الرئيسية / النظرية السياسية / فكر وفلسفة سياسية / هل اختزل مكيافيلي السياسة في القوة؟
هل اختزل مكيافيلي السياسة في القوة؟ arabprf.com عرب برف سياسة
هل اختزل مكيافيلي السياسة في القوة؟ arabprf.com عرب برف سياسة

هل اختزل مكيافيلي السياسة في القوة؟

هل اختزل مكيافيلي السياسة في القوة؟

ترجمة :تامر نادي

نستعرض في هذا الورقة كيف قلص مكيافيلي السياسة كمفهوم شامل له العديد من المظاهر إلى مفهوم القوة الذى كان جزء من أجزائها. ولتوضيح تلك الإشكالية من المهم تحديد معنى “القوة”، لأن “القوة” مفهوم فضفاض فلسفيًا.

ولكي نفهم “القوة power” كمفهوم فلسفي، نحتاج إلى فصل مفومي (القوة power) بمعنى القوة force عن (القوة power) بمعنى السلطة authority، واللذان غالبا ما يستخدمان بمعنى أو مترادفان لـ”القوة power” في كثير من الكتابات ما بعد مكيافيلي والتي سارت على نهجه.

ومن خلال التمييز بين بمفهوم “القوة power” بمعنى “القوة force” وكيف تختلف عن “القوة power” بمعنى السلطة authority، يصبح من الممكن مناقشة ما إذا كان مكيافيلي يقلل من السياسة وأختزلها في معنى القوة. بهذا التمييز الواضح بين مفهومي القوة والسلطة، يمكننا من السؤال هل بالفعل قلل مكيافيلي مضامين السياسة واختصرها في القوة، حين يساوي بين القوة والسلطة؟ أم أن مكيافيلي يجعل السياسة ترتكز على السلطة.

يمكن القول إن هناك العديد من المنظرين من أمثال “سكينر” الذي حاولوا إعادة تكييف أفكار مكيافيلي وإعادة بناء مقولاته كمدافع عن الحرية، وإن مكيافيلي لا يضع القوة والسياسة فوق السلطة. بدلاً من ذلك، يؤكد أن مكيافيلي قال بوجوب استخدام القوة لغرض “الصالح العام”. وبالتي تسمح الضرورة السياسية عند مكيافيلي بالتوغل على الحرية واستخدام القوة، بدلاً من السلطة. على النقيض من ذلك يؤكد “جوزيف فيميا” على الآثار المترتبة على ما وصفه بـ”العنصر المظلم والسلطوي والعسكري في كتابات مكيافيلي”.

ورغم أن “باربرا جودوين” تؤكد أن محاولة التمييز الحادة بين القوة والسلطة “محكوم عليها بالفشل في النهاية”. ومع ذلك، فهي تري أن “محاولة التمييز بين القوة والسلطة قام بها العديد من الفلاسفة، الذين يرون بوجوب الفاصل بين الاثنين”. لذلك، ورغم تأكيدها على أن “فصل الحدود” بينهما غير ممكن بالدقة المطلوبة، إلا أنها تفصل بين الاثنين. وتقول بأن القوة power “هي القدرة على جعل شخص ما يتصرف بطريقة لا يختارها، إذا تُرك له حرية الاختيار”. وهذا قد يحدث بعدة طرق، بما في ذلك التهديد والعنف، ولكن أيضًا يمكن أن يقع من خلال الإقناع والدعاية والإعلان. ولذلك، تقول جودوين: إن السلطة لها أساس في القانون؛ تتمتع الحكومة بالسلطة إذا كانت تتمتع بصلاحية قانونية.

وبالتالي، عملية التمييز الحادة بين القوة والسلطة قد تكون غير ممكنة، وقد يكون من الأفضل التمييز بين المفهومين على مقياس متدرج، تكون فيه “القوة غير شرعية illegitimate power” في جانب، وتكون “السلطة الشرعية legitimate authority” على الجانب الآخر، مع وجود الكثير من المستويات بينهما.

 

القوة غير شرعية illegitimate power” <_ـــ_ـــــــــــــــــــ_ــــــ_> “السلطة الشرعية legitimate authority”

 

انطلاقا من هذه القاعدة في التمييز بين السلطة والقوة، نحاول فهم ما إذا كان مكيافيلي يقول بأن السياسة يجب أن تستند إلى السلطة أو ما إذا كان يمكن اختزالها للحفاظ على القوة؟

لذلك ، في محاولتها لتلخيص “رسم الحدود الفاصلة” بين السلطة والقوة، تقول جودوين بإن الفرد “يذعن للسلطة … لكنه يستسلم للقوة” (defers to authority… [but] yields to power). ومن هنا يمكننا افتراض إنه وإن ذهب مكيافيلي إلي اختزل مفهوم السياسة في مفهوم القوة بمعنها المادي “الإكراه” فقط (أي force=power)، فإن اهتمامه سينصب على كيفية إخضاع الناس للحكومة. بينما إذا ذهب إلى أن السياسة يجب أن تستند إلى القوة بمعنى السلطة (أي authority =power)، فسيكون اهتمامه هو أن يذعن الناس للحكومة، ويعترفون بشرعيتها القانونية.

تبتعد فلسفة مكيافيلي السياسية عن التفسير أحادي البعد، فهي أكثر تعقيداً. النظرة الأحادية تراه يتلاعب لخدمة “النفعية الذاتية”، ويروج للفساد الأخلاقي، ويبرر الاستبداد. على النقيض تلك النظر المكيافيلية أحادية البعد، والتي تشير ضمناً إلى أنه يختزل السياسة في الحفاظ على السلطة وتبرير الاستبداد، فإن مكيافيلي قد يدافع عن نوع معين من الحرية. رغم أن مفهوم الحرية عنده يدور حول حرية الدولة أو حرية الحكومة. فتجده يجادل بأن لكي يكون الناس أحرارًا، يجب أن يعيشوا في دولة حرة – دولة خالية من العبودية الخارجية.

يعطي مفهوم الحرية المكيافيلية الأولوية للدولة في العلاقة بين الفرد والدولة: “ليس رفاهية الأفراد هو ما يجعل المدن عظيمة، بل رفاهية المجتمع”. فالفرد، بالنسبة لمكيافيلي، ليس هو المهم، بل المجتمع أو الدولة. لذلك، يُجِب على الفرد أن يستسلم لإرادة الدولة من أجل حرية ورفاهية “الصالح العام”.

ويؤكد سكينر في تفسيره لفكر مكيافيلي على أهمية الدولة الحرة. وبشكل حاسم، يؤكد على جدية استعارة مفهوم “الجسد السياسي” من الفكر الروماني الجديد neo-roman، والذي يعنى عند مكيافيلي عدم استطاعة تصور فرد حر بدون دولة حرة. والدولة الحرة عند مكيافيلي هي التي “لا تخضع لأي نوع من العبودية الخارجية”. ويفسر “سكينر” ذلك من خلال ربطه بمفهوم الجسد السياسي، حيث: “كما أن الأجسام البشرية الفردية حرة … فقط إذا كانت قادرة على التصرف أو التملص من التصرف حسب الرغبة، وبالتالي فإن هيئات الدول والدول حرة بالمثل … فقط إذا كانوا غير مقيدين بالمثل من استخدام سلطاتهم وفقًا لإرادتهم”.

هذا التفسير من “سكينر” يعني أن الدولة تكون حرة فقط، عندما تتبع الإرادة الجماعية للشعب، وبالتالي، فإن الحرية تساوي الحكم الذاتي، لذلك يتعرف الدولة الحرة بأنها “مجتمع مستقل عن أي سلطة باستثناء سلطة المجتمع نفسه”.

وهذا يفسر دفاع مكيافيلي القوي عن الدولة الحرة، بحجة أن “التاريخ يكشف الضرر الذي ألحقته العبودية بالناس والمدن … لأنها لم تضف لهم لا سيادة ولا ثروة، إلا إذا كانوا مستقلين”. ومفاد ذلك عند مكيافيلي هو الخوف الدائم من أن الحرية هشة، وأن الحرية يمكن أن تخضع للغزو الخارجي أو الاستبداد الداخلي.

بينما يؤكد سكينر أن الإكراه الصريح ليس ضروريًا للدولة لتكون في حالة من العبودية: إذا كان الحفاظ على الحرية المدنية يعتمد على النية الحسنة للسلطة التعسفية arbitrary power، فإن الفرد يعيش بالفعل كعبيد.

هذه نتيجة منطقية لتفسير مكيافيلي للطبيعة البشرية القائمة على “العدوانية، وانتهازية”، والذي مفاده أن “الناس لا تدع للصالح العام، بمعنى الحفاظ على حرية الدولة”. حيث يري مكيافيلي بأن البشر: لديهم دوافع ذاتية عدوانية – “الرجال لا يفعلون الخير أبدًا ما لم تدفعهم الضرورة” – وأن “الأمن الإنساني مستحيل ما لم يقترن بالقوة (بمعنى سلطة)؛ فالبشر متقلبون وغير جدير بالثقة – “لن يفوا بوعودهم”؛ وهم أيضا جبناء – “عندما تحتاج الدولة إلى مواطنيها، تجد القليل فقط”. هذه الصفات هي عائق لدولة تحاول الحفاظ على قدرتها على تفعيل الإرادة الجماعية دون قيود. لذلك، تتطلب الحرية عند مكيافيلي التغلب على الميول الأنانية للرجال، حتى يكونوا مؤهلين لحكم أنفسهم، وهذا يتضمن الانخراط في الأنشطة التي تؤدي إلى “الازدهار البشري”. بالنظر إلى أن السعي وراء “الصالح العام” يتعارض ذلك مع الميول الطبيعية للرجل، والذي ينظر إليه مكيافيلي على أنه ينطوي على الاستسلام لسلطة الدولة.

يصف المصطلح البليغ لسكينر “ازدهار البشر “human flourishing”” الحاجة إلى إضفاء شعور بالفضيلة المدنية على كل مواطن، والتي هي في الأساس روح عامة، حيث يكرس الفرد قدرًا كبيرًا من الوقت والطاقة للمشاركة في شؤون الدولة، واليقظة للحفاظ على حريتها.

ويري سكينر بأن “الفضيلة المدنية civic virtue”– بمعنى تكريس المواطنين للرفاهية المشتركة لمجتمعهم حتى على حساب مصالحهم الفردية- تتطلب وضع “مصلحة المجتمع فوق كل المصالح الخاصة والاعتبارات الأخلاقية العادية”.

تستند الفلسفة السياسية لمكيافيلي على إعطاء المجال العام قيمة أكبر، مما ينتج عنه موقف رافض تجاه المجال الخاص. وبالتالي، فإن مواطني الدولة مطالبون بالاستسلام لسلطة الدولة والتخلي عن حريتهم الفردية، إذ يُنظر إليها على أنها مُتَضَمَّنة في “الصالح العام”.

لذلك تجد مكيافيلي يثني على روما، حيث تم تكريم أولئك الذين عملوا لصالح المجال العام، ولكن أولئك الذين يعملون من خلال موارد خاصة تمت إدانتهم ومحاكمتهم. يقول مكيافيلي بأن الشعور بالواجب تجاه المجتمع، والذي يستلزم التضحية بشرعية المجال الخاص، لا يقيد الحرية، بل يحافظ عليها، لأن الفضيلة المدنية ضرورية لضمان عدم تقييد الدولة من التصرف بناءً على إرادتها. ويحاول أن ينتزع من التاريخ القديم ما يؤيد فكرته: “لقد تمردوا لأنه عندما يعني السلام العبودية، فإنه الرجال الأحرار لن يُفضلوا أي شيء سوى الحرب”، لقول ذلك ليبرر عقيدته عن الروح العامة public-spiritedness [روح الجمهورية]، وتعزيزه لرفاهية المجتمع.

يروج مكيافيلي لقيم الجمهورية والحرية الجمهورية، والتي تستلزم الحاجة إلى حماية الدولة من الاستبداد الداخلي، من خلال المواطنين الناشطين واليقظين والمشاركة في الإدارة اليومية للمجتمع لضمان عدم خضوع الدولة لـ”نزوات أقلية – caprices”؛ وبدلاً من ذلك، يسعى المجتمع إلى المصلحة العامة.

ينتقد مكيافيلي عواقب ما يسميه “الاستبداد الداخلي” بالإشارة التجريبية إلى العظمة التي حققتها أثينا، التي “تحررت من استبداد بيسستراتوس … والعظمة التي حققتها روما بعد تحرير نفسها من ملوكها”. وهكذا، يمكن قراءة مكيافيلي كمدافع عن الحرية من خلال الاستشهاد باعتقاده بأن الصراع بين النبلاء والعوام كان السبب الأساسي الذي جعل روما تحافظ على حريتها، وتأكيده على أن مصالح الملك عادة ما تكون ضارة بـ”المدينة” (أي الدولة).

يوضح هذا التفسير أن مكيافيلي لا يختزل السياسة بصورة كاملة إلي استخدام القوة power بمعنى القوة force. بدلاً من ذلك، يقول بأن السياسة تقوم على أمر من حكومة جيدة التنظيم. ومع ذلك، بالنسبة لمكيافيلي، فإن الحكومة الجيدة التنظيم والسلطة السياسية authority ليستا مترادفتين بالضرورة، لأنه يري أن النظام السياسي قد يتطلب استخدام القوة force وممارسة القوة power من قبل زعيم قوي.

كتابات مكيافيلي مليئة بالإشارات إلى حبه للقيادة القوية على سبيل المثال “كانت الديكتاتورية مفيدة دائمًا في روما”، أو دفاعه عن “قسوة” الأمير لإبقاء رعاياه موحدين ومخلصين، لأن الرجال بائسون وسيواصلون مصلحتهم الخاصة، ما لم يخشوا العقاب. من الواضح أن هناك عناصر من كتابات مكيافيلي تدعم فكرة الدولة الحرة ومفهوم معين للحرية.

على سبيل المثال، يجادل بأن “التجربة تُظهر أن المدن لم تزد أبدًا في السيادة أو الثروات إلا عندما كانت حرة”. يسمح هذا لسكينر بإظهار ميكافيللي كمدافع عن الحرية، بالقول إن “ما يفكر فيه مكيافيلي بشكل أساسي في التركيز كثيرًا على الحرية هو أن المدينة المصممة على العظمة يجب أن تظل خالية من جميع أشكال العبودية السياسية”. وقد تشير قراءة سكينر لمكيافيلي إلى أن مكيافيلي لم يختزل السياسة إلى القوة force. بدلاً من ذلك، قال مكيافيلي بأن السياسة تقوم السلطة السياسية political authority. ومع ذلك ، فإن إعادة تفسير مكيافيلي من قبل سكينر تتجاهل عددًا من المقاطع في كتابات مكيافيلي التي تُظهر أنه كان مستعدًا بوضوح للسماح باستخدام القوة دون ربطها بالسلطة.

ترى “فيميا” أن مكيافيلي لم يكن مدافعًا عن الحرية، ولم يضع السلطة في قلب السياسة. فهي تستنتج أن الفكر السياسي لمكيافيللي يمكن تمييزه بالاعتقاد بأنه “لا يمكننا رسم خط فاصل بين الفضيلة الأخلاقية والرذيلة الأخلاقية: غالبًا ما يغير الشيئين مكانهما، عادل كريه وكريه عادل” Fair is foul and foul is fair.

بالنسبة لمكيافيلي، فإن الدولة هي المهمة، ويمكن أن تخضع حرية الفرد للقوة والسطوة من أجل أن تسود مصلحة المدينة. وبالتالي يقضي مكيافيلي على المجال الخاص، ما يسمح بمقارنة بين مفهوم مكيافيلي للحرية وعند الفاشيين الذين يجادلون أيضًا بأن “الحرية تأتي من خلال المشاركة في كل عظيم … [وليس] لا علاقة لها بالحد من استقلالية الدولة”. ولذلك، يتمثل الشاغل الأساسي لمكيافيلي في الحفاظ على النظام السياسي، ويبدو أن نصيحته في كتاب الأمير غالبًا ما تتعلق بالحفاظ على السلطة power أكثر من إقامة السلطة authority. وفي بعض الأماكن، كانت نصيحة مكيافيلي قاسية، ويبدو أنها تشجع بشكل لا لبس فيه على ممارسة القوة force لأغراض الحفاظ على السلطة power.

ولا يبدي مكيافيلي أي اعتبار للحريات الفردية، ويسمح للدولة بالدوس على مواطنيها عندما تكون القوة ضرورية، بحجة أنه “يجب ملاحظة أنه يجب على المرء إما تدليل الرجال أو التخلص منهم، لأنهم سينتقمون لأنفسهم من الجرائم البسيطة بينما بالنسبة للجرائم أكثر شدة لا يمكنهم ذلك”.

هذه الملاحظة الوحشية والساخرة هي مثال على واقعية مكيافيلي. مثل هذه الملاحظات الواقعية الساخرة لا تثبت، في حد ذاتها، أن مكيافيلي يختزل السياسة إلى القوة فقط؛ بل يظهر لا كملاحظ جيد مكيافيلي للسياسة بدقة، ولكنه عارف بجزء مهم من الحكمة حول الطبيعة البشرية.

ومع ذلك، لا يبدو أن هذا هو دافع مكيافيلي فقط. إنه لا يكتفي بمراقبة الواقعية الوحشية، ولكن يبدو أنه يدافع عن تطبيقها. فيؤكد أنه (فمن ناحية، لا يمكن أن تكون آلام هؤلاء الحكام، وهم مشتتون وبؤساء، أن تشكل تهديدًا لهم أبداً، ويبقى الآخرون سالمين… من ناحية أخرى يخافون من ارتكاب خطأ ما، خوفًا من أن يحدث لهم ما حدث لأولئك الذين جردوا من ممتلكاتهم”. الكلمة المهمة هنا هي “الخوف”. فالناس يخافون الحاكم فيطيعون. هذا لا يعني أن الحاكم هو الذي يحكم بالسلطة؛ بدلاً من ذلك، فإن ذلك المعنى الضمني هو أن الحاكم يمتلك السلطة بالقوة.

على الرغم من الأساليب القاسية والوحشية والساخرة التي يبدو أن مكيافيلي يدعو إليها، فمن المهم عدم إساءة قراءة مكيافيلي كشخص يدعو إلى القسوة والعنف من أجل السلطة فقط. بل يهتم مكيافيلي بـ “الصالح العام”، وبالتالي فهو يجادل بأن ممارسة القوة – القوة الغاشمة – لا يمكن تبريرها إلا إذا تم ممارستها في السعي لتحقيق “الصالح العام”. أو، ببساطة أكثر، “الغايات تبرر الوسيلة”. وبذلك، فإن مكيافيلي لا يدعو إلى القوة الغاشمة في حد ذاتها؛ بدلاً من ذلك، يقول بأنه إذا كانت الغايات “جيدة”، فإن استخدام القوة يكون مبررًا.

هذا التعتيم على الصالح العام واستخدام القوة للترويج للصالح، يتجلى عندما يجادل بأن “الأمير يجب ألا يقلق بشأن لوم القسوة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على رعاياه موحدين ومخلصين؛ لأنه مع وجود أمثلة قليلة جدًا على القسوة، سيكون أكثر تعاطفًا من أولئك الذين، بدافع الرحمة المفرطة، يسمحون باستمرار الاضطرابات… لأن هؤلاء عادة ما يضرون بالمجتمع ككل”. وهذا يفضح التناقض في فكر مكيافيلي، حيث يبرر القسوة بالغايات. وتصبح المشكلة هي أن قلق مكيافيلي الأولي يتعلق بالتمسك بالسلطة لمنع العصيان والفوضى. ومن الممكن أن تتحول هذه الممارسة للقوة وتصبح سلطة؛ لكن السياسة في المقام الأول تدور حول الحفاظ على السلطة.

كتب مكيافيلي ذلك في بداية عصر النهضة. وبالتالي، فإن التمايز بين القوة والسلطة الذي ناقشته جودوين لم يصبح جزءًا من الفلسفة السياسية في حينها. لذلك، فإن القول بأن مكيافيلي لم يسع للحصول على سلطة سياسية، ولكن للقوة، سيكون تمثيلًا خاطئًا، حيث لم تكن هذه المفاهيم متاحة له. ومع ذلك، عند مكيافيلي، تهيمن الضرورة السياسية، وفي سياق واقعي، يسمح بالتوغل على الحرية واستخدام القوة وحتى القسوة للاستيلاء على السلطة. في النهاية، يسعى للحصول على السلطة من أجل الصالح العام، وهذا يبرر أي طريقة تستخدم للتمسك بالسلطة.

إن مكيافيلي لا يختزل السياسة إلى القوة ببساطة، حيث يتم استخدام القوة للسعي وراء الصالح العام. ومع ذلك، فإن مكيافيلي لا يهتم بالمواطن الفرد، لأنه لا يفرق بين المجالين العام والخاص. بل إنه لا يهتم بالحرية الفردية وحقوق الأفراد: عندما “قد يكون الشخص الخاص هو الخاسر… هناك الكثير ممن يستفيدون من ذلك، بحيث يمكن تحقيق الصالح العام على الرغم من أولئك القلائل الذين يعانون نتيجة لذلك”.

في النهاية.. بدون فصل واضح بين العام والخاص، وبين السلطة الشرعية والسلطة غير الشرعية، يمكن أن يصبح الصالح العام هو الإرادة التعسفية للحاكم. وهذه الإرادة التعسفية للحاكم – حتى لو كان يسعى إلى تعزيز الصالح العام – تترك السياسة مفتوحة للغاية لاستخدام القوة للحفاظ على السلطة باسم الصالح العام. إن فكرة استخدام القوة للاحتفاظ بالسلطة تختلف تمامًا عن استخدام القوة من قبل حكومة تحكم من خلال السلطة، في ظل سيادة القانون.

 

المراجع:

Femia, J (2004) “Machiavelli and Italian Fascism”, History of Political Thought, Volume 25, Issue 1, pp. 1-15

Goodwin, B (1997) Using Political Ideas (4th edition), John Wiley & Sons, Chichester

Machiavelli, N (1984) The Prince (Edited, Introduced and Translated by P Bondanella and M Musa) Oxford University Press, Oxford

Machiavelli, N (1998) The Discourses (Edited, Introduced, Revised and Translated by B Crick, L Walker and B Richardson) Penguin Classics, London

Skinner, Q (1981) Machiavelli, Oxford University Press, Oxford

Skinner, Q (1990) “The republican ideal of political liberty” in Bock, G & Skinner, Q & Viroli, M (editors) Machiavelli and Republicanism, Cambridge University Press, Cambridge, pp. 293-310

Skinner, Q (1998) Liberty Before Liberalism, Cambridge University Press, Cambridge

عن تامر نادي

شاهد أيضاً

نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبيرة والصحوة العظمي

نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبرى والصحوة العظمى

نحو نهاية الرأسمالية العالمية: بين إعادة الضبط الكبرى والصحوة العظمى الكسندر دوجين ترجمة: تامر نادي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *