة والاستيعاب. إلا أن الثورات التي شهدتها مصر والدول العربية منذ مطلع هذا العام والتي اصطلح علي تسميتها بالربيع العربي, كسرت تلك القوالب الجامد عن الثورات, فقد جاءت بدون قيادة كاريزمية أو برامج عمل أيديولوجية, فقد كانت انتفاضات شعبية تحمل من العفوية أكثر مما تحمل من التنظيم, ومن السرعة والديناميكية أكثر مما تستطيع الأنظمة السياسية بأجهزنها الأمنية التقليدية أن تستوعب وتستجيب, وكما اختلفت تلك الثورات في طبيعتها فمن الطبيعي أن تختلف في تطور آثارها علي المديين القصير والبعيد, وهي أمور من المبكر التكهن بها ولكنها في كل الأحوال ستكون الأولي بمتابعة الباحثين علي مدار السنوات والعقود القادمة.

[1] James Farr, “Historical Concepts in Political Science: The Case of Revolution”, American Journal of Political Science, Vol.26, No.4, (Nov., 1982), P.691.

 

[2] Ibid. P.693.

 

[3] Ibid. P.689.

 

[4] Ibid. Pp.694-695.

 

[5] Ibid. Pp.699-701.

 

[6] Ibid. Pp.705-706.

 

[7] Johan Galtung, “Middle East and North Africa; Revolution and Counter Revolution”, Foreign Policy Journal, April 19 2011, http://www.foreignpolicyjournal.com/2011/04/19/middle-east-and-north-africa-revolution-and-counter-revolution,

 

8 Ethan Zuckerman, “The First Twitter Revolution”, Foreign Policy, January 14 2011, http://www.foreignpolicy.com/articles/2011/01/14/the_first_twitter_revolution?page=0,0&hidecomments=yes

 

[9] Joe D. Hagan, “Regimes, Political Oppositions, and the Comparative Analysis of Foreign Policy”, in : Charles F. Hermann, Charles W. Kegley Jr., and James N. Rosenau (eds.), New Directions in the Study of Foreign Policy, (Boston: Unwin Hyman, Inc., 1987) Pp. 343-344.

 

[10] Ibid. Pp. 347-351.

 

[11] Ibid. P.363.

 

[12] Fred Halliday, Revolution and World Politics; The Rise and Fall of the Sixth Great Power, (Hong Kong: Macmillan Press LTD, 1999) Pp.133-136.

 

[13] Ibid. Pp.137-139.

 

[14] Ibid. Pp.141-146.

 

[15] Ibid. Pp.148-151.

 

Ibid. P.140.  [16]

[17]Ibid. Pp 156-157.

[18] Fakhreddin Soltani, Reza Ekhtiari Amiri, “Foreign Policy of Iran after Islamic Revolution”, Journal of Politics and Law, Vol. 3, No. 2; September 2010, P.199,

www.ccsenet.org/jpl

 

[19] Ibid.P. 200.

 

[20] Ibid.Pp. 200-201.

 

[21] Ibid.Pp. 202-203.

 

[22] Ibid.P.204.

 

[23] Ibid.P.205.

 

[24]  سمير  زكي البسيوني, “الشباب الإيراني والسياسة الخارجية من الثورية إلي البراجماتية”, السياسة الدولية, العدد 168, إبريل 2007, المجلد 42, ص ص 130-132.

عن admin

شاهد أيضاً

انتقال بايدن.. والمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا: الحاجة لتغيير استراتيجية الولايات المتحدة في ظل الأزمة الحالة

انتقال بايدن.. والمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا: الحاجة لتغيير استراتيجية الولايات المتحدة في ظل الأزمة الحالة

انتقال بايدن.. والمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا: الحاجة لتغيير استراتيجية الولايات المتحدة في ظل الأزمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *