الرئيسية / النظرية السياسية / النظريات السياسية / نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبرى والصحوة العظمى
نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبيرة والصحوة العظمي
نحو نهاية الرأسمالية العالمية بين إعادة الضبط الكبيرة والصحوة العظمي عرب برف arabprd

نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبرى والصحوة العظمى

نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبرى والصحوة العظمى

الكسندر دوجين

ترجمة: تامر نادي

هذا الحوار مقابلة أجرتها المجلة الألمانية “Deutsche Stimme” دويتشه ستيم (الصوت الألماني) مع الفيلسوف الروسي ألكسندر دوجين في يناير 2021، لمناقشة الاستراتيجية العالمية الجديدة المسماة “إعادة الضبط الكبرى”. بوصفها جزءً لا يتجزأ من الإطار السياسي لليبرالية. وكان النقاش في إطارها الفلسفي، بالإضافة إلى الأنطولوجيا الموضوعية/ الشيئية “object-oriented ontology” وأحدث النظريات الفلسفية لـ”دوجين” فيما يتعلق بالذات الراديكالية.

دويتشه ستيم: البروفيسور دوجين.. إننا نري النخب العالمية تناقش استراتيجية تسمى “إعادة الضبط الكبرى” “The Great Reset”، والتي تدعو إلى إعادة ضبط الرأسمالية ونظام “ما بعد الليبرالية” بعد فشلها خلال أزمة كورونا. وبالتالي فهي تعلن هدفاً مفاده: “يجب جعل الرأسمالية أكثر استدامة من أجل الحفاظ على المجتمع المفتوح حياً، ولكن أيضًا أكثر قمعاً، من أجل الحصول على مزيد من السيطرة على الحياة اليومية، وتثبيت نظام للمراقبة الجماعية”. ما رأيك في هذا المشروع الجديد الذي يهدف إلى “إنقاذ العولمة”؟

ألكساندر دوغين: أعتقد بشكل دقيق، إن هذه ليست استراتيجية جديدة، لكنها مصطلح جديد للعولمة. حيث نجد في تاريخ العولمة، أن  مصطلح (إعادة الضبط –  reset) مفهومًا مثيرًا للاهتمام. وقد كان المحتوى هو نفسه موجوداً في: “النظام العالمي الجديد –  the New World Order”، والعولمة globalization، والعالم الواحد One World، ونهاية التاريخ End of History، وتعزيز قيم الليبرالية المتحررة. وبالتالي فإن مضمون “إعادة الضبط الكبرى” لا يختلف كثيرًا عن مضمون العولمة، لكننا بحاجة إلى أن نفهم أن العولمة ليست مجرد عملية تكنولوجية أو جيوسياسية أو سياسية، بل هي أيضًا عملية أيديولوجية تحتوي على مستويات مختلفة. على سبيل المثال، مفاد ذلك أن كل الدول وكل المجتمعات يجب أن تتحول إلى النموذج الغربي. وهذا هو المهم في الأمر.

وكانت عملية التغريب “Westernization” جزءًا كبيرًا من هذه العولمة – لأن ذلك يمثل إسقاطًا للقيم الغربية والمجتمع الغربي على البشرية جمعاء. ولذلك، في العولمة، يتم وضع النموذج الغرب كمثال يحتذي به. ثم يأتي المستوى الثاني من العولمة وهو إسقاط التحديث على التغريب. وهذا يعني أنها نسخة محدثة أكثر فأكثر من القيم الغربية – وليست نفس القيم الغربية التي كانت بالأمس. فهذه عملية مستمرة مع بعض التحولات الخاصة، أي تغيير القيم والنموذج الغربيين. وهذا مهم جداً- لأنها عملية مزدوجة لتحديث الغرب نفسه وتقديم نسخة محدثة منه. وهذا نمط من “ما بعد الحداثة” مزج بين التغريب والحديث.

وذلك، لا يتم فرض تطبيق التحديث على المجتمعات غير الغربية فقط، ولكنه أيضًا عملية داخلية في المجتمعات الغربية ذاتها. ولذلك، فإن العولمة هي التحديث أيضًا. ويجب أن يكون المستوى التالي تحولًا أيديولوجيًا داخل العولمة الليبرالية ذاتها لأن “اللبرلة” هي أيضًا عملية. إنه ليس مجرد إيمان بشيء ثابت إلى الأبد، ولكنها فكرة لتحرير الفرد من جميع أشكال الهوية الجماعية.

 

دويتشه ستيم: ما الذي يجب أن يتحرر منه الفرد في هذه العملية؟

الكسندر دوجين: إن هذه عملية تاريخية. بدأ بالتحرر من الكنيسة الكاثوليكية؛ ثم بعد ذلك، كان التحرر من الأقنان والانتماء إلى بعض المجتمعات في العصور الوسطى، وبعد ذلك كان التحرر من الدولة القومية ومن جميع أنواع الهويات الجماعية المصطنعة في القرن العشرين. كما حدث بعد هزيمة النازية والشيوعية، حيث اتبعت الخطوة التالية – تحرير الإنسان من الهوية الجنسية الجماعية، والتي كانت علامة على الانتقال إلى نوع جديد من الليبرالية. ولذا، فإن سياسات “النوع الاجتماعي” كانت ضرورية. ولم تكن ثانوية أبداً – إنها شيء مُتَضَمَّن بشكل أساسي في منطق تطور الليبرالية ذاتها.

لذا فإن العولمة مرتبطة بشكل أساسي وطبيعي بسياسة النوع الاجتماعي. هذا مهم للغاية. هذا جزء من تحديث المجتمع الليبرالي نفسه. والنقطة التالية هي تبادل الهوية الجماعية الإنسانية مع الهوية الجماعية لما بعد الإنسانية. هذه هي الأجندة السياسية للغد التي تبدأ اليوم؛ هذا هو المنطق الرئيسي للعولمة. هذا ليس مجرد فتح الحدود. هذه عملية عولمة عميقة جدا ومتعددة المستويات.

 

دويتشه ستيم: ولكن ما الجديد في فكرة إعادة الضبط الكبرى؟

ألكسندر دوجين: الجديد هو حقيقة أن المراحل السابقة خلقت أنواعًا مختلفة من التناقضات في المجتمعات غير الغربية، وخاصة المجتمعات غير الغربية بشكل تام “شبه الغربية” والمجتمعات غير الحديثة بشكل كامل في روسيا والصين. وكانت ردود فعل هذه المجتمعات ذات السمات المحافظة ضد العولمة، ودافعت عن سيادتها. وظهر ذلك في مقاومة روسيا كقوة نووية عظمى، والصين كقوة اقتصادية كبيرة لهذه العملية. وفي الوقت نفسه، ظهرت حضارات حاولت مجابهة القيم الليبرالية والحداثية وما بعد الحداثة. وكان ذلك رد فعل فطري وطبيعي للحضارة ضد أجندة العولمة الأيديولوجية.

في نفس الوقت، كان هناك بعض الفشل الاقتصادي والهزائم الاستراتيجية في الجيوبوليتيك، مثل إنشاء مشروع “الشرق الأوسط الكبير” والترويج للثورات الملونة في العالم العربي، والتي لم تحقق النتائج الناجحة التي توقعها منظري العولمة… كانت تلك سلسلة من الإخفاقات – فشل بعد فشل، وآخر فشل كان ظهور ترامب.

والذي كان تعبير عن تمرد المجتمع الأمريكي ورفض هذه الأجندة. الذي أعرب عن رغبته في البقاء مع النسخة السابقة من الحداثة ومن الليبرالية ومن الديمقراطية. لقد رفضوا عملية التحديث والتطوير الجارية. لقد كان ذلك نوعًا من التحدي النابع من داخل المجتمع الأمريكي – ليس بفعل بوتين، وليس بسبب صعود الشعبوية في أوروبا، ولكن مظهر من الانقسام في المجتمع الأمريكي نفسه.

كل هذا يضع مروجي العولمة في مكانة خاصة جدا. لقد حاولوا الترويج لأجندتهم التي كانت قائمة على تحرير الفرد من كل نوع من أنواع الهوية الجماعية. وما زالوا يريدون مشروع التغريب. وما زالوا يريدون تحقيق المزيد والمزيد من تحديث. وبالتالي يتم تدمير كل نوع من الهوية في الغرب. لكنهم واجهوا الكثير من العقبات التي أعاقتهم عن المضي قدمًا بطريقة طبيعية، لذلك كان ذلك [فوز ترامب] نوعًا من إنذار الطوارئ التي انفجر بسبب تراكم القوى البديلة والفاعلون من طبقات مختلفة.

لقد خلقت الحضارات – وكذلك وفرت السيادية والأيديولوجية والثقافة والجيوبوليتيك والاقتصاد، وأيضاً العناصر السياسية، خلقت نوعًا من الجبهة المضادة للعولمة، التي مثلها كل من ترامب، وبوتين، والإسلام المتنامي، وإيران، والصين بمنهجها الاقتصادية في مبادرة الحزام والطريق، وموجة الشعبوية في أوروبا، وصور الانقسام داخل الناتو، وسياسة أردوغان المستقلة ذات السيادة.

لقد خرجت كل الأمور عن السيطرة. وكان هناك نمو للعوائق في طريق العولمة. لقد كانت تلك نكبة، كارثة على مدار العقدين الماضيين، بدءًا من عام 2000. لقد أدى ذلك إلى نهاية اللحظة أحادية القطب وتزايد الهزائم. فقدَ دعاة العولمة مواقعهم في كل مكان وفي كل معسكر، ووجه ترامب الضربة القاضية لهم. ولذلك انضم الشعب الأمريكي إلى هذه المعركة ضد الأجندة المعولمة العالمية.

 

دويتشه ستيم: إذن، هل مثل دونالد ترامب كارثة من وجهة نظر العولمة؟

الكسندر دوجين: نعم، والآن هم في موقف حرج. عندما يتحدثون عن إعادة الضبط، فهذا يعني العودة القصرية والعنيفة لاستمرارية أجندتهم. ويبدوا أنها ليست نوعًا من العمليات الطبيعية لتطور التقدم. بل يبدو أن كل شيء قد كان على ما يرام طوال العشرين عامًا الماضية، يتعين عليهم الآن القتال من أجله، من أجل كل عنصر من عناصر استراتيجيتهم يواجه مقاومة متزايدة في كل مكان. لذلك لم يعد بإمكان دعاة العولمة تنفيذ استراتيجيتهم بنفس الوسائل والأساليب القديمة بعد الآن. ولذلك يعمدون إلي مقولة: “إعادة البناء بشكل أفضل” “Build Back Better.”

هذا أشبه بالشعار، أو الكلمة المفتاحية؛ والتي تعني [إعادة البناء] العودة إلى ما قبل لحظة مناهضة العولمة anti-globalist – أي العودة إلى وضع التسعينيات من القرن الماضي، لتكون العولمة في وضع أفضل مما بدت عليه من بعد ذلك الوقت.

 

دويتشه ستيم: هل يعنى ذلك أنهم يريدون العودة بالزمن لتصحيح الأخطاء التي ارتكبت في الطريق نحو النظام العالمي الجديد؟

الكسندر دوجين: نعم، بالفعل. هذا نوع من الدعوة إلى شحذ كل قوى العولمة من أجل كسب المعركة الأخيرة على جميع الجبهات، ومن أجل اختراق كل الجهات. وكانت هزيمة ترامب هي الهدف الأول. ثم إنهم يريدون تدمير بوتين، وقتل شي جين بينغ، وتغيير الحكومة في إيران، وتسميم أردوغان، وتشويه سمعة جميع أنواع الشعبوية الأوروبية، وإنهاء المقاومة الإسلامية، وتدمير كل الاتجاهات المناهضة للعولمة في أمريكا اللاتينية! وذلك ليس بطريقة سلمية، بل بالهجوم بالوسائل الشمولية.

ولذا، فإن إعادة الضبط هو مفهوم له نفس المضمون، لكنه يفترض مسبقًا وجود أدوات جديدة تمامًا لتنفيذ الأجندة، وأنا أعتقد أن الأدوات الآن شمولية بشكل علني. إنهم يحاولون فرض الرقابة، ويحاولون فرض الضغوط السياسية، وفرض الإجراءات بوليسية ملموسة ضد كل من هم في المعسكر المقابل.

وبذلك تكون إعادة الضبط الكبرى تعني استمرار (نوع من الاستمرار اليائس) استراتيجية العولمة الفاشلة ضد كل هذا التراكم للعقبات. فهم لم يستطيعوا قبول فشلهم. إن ذلك أشبه عذاب تنين جريح شارف على الموت، ولكنه لا يزال قادرًا على القتل لآخر لحظة في حياته.

إن ما سيمونه BBB “Build Back Better” أو إعادة البناء بشكل أفضل – ما هو إلا صرخة التنين الأخيرة. “اقتل كل أعداء المجتمع المفتوح، يجب قتل أعداء المجتمع المفتوح – وتعذيبهم إذا انتصروا من خلال العملية الديمقراطية. يجب أن نلغي الديموقراطية”، هكذا يصرخ هذا التنين: “دمر كل عقبة أمامك! فالإنسانية هي المعركة الأخيرة للعولمة، ودعونا ندمرها. ضع لهم السم في اللقاحات. دعنا نقوم بذلك لأنها المعركة الفاصلة!

والآن نرى أنهم يستخدمون لإعادة الضبط الكبير Great Reset جميع الوسائل التي لم يكن من الممكن تصورها في المرحلة السابقة. ولذا، فإن الإجابة النهائية على سؤالك “ما هي إعادة الضبط الكبرى؟” – إنها ليس بالشيء الجديد. إنها نفس أجندة العولمة، ونفس الأيديولوجية، ونفس القيم، ونفس العملية، ولكنها بوسائل جديدة تمامًا. إنها الآن استبدادية بشكل واضح وصريح. ورقابة، وقمع سياسي، وقتل، وحرب، وشيطنة للعدو، واستنكار كل من يعارض ذلك باعتباره فاشيًا ومجنونًا وإرهابيًا، ويتعاملون معهم على هذا النحو بالضبط.

بادئ ذي بدء، إنهم ينظرون إلى كل أعدائهم على أنهم فاشيين. ثم بعد ذلك بدأوا في قتلهم لأنهم فاشيين. لا أحد يفتش عن حقيقة الأمر. وهذه هي البلشفية فقط، تمامًا كما حدث في الثورة البلشفية أو الثورة الفرنسية. يجب إبادة كل من يُعلن أنه عدو للثورة. إذن هذه هي “الإبادة”، وكما نرى في الولايات المتحدة الأمريكية المراحل الأولى من إعادة الضبط العظيمة هذه. وتجدهم يقولون: “العولمة خسرت الانتخابات؟ دعونا ندمر الانتخابات! اقتلوا كل المتظاهرين! دعونا نلقي نظرة على كل هؤلاء الملايين من الناس الذين يتظاهرون كجماعة صغيرة من المجانين والفاشيين!”، لذا فهم يدمرون كل أنواع عمليات التحقق من الواقع. لا مزيد من التحقق من الواقع. مرحبًا بكم في شمولية إعادة الضبط الكبرى!

 

دويتشه ستيم: أثناء الاحتجاجات في مبنى الكابيتول بواشنطن، استخدمت مصطلح “الصحوة الكبرى” كنقيض لعملية إعادة الضبط الكبرى. ماذا تقصد بذلك؟

الكسندر دوغين: الصحوة العظمى “Great Awakening” مصطلح استخدمه المتظاهرون الأمريكيون بشكل عفوي، وردده أليكس جونز [مذيع أمريكي] وكل الآخرين. هذا المفهوم وُلد مؤخرًا، عندما أصبح الشعب الأمريكي أكثر وعيًا بالطبيعة الشيطانية الحقيقية للعولمة. يتعلق هذا أولاً بالأمريكيين الذين كانوا يتوهمون أن كل شيء يسير على ما يرام إلى حد ما، وأن الديمقراطيين والجمهوريين داخل الولايات المتحدة يمثلون جناحين من نفس الديمقراطية الليبرالية. فكانت الصحوة الكبرى بالنسبة لهم هي اكتشاف أن وراء قناع الحزب الديمقراطي كان هناك شيئًا مختلفًا تمامًا – نوع من الانقلاب الذي دبره دعاة العولمة والمجانين والإرهابيين.

إنهم – دعاة العولمة – مستعدون لتطبيق جميع أنواع الإجراءات الشمولية ضد الشعب الأمريكي. لقد كان ذلك مستحيلًا ولا يمكن تصوره من قبل. وقد بدأ الأمر مع ترامب خلال السنوات الأربع من رئاسته ووصل إلى ذروته في تزوير الانتخابات – هذه الانتخابات المسروقة كانت صورة واضحة لما يعرف بالصحوة الكبرى. إنها تعبر عن فهم الطبيعة الحقيقية لإعادة الضبط، عن العولمة. كان الشعب الأمريكي مختبئًا داخل النظام الأمريكي، والآن هناك شيئان مختلفان تمامًا – السكان الأمريكيون (ترمبيون، أو الأمريكيون العاديون) مقابل “أمريكا العولمة”. وهذا هو بالضبط الخط الفاصل بين إعادة الضبط الكبرى والصحوة الكبرى.

 

دويتشه ستيم: هل الصحوة الكبرى ذات معنى فقط عند الوطنيين الأمريكيين أم لنا أيضًا؟

ألكساندر دوغين: حقيقة، إن الأمر يتعلق في المقام الأول بالوطنيين الأمريكيين في موجة الاحتجاجات المتزايدة في الولايات المتحدة، لكن يمكننا مقارنة “المعنى العالمي لإعادة الضبط الكبرى” بالمعنى “العالمي المحتمل للصحوة الكبرى”، لأن إعادة الضبط الكبرى هي ملخص للعديد من النزعات الحضارية التي تم إعدادها في القرون السابقة.

إنها ليست فقط الإرادة الشريرة لمجموعة من الحمقى – لا، بل إنها تراكم النتائج السلبية ومراحل الحداثة. إن ذلك نفيًا للطبيعة البشرية: أي ابتكار أدوات تقنية التي أصبحت على المدى الطويل هي “السيد”، ورفضت وجودها كأدوات. لذلك، عندما تصبح الأداة هي “السيد”، فإن هذا يغير كل شيء؛ هذه هي لحظة التفرد – وهذا الاغتراب وفقدان الهويات البشرية خطوة بخطوة، بدءًا من الهوية الدينية، مع هذا الأيديولوجية “الاسمية”[1] المستمرة، التي تتظاهر بتدمير كل أنواع الهوية الجماعية. الآن نحن نقترب من فقدان الهوية البشرية. ولا يزال مسموحًا لك أن تكون إنسانًا؛ إنه أمر اختياري. أما غدًا، فمعنى أن تكون إنسانًا سيعني نفس معنى أن تكون ترامبيًا أو فاشيًا، وما إلى ذلك. هذه العملية خطيرة للغاية، وهذه هي عملية إعادة الضبط الكبرى.

وبالتالي، يجب أن تكون الصحوة العظيمة عالمية مثل إعادة الضبط الكبرى. لا ينبغي أن يكون ذلك مجرد رد فعل من الشعب الأمريكي فقط، الذي فهم أخيرًا الهوية الثقافية للنخب الديمقراطية الحاكمة والعولمة في بلادهم؛ بل عالمياً، لأنه إذا كان مضمون إعادة الضبط الكبير غنيًا جدًا بالمعنى، وإذا كان ذلك مدرجًا فيما أطلق عليه “هايدجر” تاريخ الوجود Seinsgeschichte، ومصير التاريخ the destiny of history – الجانب الأنطولوجي للتاريخ – يجب أن تكون الصحوة العظيمة بديلاً عن ذلك. لكن يجب أن تكون على نفس المستوى وليست مسألة سطحية. فنحن نتعرض للهجوم من قبل ذلك الشيء المسمى العولمة، وإنها بشكل عميق للغاية “ميتافيزيقي”. إنها تقنية، وهي ليبرالية، وهي الحدثة والما بعد حداثة.

وهناك فلسفة وراء دعاة العولمة، ومن أجل مجابهة هذه الفلسفة – التي تكاد تتحقق على نطاق عالمي، ولكنها تعاني من المزيد والمزيد من المشاكل والإخفاقات – نحتاج إلى الاستفادة من هذا البديل. على سبيل المثال، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في علاقات الغرب مع الشرق، أو العلاقات بين الغرب وباقي العالم. كما إننا بحاجة إلى توحيد الأجزاء الأخرى من العالم من آسيا إلى أوروبا ضد هيمنة هذا الغرب الفريد من نوعه. وسيكون هذا هو التحول من النسق أحادي القطبية إلى نسق التعددية القطبية، ويجب أن يجد الغرب مكانه داخل هذا الهيكل متعدد الأقطاب.

نحن بحاجة إلى تدمير هذا التوجه “المركزية الأوروبية/ الغربية”. ونحن بحاجة إلى قبول التعددية الحضارات، وسيكون ذلك أحد السمات العديدة للصحوة الكبرى. ثانيًا، نحن بحاجة إلى مراجعة الجيوبوليتيك. ونحن بحاجة إلى تطوير فكر جيوبوليتيكي متعددة الأقطاب. ليس فقط القوة البحرية الغربية ضد القوة البرية الشرقية، ولكننا بحاجة إلى تحديد القوة البحرية والقوة البرية في الغرب أيضًا. فالولايات المتحدة الأمريكية هي مثال واضح على هذه التوجهات الجديدة. وذلك عندما تكون هناك قوة برية تمثلها الولايات الحمراء والجمهوريون الترمبيون، وهناك مناطق ساحلية تمثل القوة البحرية. هذا تغيير كامل للرؤية الجيوسياسية. أكثر من ذلك، لا نحتاج فقط إلى محاربة سياسات النوع الاجتماعي أو نزع الصفة الإنسانية أو ما بعد الإنسانية أو ما بعد الحداثة. فنحن بحاجة إلى المراجعة والعودة إلى ما فقدناه منذ بداية الحداثة. نحن بحاجة إلى إعادة تخصيص الكنز الفلسفي لهؤلاء المؤلفين والفلاسفة والميتافيزيقيين والمدارس الفكرية التي تخلينا عنها، وتركنها خلف الحداثة. لذا، أعتقد أن هذه أيضًا سمة من سمات الصحوة الكبرى – العودة إلى أفلاطون؛ العودة إلى العصور القديمة. العودة إلى العصور الوسطى. العودة إلى أرسطو؛ العودة إلى المسيحية. العودة إلى الديانات التقليدية – كل الديانات التقليدية. هذا هو النزعة التقليدية traditionalism.

يجب أن تمثل الصحوة الكبرى أيضًا فهمًا لما فقدناه مع الحداثة. لذلك لا ينبغي أن تكون مجرد استمراراً للحداثة أو ما بعد الحداثة. بل يجب أن تكون مراجعة للحداثة، ومراجعة نقدية من اليسار واليمين. وبالتالي فنحن بحاجة إلى مراجعة كاملة للحداثة نفسها.

الصحوة الكبري هي نوع من البرامج الفلسفية والميتافيزيقية – “بيان” يتعامل مع إعادة الضبط الكبرى باعتبارها شرًا مطلقًا. إنها تبلور لقيمة معاكسة. فهي ليست مجرد دفاع عن الجمهوريين ضد الديمقراطيين في الولايات المتحدة. إنها مفهوم أعمق بكثير، وأعتقد أننا نواجه تحديًا الآن لإنشاء جبهة عالمية مشتركة من الصحوة الكبرى، حيث سيكون المتظاهرون الأمريكيون جناحًا واحدًا وسيكون الشعبويون الأوروبيون هم الجناح الآخر. وروسيا بشكل عام ستكون الثالثة. كما ستكون كيانًا ملائكيًا له العديد من الأجنحة – جناح صيني وجناح إسلامي وجناح باكستاني وجناح شيعي وجناح أفريقي وجناح أمريكي لاتيني.

لذلك، نحن بحاجة إلى تنظيم هذه الصحوة الكبرى ليس فقط من خلال تأسيسها على عقيدة واحدة. إن الخطوة التالية، هي الهويات المختلفة، وعلينا إيجاد مكان لها. هذا الإيمان بالآخرة للصحوة الكبرى نجده في التقليد المسيحي. نجد بعض الشخصيات الخاصة لتلك العودة الثانية للمسيح في معركة نهاية العالم ضد المسيخ الدجال. ونفس الشيء في التقليد الشيعي للإسلام، نفس الشيء في التقليد السني للإسلام، وهناك التقليد الهندي لكالي يوغا، السرد حول نهاية كالي يوغا ومحاربة الأفاتار العاشر ضد شيطان الزمن المنحرف.

لذلك نحن بحاجة إلى تقليد آخر، وفهم آخر، وشخصية أخرى، وصور أخرى، لهذه الصحوة العظيمة، وكل شيء يتزامن الآن. لا ينبغي أن يكون مجرد رفض سياسي أو اقتصادي لعملية إعادة الضبط الكبرى. فقط نحن بحاجة إلى فهم إعادة الضبط الكبرى باعتبارها التحدي الأكبر. إن إعادة الضبط الكبرى هي نوع من المركبات المفاهيمية للمسيح الدجال، ومن أجل محاربته نحتاج إلى امتلاك سلاح روحي، وليس سلاحًا تقنيًا فقط. مادي أيضًا، ولكن أولاً وقبل كل شيء روحي.

أعتقد أن الصحوة الكبرى يجب أن تكون إيقاظًا للروح، وإيقاظًا للفكر، وإيقاظًا للثقافة، وإيقاظًا لجذورنا الضائعة تقريبًا، ولتقاليدنا الأوروبية أو الأوراسية أو الآسيوية أو الإسلامية. ولذلك أنا أفهم الصحوة الكبرى، التي بدأت للتو، كعملية تكوين وخلق وإظهار هذا الفهم الروحي الجديد للتاريخ والحاضر والمستقبل، وكذلك تنظيم النقد الراديكالي ضد كل الحداثة، والوسطية الغربية، والتقدم التكنولوجي، ومراجعة مفهوم الزمن.

دويتشه ستيم: لقد ذكرت موضوعًا مهمًا وهو مسألة “ما بعد الإنسانية”، وكتبت أيضًا العديد من المقالات حول “الأنطولوجيا الشيئية – object-oriented ontology” عند Reza Negarestani. فأين ترى الخطر الناتج عن هذه التطورات؟

ألكساندر دوغين: أعتقد أن الأنطولوجيا الشيئية هي بالأحرى نسيج وكشف ومظهر من مظاهر الهدف الحقيقي للحداثة. إنها نوع من نقطة النهاية الطرفية التي عملت الحداثة قبلها تحت مسمى “الرجل”، ومع الأنطولوجيا الشيئية نصل إلى نقطة واقع الهدف الحقيقي، الذي لم يكن تحرير للبشرية، بل تدمير الواقع. وهلاك للإنسان، لأنه بعد “موت الله” تبعًا منطقيًا “موت الإنسان”، وكانت تلك هي الأجندة الخفية التي تتضح الآن في الأنطولوجيا الشيئية.

لذا، دعا كل من نيجاريستاني ونيك لاند ومياسو وهارمان، إلى الإقلاع عن/ وترك الإنسانية للوصول إلى الأشياء نفسها بنفسها، وإلى الشيء بدون الشيء. هذا نوع من الأجندة الحقيقية للمادية. ولذلك كانت المادية مستوحاة من هذه الأنطولوجيا الشيئية التي ظهرت في نهاية المادية، وليس في بدايتها. وكانت هذه هي النتيجة المنطقية التي كان من الممكن أن يحصلوا عليها في وقت سابق، لكن الأشياء كما هي، وفي تاريخ الوجود Dasein، في تاريخ الفلسفة، وجاءت الأنطولوجيا الشيئية أخيرًا. وهذه هي بالضبط الدعوة، كما قال نيك لاند، لتدمير البشرية جمعاء والحياة على الأرض.

وفي السابق، كان مجرد رسم كاريكاتوري أسود للتقليديين ضد التقدميين، لأن التقدم يؤكد دائمًا أننا نناضل من أجل تحرير البشرية، أو من أجل الحياة على الأرض، أو البشر والحرية. وتظهر الآن مجموعة من المفكرين الأكثر تقدمًا، والأكثر حداثة، والمستقبلية.

“لا، على الإطلاق. أن تكون إنسانًا هو الفاشية. وأن تكون إنسانًا يعني أن تفرض الموضوعات على الأشياء”. ونحن بحاجة إلى تحرير الأشياء من الموضوعات، ومن الإنسانية، والأكثر إثارة للاهتمام، استكشاف الأشياء كما هي بدون الإنسان، ودون أن تكون أداة للإنسان، ودون أن تكون في متناول اليد، وفي المصطلحات الهايدجريّة.

لقد وصلوا إلى الجانب الآخر من الأشياء. حيث يفترض أنه يجب أن يكون خاليًا من العدم، بينما هم يكتشفون موضوعًا آخر. يطلق عليهم “آلهة لوفكرافت الأغبياء” the idiot gods of Lovecraft – القدامى – الشخصيات التي تتجاوز الأشياء، ولكن في نفس الوقت بداخلها. وهكذا تتحرر الأشياء من الذات البشرية، ومن الإنسانية، وتفتح بعدها الخفي، وهو الشيطان الحقيقي.

إن الأنطولوجيا الشيئية هي نوع من الهواجس أو التنبؤ بقدوم الشيطان الفلسفي. إذاً هذا الشيطان الفلسفي موجود على الجانب الآخر من الأشياء، ويظهر شيئًا فشيئًا في الكتابات الأكاديمية، وفي دراسات النوع، وهذه هي الخطوة التالية بعد الفلسفة التحليلية التي أعدت المنطقة لهذه الطريقة غير الإنسانية في التفكير – ذكاء اصطناعي يمكن أن يوجد بدون بشر وبدون حياة على الأرض.

لذلك، في الأنطولوجيا الشيئية، نتعامل مع الحقيقة الصادقة، وليس مع الكذب. وللمرة الأولى، تقول الحداثة الحقيقة عن نفسها. وأن ما كان في السابق كان كذبة للحداثة.

لقد كَذَبت الحداثة للجميع: “وأه … نحن نؤيد الإنسانية… نحن مع الحياة… نحاول تحرير البشر والطبيعة ومن الله الفاشي المتعالي”.

لقد كانت هذه كذبة ليست لصالح البشرية، بل ضد الإنسانية وضد الله. كانت الفكرة الأساسية هي تحرير الشيطان من القيود التي قيد بها في الجحيم. وكان هذا تحرير الشيطان وليس تحرير الإنسان، والآن تأتي لحظة تحرير الشيطان من الإنسانية والحياة. وهذه هي الأنطولوجيا الشيئية التي تؤكد ذلك بوضوح وبصراحة، وهم فلاسفة ذوو توجه موضوعي. إنهم أقرب إلينا من التقليديين لأننا رأينا دائمًا في الحداثة هذا الشيطان، هذا البعد الشيطاني.

لذلك بالنسبة للتقليديين، لم تكن الحداثة محايدة. كانت الحداثة منذ البداية خليقة شيطانية، وهذا هو الخط التقليدي الرئيسي. وهي الآن تظهر بين أكثر مدارس الفلاسفة تقدمية، والتي تقول الشيء نفسه، ولكن لصالح الشيطان. إنها ليست [2]Aleister Crowley أو القداس الأسود[3] أو LaVey[4] – فالسحر الأسود الحقيقي هو العلم الحديث والثقافة الحديثة. إن الحضارة الحديثة هي نوع من التحضير لظهور المسيح الدجال، والدين الإسلامي يعرفه باسم “المسيخ الدجال”، كما يعرف المسيحيون المسيح الدجال. وأعتقد أن دعوات لوفكرافت والسحر الأسود وإبادة الجنس البشري والطبيعة، هي التي كشف عنها Nick Land باعتبارها الطبيعة الحقيقية للعلم والحداثة أيضًا، وهذا هو السبب الذي يجعلني أعتبره قدم خدم للصحوة الكبري.

إن الأنطولوجيا الشيئية هي الوجه الآخر للصحوة الكبري، عندما يتم إيقاظ وعينا على حقيقة ما هو التقدم في الواقع. وأنها تحشد قوتنا الروحية، التي توقظ باقي كرامتنا الإنسانية، فإن هذا هو الكفاح الحقيقي.

لكن التعامل مع الأشخاص الذين يقولون الحقيقة بشأن أهدافهم ومبادئهم السلبية أفضل بكثير من التعامل مع الكذابين. لذا، داخل تلك الكذبة، تظهر الحقيقة الأكثر جذرية عن الحياة. ولهذا السبب لم أستطع إدانتها بنفس الطريقة التي أكره بها الفلسفة التحليلية أو الوضعية أو العلوم الطبيعية لنيوتن أو جاليليو، والتي كانت كارثة خالصة وكذبة عن الطبيعة والإنسانية. على سبيل المثال، أكره بايدن وكمالا هاريس، لكنني لم أستطع أن أكره نيجارستاني أو نيك لاند أو هارمان الذين هم عبدة شيطانيون حقيقيون وواعون.

لذا فإن التعامل مع الواقع كما هو أفضل من كل هذه الأكاذيب. على سبيل المثال، إذا أعلن أحد التقدميين في الولايات المتحدة أنهم يخدمون الشيطان، وأن الشيطان يجب أن يعود، فمن السهل علينا التعامل معه. ولذلك أنا دائمًا أفضل الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة مظلمة جدًا ومروعة جدًا، فأنا دائمًا أفضل الحقيقة المرة على الكذب المريح الذي يحاول التسلل إلى أفكارنا. ذلك الشيطان الذي يساعد الشر على الاستيقاظ لأنه بغيض ومكروه، وأعتقد أن ما يشهده الأمريكيون اليوم مع كامالا هاريس والديمقراطيين هو الرعب الحقيقي. كلما زاد الرعب، كان ذلك أفضل، على ما أعتقد.

 

دويتشه ستيم: هذا يقودنا إلى المؤتمر الذي نظمته مؤخرًا، بعنوان (ما الذي يريده الفلاسفة في زمن المعوزين [المحرومين]؟) أنت قدمت مفهوم الذات الراديكالية، المستمد من فكر أرسطو ويوهانس تولر. يرجى توضيح ما يدور من هذا المفهوم.

ألكسندر دوغين: هذه هي النقطة الأكثر أهمية لأنه في تطرف “إعادة الضبط الكبرى” ضد “الصحوة الكبرى”، يكون مفهوم الذات في قلب المعركة. حين يحاول المحافظون إنقاذ الذات البشرية، ويحاول التقدميون الآن صراحة تدميرها لصالح الذكاء الاصطناعي ما بعد البشري/ غير البشري، والفضاء الإلكتروني التكنولوجي – والأنطولوجية السيبرانية. حيث أكون مشكلة الذات في المركز، لأن أنصار الذاتية الراديكالي لم يعودوا راضين عن تعريف البشر بأنهم “أسياد” أجسادهم. بل يحاولون اعتبار الإنسان كوسيلة (measure).

لهذا السبب يحاولون فك شفرة الجينوم، ولماذا يحاولون تحسين الحمض النووي. لماذا يعاملون البشر كوسيلة إجرائية. هذا هو الطب الحديث واللقاحات الحديثة والتكنولوجيا الحديثة وما إلى ذلك. وهذه هي النقطة الأساسية – أن الإنسان هو نوع من الوسيلة، وليس هو الوسيلة المثالي. وكانت النقطة الرئيسية لهذا المؤتمر أن “الذات الراديكالية” هي بالضبط الفكرة التي لا يمكننا استيعابها والدفاع عنها إذا قبلنا بالطريقة التي تم فهمها وتقديمها بها، في العصر الحديث والفلسفة الحديثة.

لقد كانت بالفعل ذات مشوهة، وذات غير كافيةٍ. وتم قطعها من جذرها، وحفظها كـ”ذات هامشية الثانوية”، وبالتالي فنحن بحاجة إلى استعادة هذه الذات – وإلي إعادتها إلى جذوره. حيث لم تكن في الداخل، ولا حتى في العالم الداخلي – والذي هو أقرب للسمو الداخلي، لكي نتمكن من إنقاذ الذات التي تم التخلي عنها وتدميرها تمامًا. ولذلك أمر مهم للغاية نسينا.

حين نسينا أحد أجزاء هذا الطريق إلي داخل وزاتنا، لتدرك ما هو “داخلي” حتى يمكننا العودة إلى هذه الذات الراديكالي أو استعادتها. فما هو داخلي أو “جواني” homo intimus باللاتينية. نحن نعتبر العقل شيئًا اعتبره أرسطو ذكاءًا سلبيًا. بينما نسينا أن عقولنا نشطة حين اتبعنا التقاليد الفلسفية للعصور الوسطى.

فكرتي – وهذا هو المهم: نحتاج إلى العودة إلى هذا الذات الراديكالي أو استعادته. فإن هذا العقل النشط من أجل حربه الجذرية ضد كل أولئك الذين يتحدون كل الذوات. وفي رأيي، لإننا لن نتمكن من الدفاع عن الذات غير الراديكالية وحفظها، والتي لا تزال موجودة، دون استعادة الذات الراديكالية التي اختفت منذ قرون عديدة من ميادين الفلسفة. ولذلك، فإن إعادة اكتشاف العقل النشط داخل أرواحنا وداخل قلبنا يشبه إلى حد كبير إعادة اكتشاف الروح المطلقة عند هيجل وشيلينج، أو عند فيشت، في “الذات المطلقة absolute I”.

أعتقد أن هذه هي الطريقة لفك الشفرة – من خلال الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، التي شوهتها الهيجلية اليسارية والماركسية وبعض التطبيقات الأخرى لها. إننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف كرامة الفلسفة على هذا النحو مع هايدجر، في المقام الأول، ومع الفلاسفة الألمان الآخرين أيضاً. كما يجب أن نعيد اكتشاف أرسطو باستخدام المنهجية الظاهرتية phenomenological. وأيضاً نحن بحاجة إلى إعادة تقييم الحداثة في الفلسفة كمرحلة لضياع هذه الذات الراديكالي، بدءًا من إلحاق هذا النموذج بصورة القديس أوغسطين، أو ديتريش فون فرايبرغ، أو الفلاسفة مثل Tauler ، Meister Suso أو von Eckardt، وبالإضافة إلى Paracelsus و Jakob Böhme.

وكما كان لدى كل منهم فهم واضح لهذه الذات المتطرفة وخبرتها، فأنا أعتقد أن هذا ليس مجرد فرع خاص من الفلسفة، وليس شيئًا تعسفيًا. إنها في الوسط، وإنها الحتمية، كما إنها المشكلة الرئيسية. لذا، فإن القضية الرئيسية من أجل إنقاذ البشرية، هي إنقاذ الذات الراديكالي التي كانت لعدة مئات من السنين، منسية ومهمشة في الفلسفة.

فمن خلال رد الاعتبار للعقل النشط، يمكننا أن نكون مستعدين لخوض المعركة النهائية للفلسفة الشيئية والتقدمية. لذلك، يجب أن تكون الفلسفة هي السلاح النظري الرئيسي للترامبيين في الصحوة الكبرى. وفي الفلسفة الألمانية والفلسفة اليونانية والفلسفة الغربية التقليدية – إنهم [الترامبيون] يقاتلون من أجل الغرب، كما يقاتلون أيضا من أجل الثقافة الهندية الأوروبية. ولذلك، يجب أن يعرفوا مبادئ ذلك. فضلا عن أن يخسروا القتال منذ البداية. لذا، أنا أعتقد أنه بدون هذه الطبقة من الذات الراديكالية، لا يمكننا أن نحلم بالنصر.

 

الهوامش:

[1] العقيدة القائلة بأن المسلمات أو الأفكار العامة هي مجرد أسماء دون أي واقع مقابل. فقط كائنات معينة موجودة ، والخصائص والأرقام والمجموعات هي مجرد سمات لطريقة النظر في الأشياء الموجودة. مهم في الفكر المدرسي في العصور الوسطى ، ترتبط الاسمية بشكل خاص بـ William of Occam.

[2] أليستر كرولي ، واسمه الأصلي إدوارد ألكسندر كراولي، من مواليد 12 أكتوبر 1875، من رويال ليمنجتون سبا، إنجلترا – توفي في 1 ديسمبر 1947، هاستينغز)، وهو ساحر ومنجم وكاتب ومتسلق الجبال، وكان ممارسًا لـ “ماجيك “magick” ” كما كان يكتبها بهذا النطق، وأطلق على نفسه اسم (الوحش 666). كان لديه عدد قليل من الأتباع، لكنه أصبح شخصية دينية بعد وفاته. كان كارها للمسيحية منذ صغره. أسس ديانة “ثيليما Thelema”، وعرف نفسه على أنه النبي المكلف بإرشاد البشرية إلى حورس.

[3] القداس الأسود  black mass هو احتفال يتم تنظيمه عادةً من قبل مجموعات عبادة الشيطان المختلفة. وكان موجودا منذ قرون بأشكال مختلفة، وإن كان يستند مباشرة إلى طقوس كاثوليكي.

[4] أنطون سزاندور لافي Anton Szandor LaVey مؤلف وموسيقي وعالم تنجيم أمريكي. وهو مؤسس كنيسة الشيطان ودين الشيطانية. قام بتأليف العديد من الكتب، بما في ذلك الكتاب المقدس الشيطاني، والطقوس الشيطانية، والساحرة الشيطانية، ومفكرة الشيطان، والشيطان يتكلم!

عن تامر نادي

شاهد أيضاً

في التمييز بين الاشتراكية العلمية والطوباوية

في التمييز بين الاشتراكية العلمية والطوباوية

في التمييز بين الاشتراكية “العلمية” و”الطوباوية” إلى أي مدى يُبرر الماركسيون التمييز بين الاشتراكية “العلمية” …

تعليق واحد

  1. شكرا للموضوع و للترجمة المتقنة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *