الرئيسية / النظرية السياسية / فكر وفلسفة سياسية / الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم
الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم
الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

 

د. صبري محمد خليل

أستاذ فلسفه القيم الإسلامية في جامعه الخرطوم

 

ظاهرة الإساءة إلي الإسلام في الغرب:

ترجع ظاهرة الإساءة إلي الإسلام، ورموزه الدينية والحضارية في الغرب، إلى العصور الوسطى وما صاحبها من احتكاك الغرب بالمجتمعات المسلمة، خلال الحروب الصليبية وما تلاها، ولم تتوقف في العصور الحديثة والمعاصرة.

أولا: الدوافع:

قد تعددت الدوافع وراء نشر هذه الأعمال المسيئة للإسلام ورموزه، بتعدد الجهات التي قامت بنشرها:

1 دوافع سياسية:

أ- الصهيونية: من أشكالها قيام المنظمة الصهيونية – التي تتحكم إلى حد كبير في قطاع مؤثر من الإعلام الغربي- بنشر بعض هذه الأعمال بهدف تشويه صورة العرب والمسلمين، لضمان عدم تعاطف الشعوب الغربية مع الحقوق العربية الإسلامية في فلسطين، وضمان عدم إدانة هذه الشعوب لما تقوم به من قمع وحشي للشعب الفلسطيني وسلب لحقوقه.

ب– الحكومات الغربية: ومن أشكالها أيضا قيام بعض الحكومات الغربية بتسليط الضوء على هذه الأعمال، بهدف صرف أنظار الشعوب العربية والمسلمة عن قرارات أو أحداث معينه، تفترض أنها قد تلقى معارضة منهم، لأنها ضد مصلحة هذه الشعوب.

 

2– دوافع عنصرية:

أ- اليمين المتطرف: ومن أشكالها قيام بعض الحركات اليمينية المتطرفة بكتابة ونشر بعض هذه الأعمال كجزء من نظرتها العنصرية لكل ما هو غير أوروبي أو غربي.

ب- التغريب: ومن أشكالها محاولة بعض الجهات اتخاذ هذه الأعمال المسيئة كوسيلة دعائية، تهدف إلى نقض الحضارة الإسلامية بوصم الإسلام ورموزه الدينية والحضارية بالتخلف الحضاري، وبالتالي فإن ربط التقدم الحضاري بإبدال مفاهيم وقيم وقواعد الإسلام بالمفاهيم والقيم والقواعد الغربية.

 

3 دوافع شخصية:

أ- تحقيق الشهرة: ومن أشكالها محاولة بعض الأشخاص “الخالين من الموهبة” تحقيق الشهرة عن طريق التعرض للشخصيات التي أحدث أثرًا كبيرًا في التاريخ الإنساني.

ب- مظهر للاستلاب الحضاري: ومن أشكالها محاولة بعض المستلبين حضاريا تقديم إقرار للغرب بانسلاخهم من الإسلام دينا وحضارة، كبرهان على عمق انتمائهم إلى الحضارة الغربية.

 

ثانيا: آليات الظاهرة:

وتعمل ظاهره الإساءة إلي الإسلام ورموزه الدينية والحضارية من خلال العديد من الآليات، ومن أهمها:

أ- الخلط بين الإسلام والمسلمين: أي اعتبار أن بعض الظواهر السالبة التي تسود في المجتمعات المسلمة مصدرها الدين الإسلامي ذاته، وليست محصلة عوامل تاريخية سياسية واجتماعية واقتصادية متفاعلة (ومن ضمن هذه العوامل الاستعمار الغربي القديم والجديد).

ب- التعميم: أي اعتبار أن بعض الممارسات السالبة التي يقوم بها بعض المسلمين، هي سلوك يقوم به جميع المسلمين.

 

ثالثا: الأسس النظرية:

تستند ظاهرة الإساءة إلي الإسلام وتستفيد من العديد من الأسس النظرية التي ترجع جذورها إلى الليبرالية كفلسفة ومنهج ونظريه ومن هذه الأسس النظرية:

أ- المفهوم الليبرالي للفن ومشكلة الشكل والمضمون:

فالمفهوم الليبرالي للفن، يرفض أن تكون أدوات تعبير المبدع مستمدة من أو مطابقة للواقع، وبالتالي يرفض أن تكون متسقة مع القيم الأخلاقية والدينية. فهو لا يميز بين المضمون والشكل: –

** المضمون: أي الأفكار التي يريد أن يثيرها الإبداع الجمالي، والتي يقال لها محرك العمل الفني، وهي مستمده من أو مطابقة للواقع، وبالتالي يجب أن تكون متسقة مع القيم الأخلاقية والدينية.

** الشكل: أي الأفكار التي يصوغها الإبداع الجمالي في العمل الفني، وهي تشكيل خيالي غير قابل للوجود أصلا، فالإبداع الجمالي على هذا الوجه لا يمكن أن يتطابق مع الواقع، وبالتالي لا يمكن أن يكون تعبير مباشر عن القيم الأخلاقية والدينية، وإن كان من الممكن أن تكون تعبيرا غير مباشر عن هذه القيم، باعتبار أن الأفكار التي يستند إليها الإبداع الجمالي هنا هي معادل موضوعي للنوع الأول من الأفكار.

ب- المفهوم الليبرالي للحرية والتصور السلبي لحرية التعبير:

المفهوم الليبرالي للحرية وحرية التعبير يستند إلى فكرة القانون الطبيعي، التي مضمونها (أن مصلحة المجتمع ككل تتحقق حتماً من خلال عمل كل فرد فيه على تحقيق مصلحته الخاصة).

ب-1- التركيز على الجانب السلبى للحرية: طبقا لها فإن المفهوم الليبرالي ركز على الجانب السلبي للحرية “كيفيه التحرر”، وتجاهل الجانب الإيجابي للحرية “ماذا نفعل بالحرية وما هي ضوابطها” هذا التركيز على الجانب السلبي للحرية أدى إلي الخلط بين حرية التعبير وحرية الإساءة إلى معتقدات الآخرين. ولن يتحرر الغرب من هذا الخلط إلا من خلال عدم تجاهله للجانب الايجابي للحرية والذي به تتحول الحرية من المقدرة على الفوضى، إلى المقدرة على التطور المادي والروحي للإنسان، أي المقدرة على إشباع الحاجات المادية والروحية للإنسان وحل مشاكلة المادية والمعنوية والروحية المتجددة زماناً ومكاناً.

ب- 2- الحرية في المجتمعات الليبرالية غبر مطلقة: يجب الإشارة إلى نقطة مهمة هي أنه طبقا للمفهوم الليبرالي للحرية فإن الدولة في الغرب تقف موقفا سلبيا من الحريات الفردية، اتكالاً على أن ثمة قانون طبيعي بنظم تلك الحريات، ويحملها على وجه يجعلها تؤدى وظيفتها الاجتماعية تلقائيا، لكن هذا لا يعنى أن الحرية في المفهوم الليبرالي والمجتمعات الغربية هي حرية مطلقه – كما يحب أن يوحى إلينا بعض الكتاب الغربيين والليبراليين العرب- إذ لا يمكن أن يوجد مجتمع بدون نظام قانوني، ولا يوجد نظام قانوني بغير حدود “قانونيه”، تسمى في علم القانون قواعد النظام العام، لأنها الحل الوحيد للتناقض الدائم بين وحدة المجتمع وتعدد الناس فيه، وهى مجموعة من القواعد لها خصائص قواعد النظام الأخرى (عامة – مجردة – ملزمة)، إنما تتميز بأنها غير مباح مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها، وبالتالي تصلح مميزا للنظام عن غيره، ويحمل أي نظام اسم مصدره الفكري أو العقائدي (نظام ليبرالي أو ماركسي أو إسلامي أو …إلخ)، بمعنى أن تلك المذاهب أو العقائد هي مصدر تلك القواعد – الحدود. ومثالها في الليبرالية الحرية الفردية التي منحها للإنسان “القانون الطبيعي”، وتحريم تعدد الزوجات والعلمانية والديموقراطية والفردية.

 

رابعها مجالات الظاهرة:

أهم مجالات ظاهرة الإساءة إلي الإسلام ورموزه الدينية والحضارية فهي:

أ- الاتهام بالتخلف الحضاري: من هذه المجالات اتهام الإسلام بالتخلف الحضاري، وهو ما يتناقض مع حقيقة أن الإسلام ظهر في منطقه ساد فيها التخلف الحضاري بكل أشكاله، فانتقل بها في فتره وجيزة إلي التقدم الحضاري بكل أشكاله. كما يتجاهل هذا الاتهام حقيقة أنه نتيجة لعوامل داخلية (شيوع التقليد وقفل باب الاجتهاد، شيوع البدع، الاستبداد…) وخارجية (الغزو المغولي، الصليبي، الاستعمار، القديم والجديد) دخلت هذه المجتمعات في حالي من تخلف النمو الحضاري بكل أشكاله.

دحض هذا الاتهام على المستوى العملي يكون بالانتقال بالمجتمعات المسلمة مما هو كائن “تخلف النمو الحضاري بكافه أشكاله”، إلى ما ينبغي أن يكون “التقدم الحضاري بكافه أشكاله” وتحقيق التقدم الحضاري بالعمل على إلغاء المظاهر السلوكية والفكرية السلبية التي مصدرها تخلف النمو الحضاري لهذه المجتمعات والإسلام كدين منها براء (كالتعصب المذهبي والطائفية…)، لتبقى القيم الحضارية الإسلامية (كقيم الإنسانية، المساواة، الحرية، العدالة…) لتسهم إيجابياً في بناء مجتمعات مطهره منها، وإنتاج مظاهر سلوكية وفكرية إيجابية (كاحترام الإنسان من حيث هو إنسان، المواطنة…).

ب- الاتهام بالإرهاب:

من هذه المجالات الربط بين مفهومي الجهاد والإرهاب، ودحض هذا الاتهام لا يتحقق إلا من خلال تعريف مفهوم الإرهاب وبيان موقف الإسلام منه، ووجه الاختلاف بينه وبين مفهومي الجهاد والمقاومة.

 

خامسا: توصيف الظاهرة في القرآن والحفظ الإلهي للإسلام ورموزه:

تناول القرآن الكريم ظاهرة الإساءة إلي الإسلام ورموزه من نبوه وكتاب.. إلخ، فوثق لكثير من مظاهر الإساءة اللفظية والفعلية التي قام بها مشركي مكة إلي الرسول ( صلى الله عليه وسلم)، وتولى الرد علي كثير منها، فعلي سبيل المثال، كان أمية بن خلف بن وهب إذا رأى الرسول (صلى الله عليه وسلم) همزه ولمزه، فنزلت فيه الآيات (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ )، وعندما جمع الرسول ( صلى الله عليه وسلم) أهل مكة لدعوتهم إلي الإسلام قال له أبو لهب (تبا لك ألهذا جمعتنا)، فنزلت فيه الآيات (تبت يدا أبى لهب وتب)، كما قرر القرآن أن ظاهرة الإساءة إلي الدين ورموزه مستمرة عبر التاريخ كما في قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكلِّ نَبِيٍّ عَدوًّا مِنَ الْمجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)، وفي ذات الوقت قرر القرآن الكريم أن الله تعالى سيحفظ الإسلام دينه الخاتم ورموزه، فقد أشار القرآن إلي أن الله تعالى سيحفظ القرآن الكريم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، كما أشار إلي أن الله تعالى سيكفى رسوله (صلى الله عليه وسلم) المستهزئين (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ) (الحجر: 95).

 

سادسا: الغاية من الرد على ظاهرة الإساءة إلي الإسلام الدعوة وتصحيح التصورات الخاطئة:

بناءً على ما سبق فإن الغاية من الرد على الإساءة إلي الإسلام، ليس حفظ الإسلام ورموزه – فهذا الحفظ هو فعل إلهي وليس فعل بشرى- بل دعوة غير المسلمين للإسلام، والتي تتضمن بالضرورة الرد على هذه الإساءة، وما تتضمنه من تعمد تقديم تصورات مشوهه وخاطئة عن الإسلام ورموزه.

1- ضرورة الانتقال من التفعيل التلقائي إلي التفعيل القصدي “المنظم”:

إن تفسير ظاهرة الرد الشعبي – الجماهيري على ظاهرة الإساءة إلي الإسلام ورموزه، هو لأنه كلما تعرضت علاقة الانتماء الإسلامية للشخصيات الحضارية العامة للأمم والشعوب المسلمة إلي الاستفزاز، جاء الرد تلبية لنداء الانتماء إلى الإسلام كدين وحضارة … وبناءً علي هذا فإنه لا يمكن اعتبارها ظاهرة سلبيه – كما يحاول أن يصور بعض دعاة التغريب – بل السلبي هو أن يتخذ هذا الرد الشعبي والجماهيري أساليب خاطئة.

وبالتالي فالمطلوب هو العمل ضمان أن تعبر هذه الظاهرة عن ذاتها بأسلوب صحيح. وهو ما يتحقق من خلال انتقال هذا الرد من التفعيل التلقائي: “الانفعالي-المؤقت”، إلي التفعيل القصدي “المستمر، المنظم، المؤسسي“، والذى يتضمن آليات متعددة، ومنها :-

** توظيف التقدم التقني في وسائل الاتصال والإعلام في التعريف بالإسلام ورموزه.

** الاهتمام بترجمة كل ما يتعلق بالإسلام دينا وحضارة وفكرًا إلي كافه اللغات الحية.

** استخدام الوسائل القانونية، والاستناد إلي القوانين التي تجرّم الإساءة إلي معتقدات الآخرين والعنصرية والكراهية في الغرب في الرد على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.

** استخدام كافه أدوات التعبير السلمية.

** مقاطعه الجهات ذات الصلة بنشر وترويج الأعمال المسيئة للإسلام ورموزه.

** الرد على الأعمال المسيئة بالحجة والبرهان وبالرجوع إلى النصوص الدينية.

** ضرورة الانتقال من رد الفعل الذاتي (العاطفي) إلي الفعل الموضوعي (الشرعي): الموقف أعلاه يمكن ترجمته إلى موقف شرعي مضمونه تحويل الرد على الإساءة إلي الإسلام ورموزه، من رد فعل ذاتي عاطفي منفلت من ضوابط الشرع، إلي فعل موضوعي مقيد بضوابط الشرع.

 

ب- الضوابط الشرعية التي يجب أن تقيد الرد على الإساءة إلي الإسلام ورموزه:

** عدم اللجوء للعدوان، وما يتضمن ذلك من استخدام وسائل التعبير السلمية ونبذ العنف ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِين﴾َ.

** عدم اللجوء إلى التخريب ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يصلّبوا أو تُقطع أيديهم﴾َ.

** عدم التعرض للمعاهدين والمستأمنين (وفى حكمهم البعثات الدبلوماسية والسياح والخبراء الأجانب)، روى البخاري (3166) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا)، قال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم).

** عدم الاكتفاء بالرد القولي على الإساءة إلي الإسلام، واستصحاب الرد العملي الفعلي المتمثل في الالتزام بمفاهيم وقيم وقواعد الدين.

** استخدام أسلوب الإعراض في بعض الحالات، كما في حالات الأعمال ذات المضمون التافهة أو الأعمال ذات الدوافع الشخصية كطلب الشهرة، وقد أشارت العديد من النصوص إلي هذا الأسلوب قال تعالى (واعرض عن الجاهلين)، وقال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) في الرد على هجاء بعض شعراء قريش للرسول (صلى الله عليه وسلم) (أميتوا الباطل بالسكوت عنه).

عن admin

شاهد أيضاً

المذهب الكلاسيكي للديمقراطية

المذهب الكلاسيكي للديمقراطية

المذهب الكلاسيكي للديمقراطية The Classical Doctrine of Democracy   إعداد: صفي الله ابراهيم   المذهب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *