الرئيسية / النظرية السياسية / فكر وفلسفة سياسية / إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي – محمد أركون نموذجاً
إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي - محمد أركون نموذجاً
إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي - محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي – محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي

ة الحداثية للتراثمحمد أركون نموذجاً

                  
م.د سامي محمود إبراهيم

م.د رائد أمير عبد الله

قسم الفلسفة ــ كلية الآداب – جامعة الموصل

 

المقدمــــــــــــــة:

 

في البداية من المفيد أن نوضح الخلفية ، ونحدد الإطار الذي نريد من خلاله تقديم إشكاليات الخطاب العلماني في قراءة التراث الإسلامي من قبل الحركات والاتجاهات العلمانية، إن مثل هذا المدخل يضع في اعتباره الإسلام المعاصر في المساحة المتوترة بين الأصالة فيما يتعلق بأمور الحياة والفقه الديني النابعة من الماضي ، والحداثة التي تحيل إلى الحاضر والمستقبل الذي لم يعد يجد المسلمون أنفسهم فيه كمحرك قوة ولذلك ليس بمقدورهم التحكم في تطور الفكر.

لقد تغير العالم في مطلع القرن الواحد والعشرين تغيرا يكاد يعيد تشكيل الخريطة الجغرافية والتاريخية والثقافية والروحية ، إن لم يكن قد أعاد تشكيلها بالفعل ، وهذا ما جعلنا نحس أحيانا أننا لأول مرة في التاريخ نعيش عالما جديدا بمثل هذه الجدة التي لا تعطي الإنسان فرصة للتفكير واتخاذ الموقف الملائم ، بل يغرقه بفيض من الأفكار تدفعه مضطرا للانسياق وراء ما يحدث ، وكأنه فقد قدرته على التحكم في توازنه. هذه التغيرات المتشكلة بقيم العولمة والحداثة وما بعدها طالت المسلمين في إعادة تشكيل وعيهم بمقومات العقيدة الإسلامية وتراثها. فمنذ أن جاء الإسلام وبزغت شمسه في ربوع العالمين ، وأعداؤه يحاربونه ويحاصرونه ويكيدون له وللمسلمين كل عداء ، ويتربصون به المكائد ، فقد هالهم ما جاء به الإسلام من تعاليم قيمة ، وما أرسى من مبادئ سامية ، مما سارع في انتشاره وعلو سلطانه ، وإقبال الناس عليه ، وقوة تمسكهم به ، فجن جنون خصومه ، فتواطئوا على حربه بكل ما يستطيعون ، وغلت بالحقد قلوبهم ، وهاجت بالحسد نفوسهم ، فأمعنوا في ذلك النظر ، وقلبوا في وجوه حرية الفكر تحت مسمى العولمة ، فخرجوا إلينا بـ(القراءات الجديدة أو المعاصرة للتراث الإسلامي بما في ذلك القران الكريم) التي تتدثر بمناهج لسانية وتاريخية وتفكيكية. يحاربون الإسلام من داخله بإثارة شكوك المسلمين بما يؤمنون به، يهدفون زعزعة الترابط في منظومة المجتمع الإسلامي برمته. يصفون أنفسهم بأنهم علماء مجتهدون متفرغون لتطوير المعرفة، ولا تخرج مقولاتهم عند كونها لوناً من ألوان السفسطة ، يدعون إلى العقلانية ويطالبون باتساع العقـل وحرية البحث حتى في القضايا الدينية الحساسة التي ترتبط بما هو مقدس ولا يمس (كالوحي والقرآن ). يشجعون الإبداع الفكري الذي يصل عندهم إلى حد القول بأن الاعتقـاد بأن الدين وهمٌ كبير. ومع كل هذا الانحراف يطالبون الآخــريــن بالتسامح معهم، والإقبال على مناظرتهم، وعدم الخلط بين العرض العلمي للقضايا ومواقـف العوام، والتقيد بما يفرضه البرهان العقلي. يتهمون ما يسمى (بالخطاب الإسلامي) بأنه خـطاب مليء بالنقائض. لا يجهلون الإسلام وإنما يصرون على تحليله في ضوء النصرانية الكنسية والقرون الوسطى التي ارتبطت في أذهان الـغــرب بالتصور المظلم والمرعب عن الدين. أفقهم المعرفي لا يخرج عن حدود الفكر الغربي والثقافة الأوروبية. يتزلفون للغربيين حتى القسس منهم على حساب دينهم؛ ولهذا يضيقون ذرعاً بمطالبة الإسلاميين بخصوصية إسلامية وأصالة عقلية وعلمية مطلقة جعلتهم في غنى عما أبدعته انحرافات الفكر الغربي والبحث العلمي خارج دائرة المعارف الإسلامية المتأصلة في القرآن والمنطلقة منه، فراحوا يتصورون أن الإسلاميين كآباء الكنيسة يقتلون في الإنسان حس المبادرة والحركة ويدعون إلى الاستكانة والاستسلام ورفض الانخراط في العالم.

لهذا كانت أهم مشاكل المسلمين في القرن الحادي والعشرين هي ظهور مثل هذه الأفكار الغربية والغريبة على مجتمعاتنا الإسلامية ، فنرى من المفكرين في هذا العصر  كمحمد أركون  يخلط بين الفكر الذي هو نتاج بشري وبين الوحي الإلهي ، وشتان ما بينهما ، ويحاول أن يجعل من الإسلام نتاجا فكريا إنسانيا حاله حال أي تراث بشري إنساني ، ويتعامل معه بأدوات غربية ، ثم يقدم حلولا لا دينية ويقدمه بهيئة مشروع  حضاري جديد للأمة الإسلامية ويقول بملء فيه هذا هو دينكم الجديد.

ولعلّ تقصيرنا في مجال الإبداع وصياغة خطاب إسلامي عصري أدّى إلى ارتماء النخب العربية والإسلامية أمثال محمد أركون وغيره في أحضان مدارس فكريّة لا تمّت بصلة إلى واقعنا الإسلامي. وبالرغم من ما تعصف به الأمة الإسلامية من محن وشدائد ، تتطلبّ فكراً يستوعب كل تفاصيل هذه الأدواء ويقدّم حلولا واقعيّة ، بالرغم من ذلك نجد أن أركون ينادي  بان نلتحق بركب العلمنة…، أو أن نتخلى عن تراثنا الذي يعتبره قديما.

إلى هذا الحد يمكننا أن نشخص الهجمة الفكرية على الإسلام والمسلمين ، ونتحرى في طياتها ادواتا لم نستطع استيعابها إلى يومنا هذا. وبناءا على ما تقدم فقد حاولنا في بحثنا هذا ان نقف عند هذه الإشكالات والمتمثلة في الخطاب العلماني الذي تبناه محمد أركون.

 

المبحث الأول:

العلمانية والتراث عند أركون

 

أولا: العلمانية :

مفهوم العلمانية: لم ترد لفظ العلمانية ([1]) في معاجم اللغة العربية القديمة ، وقد وردت في بعض المعاجم الحديثة ، منها: العلماني العامي الذي ليس بإكليريكي([2]) ، والعلماني نسبة إلى العَلم بمعنى العالم، وهو خلاف الديني أو الكهنوتي([3]) ، وعلماني: عالمي دنيوي لا ديني ليس من رجال الدين ([4])

والعلمانية  بالإنجليزية (SECULARISM) وترجمتها الصحيحة : اللادينية أو الدنيوية ، وهى دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين ، وتعنى في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم، وهى اصطلاح لا صلة له بكلمة العلم (SCIENCE) ، والمذهب العلمي (SCIENTISM) ([5]).

ومفهوم العلمانية المعاصر هو فصل الدين عن الدولة ، أو عن الحياة ، وحصر نطاق الدين في أماكن العبادة([6]) .

بهذا المعنى يتسنى لنا أن ندرك إن العولمة تسير ضد منطق التاريخ، إذ ليس من المعقول أن يتم تهميش الهويات أو إلغاؤها وقد تشكلت عبر عشرات الآلاف من السنين وتحولت إلى مكون للأمم، ليس مجرد مكون ثقافي أو ديني أو أخلاقي، بل يمكن على سبيل الاستعارة أن نقول: إنها مكون بيولوجي مثل الكروموزوم المسؤول عن نوع الجنس البشري، فالبشر مختلفون ومتفقون، متميزون ويمكنهم العيش بهذا التمايز والإسهام في سعادة الإنسان، أما تحويل البشرية إلى هوية ثقافية واحدة فأمر مناقض للتاريخ، فـ ” ليست هناك ثقافة عالمية واحدة، وليس من المحتمل أن توجد في يوم من الأيام، وإنما وجدت، وتوجد وستوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية، أو بتدخل إرادي من أهلها، على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. من هذه الثقافات ما يميل إلى الانغلاق والانكماش، ومنها ما يسعى إلى الانتشار والتوسع “.([7])

وهي ضد منطق التاريخ أيضا، لأنها ليست تطورا طبيعيا في الحركة الثقافية أو السياسية أو الاقتصادية، كما قد يتوهم بعضهم، وإن كانت تطورا لشيء فإنما هي تطور للفكر الاستعماري الأوروبي، ومن هذا المنطلق يمكن عد العولمة هي المرحلة الاستعمارية الثالثة بعد الاستعمار العسكري والاستعمار الاقتصادي، وها هي ذي تمثل الاستعمار الشامل. وعلى الرغم من التداول الشاسع لهذا المفهوم فإنه غامض في نواح عدة، وكأن هذا الغموض متعمد حتى لا ينكشف السر، ويحل اللغز.

يقول محمد أركون: “ كلمة العلمانية لا تدل على شيء ، وليست لها أرضية مفهومية – ولا تاريخية ولا فلسفية- في اللغة العربية. إنما هي كلمة معلقة في الهواء“([8]). ويفهم أركون من خلال التعريف أن العلمانية تفصل بين مكون ديني ناتج عن التراث ، و بين مسعىً أساسي هو الحداثة.

ومن خلال ما تقدم فإن العلمانية ليست معروفة لدى المسلمين ولا توجد له أرضية معرفية في تاريخنا الإسلامي ، وبالتالي فهو مصطلح محدث ومفهوم يخص المجتمعات الغربية ، لأنه يدل على جدلية تاريخية كونت وأثرت في النزاع الطبقي الاجتماعي بين البرجوازية من جهة، وأهل الدين والأرستقراطية والأشراف.. من جهة أخرى.

واليوم نجد من يحاول أن ينقل هذا المفهوم إلى المجتمع الإسلامي مرة أخرى كمحمد أركون ، متناسيا أن هذا المصطلح قد نشأ في بيئة وظروف خاصة لا يمكن أن ينطبق على المجتمع الإسلامي ، ويرد علي جريشة للذين يحاولون نقل مفهوم العلمانية إلى الشرق الإسلامي: أنهم غفلوا عن هذه الظروف ، لأنه ليس في ظروف الشرق الإسلامي التاريخي ما يبرر فصل الدين عن الدولة ، فلم يكن ثمة اضطهاد من علماء المسلمين للعلم والعلماء ، ولم يكن في تاريخنا محاكم تفتيش ، ولا صكوك غفران ، وقرارات حرمان… كما أن الدولة في فقه الإسلام هي قسم للدين لا قسيم … ([9]) .

يدرك أركون هنا الأبعاد الشمولية للفلسفة العلمانية ،  فالعلمانية ليست فقط جدلية اجتماعية من أجل استلام السلطة ، بل أهم من ذلك العلمانية تدل على جدلية فكرية أساسية جذرية بين وضعين نفسانيين للعقل البشري. وضع يكون فيه العقل البشري خاضعا مسلما (لدين أو عقيدة أو فكرة …، ووضع ثان هو الوضع الذي لم يدركه العقل البشري ولم يفكر فيه في أي ثقافة معروفة في التاريخ ، ويحدد ميلاد هذا العقل الناقد الفعال بظاهرة الفلسفة اليونانية، وتجدده في القرن السادس عشر في أوروبا حيث “العقل يتكلم بالأنا، أنا العقل ومن أنا العقل ينطلق الفرد كفرد مستقل عن المعطى..” ([10])

إذا يعتبر أركون من دعاة العلمانية وهو نفسه يقرّ بذلك بقوله : ” أنا مدرّس علماني يمارس العلمنة في تعليمه ودروسه ، هذا يشكل بالنسبة لي نوعا من الانتماء والممارسة اليومية في آن معا، أودّ أن أقول ذلك أمامكم منذ البداية، لأنه يمكن أن يعتقد بعضهم بأنني لا يمكن أن أكون ضمن خطّ العلمنة بسبب انتمائي الإسلامي“([11]) .

ويقدم محمد أركون نموذجان للعلمنة الإسلامية هما مصطفى أتاتورك ([12]) وتجربته في تركيا ، والحبيب بورقيبة ([13]) وتجربته في تونس ،والذي يوصف في المحافل السياسية والثقافية الغربية بـ “رائد الحداثة التونسية”؛ بسبب تحجيمه لمؤسسة جامع الزيتونة ووضعه لمجلة الأحوال الشخصية (قانون الأسرة)، والتي كانت أحد أبرز بصماته في رسم ملامح تونس الحديثة([14]). وكلاهما تخرجا من فرنسا ، ثم يتبع كلامه قائلا عن نجاح هذه التجربة : “أنا لا ادعوا إلى التراجع عن فكرة العلمنة بمعنى فصل الكنيسة عن الدولة ، وإنما أدعو لمراجعتها واغنائها عن طريق إعادة التفكير بمسالة العامل الديني ، والعامل الدنيوي بصفتهما بعدين لا يتجزءان من أبعاد الإنسان ” ([15]).

وأحيانا نجد أقواله ضد العلمنة([16]) مع الإقرار بها أن تجربة العلمانية في فرنسا هي تجربة فاشلة بقوله : “إن العلمنة قد أصبحت ضيقة في فرنسا أو قل تجاوزها الزمن” ([17]). ولكن نجد انه يبرر ذلك : ” عندما  ادعوا إلى إعادة النظر في هذه التجارب الأولية للعلمنة ، فلا ينبغي أن تفهم من ذلك أني ضد العلمنة أو حرية الفكرة  والعقل ، فانا كنت قد قلت سابقا إن العلمنة: هي موقف للروح أمام مشكلة المعرفة “([18]).

ولذا هو لم يتردد عن الدعوة إلى التخلي عن هذا المصطلح ” ان العلمنة تشكل بالنسبة لي نقطة ارتكاز صلبة ومتينة” ([19]) ، وتشكل العلمنة موقفا متعمدا للروح أمام طريقين:

1- بلورة المعرفة النقدية التي تفترض أن نقف موقفا حياديا تجاه كل الأديان والعقائد والنظريات المتشكلة سابقا فلا نتحيز لواحدة منها ضد الأخريات بشكل مسبق..

2- مقدرتنا على توصيل المعرفة المكتسبة على هذا النحو إلى الآخرين… على أن لا نؤطر عقول الناس عن طريق التلاعب الخفي بواسطة الأساليب البلاغية والحيل الكلامية…

3- صحة المعلومات التي تلقن للطلاب… والاحترام الصارم لكل العقائد الدينية… ولكل الآراء والحساسيات دون استثناء. ([20])

هذه هي المبادئ التي يدعو إليها أركون : ” العلمنة تصبح عندئذ بالمعنى الواسع والمنفتح للكلمة موقفا حرا للروح أمام مشكلة المعرفة، ثم محاولة إيجاد القواعد أو الوسائل الملائمة لتوصيل هذه المعرفة إلى الآخرين. هذه هي العلمنة وهذا هو تحديدي لها، بل ويمكن عندئذ أن نتخلى عن كلمة العلمنة إذا شئنا دون أن يؤدي ذلك إلى أي خطر…” ([21])

نجد عند أركون أيضا تقسيما للعلمانية ضمن توجهات الحداثة إلى ” العلمانية الإيديولوجية ” وهذه تعكس الجانب السلبي للحداثة، ثم “العلمانية بالمعنى الإيجابي والمنفتح للكلمة” وهي إحدى منجزات الحداثة الكبرى..، وبلفظه “أفضل العلمانية المنفتحة الواسعة على العلمانوية الضيقة والمتعصبة“([22])

وانتقد الإسلام كونه ”  لا يزال حيا تحت صيغة إعلان الشهادة بشكل فطري(بدائي) وبشكل شعائر خاصة بمؤسسات الدواة الصارمة (الحكم العثماني) ثم بشكل آداب مرتبطة قليلا أو كثيرا بعلم الأخلاق والقانون النظريين “([23]).

ومدح التجربة المسيحية لتطبيقها العلمانية : “راحت المجتمعات المسيحية قبل المجتمعات الإسلامية بوقت طويل جدا تقوم بتجربة تاريخية أكثر حيوية وأكثر محسوسة، وذلك تحت تأثير الحداثة العقلية.. والمادية.. راحت تنبثق سلطة روحية علمانية تؤكد على إمكانية العقل البشري في أن يفتتح المعنى والقوة باستقلالية كاملة(…) إن النقاش الذي أثاره دخول الحداثة في الإسلام لا يختلف في شيء عن ذلك الذي واجهته المسيحية بدءا من حركات الإصلاح والنهضة”([24]).

ويشتد الخوف أكثر عندما يتعلق الأمر بعلمنة الدين لان في ذلك ابتعاد عن الممارسات التعبدية و المعتقدات الإيمانية.

وهكذا يتضح ان مشروع أركون الفكري أقامه أساسا على دراسة الإسلام، تحت عنوان: نقد العقل الإسلامي ، قصد الوصول إلى جملة أهداف ، أهمها اثنان، الأول السعي لضرب الإسلام بالإسلام ، بواسطة جملة من الوسائل ، منها: الدعوة إلى تجديد الإسلام وعصرنته.  والتشكيك في قطعيات دين الإسلام ، ونشر شبهات المستشرقين والعلمانيين حوله. وتكوين نخبة علمانية من أبناء المسلمين يكونون بوقا للفكر الغربي في الشرق والغرب معا . والتظاهر بالحرص على تجديد الفكر الإسلامي من جهة ، والعمل على طمسه وتحريفه وتفريغه من محتواه من جهة ثانية([25]).

وهدفه الثاني هو الدعوة إلى العلمانية التي هي مذهب أركون – بين المسلمين، وعلمنة الإسلام نفسه ، باستخدام مختلف الوسائل الممكنة ، حتى أنه يزعم و يُصر على زعمه بأن في الإسلام علمانية لا تُضاد الدين ، وعلمانية تفصل بين الديني والسياسي في الإسلام([26]) ، من دون أن يُقدم أي دليل من القران الكريم ، إلا إتباع الظن والهوى . حتى أنه كتب بحثا عنوانه: ممارسة علمانية للإسلام([27]) ، لم يأت فيه بأي دليل صحيح ، إلا إتباع الظن  وترديد الشبهات، مع تجاهله التام لحقيقة الإسلام الكبرى المتمثلة في أنه والعلمانية نقيضان لا يجتمعان ، لأنه- أي الإسلام – عقيدة ومنهج حياة كامل شامل للدين والدنيا معا ، وصالح لكل زمان ومكان ، لقوله تعالى : { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }([28]) ؛ { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}([29])  ؛ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}([30]) ، لكن أركون لا يُبالي بذلك ولا يرتدع به، ولا يمل ومن الدعوة إلى أفكاره والجري وراءها ، ولا يقف أركون عند هذا الحد بل اعترف صراحة بأنه يدعو إلى علمنة الإسلام  لمجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكر في الإنسان ، ووسائل تحقيق هذه الحرية. ([31])

 

ثانيا: التراث

اشتق التراث في اللغة من مادة ( ورث) ، وَرِثَ فلانٌ أَباه يَرِثُهُ وِراثَةً ومِيراثاً ومَيراثاً ، وأَوْرَثَ الرجلُ وَلَدَهُ مالاً إِيراثاً حَسَناً ، والوارث صفة من صفات الله عز وجل ، وهو الباقي الدائم الذي يَرِثُ الخلائقَ ويبقى بعد فنائهم ، والله عز وجل يرث الأَرض ومَن عليها وهو خير الوارثين أَي يبقى بعد فناء الكل ويَفْنى مَن سواه ، والوِرْثُ والإِرْثُ والتُّرَاثُ والمِيراثُ ما وُرِثَ وقيل الوِرْث والميراثُ في المال والإِرْثُ في الحسَب ([32]). فالتراث يرادف الإرث والورث والميراث ، ويدل على ما يرثه الإنسان من والديه من مال ، أو حسب .        

وفي الاصطلاح : تعنى كلمة التراث الاتصال الزمني بين الأجيال ومعنى التلازم العضوي الذي لا مفر منه على صعيد الحياة والفكر كما تأتي ضلال تتصل بفكرة الانتماء القومي ووحدة الجماعة وسريان الماضي في الحاضر ، أي معنى ما يرثه القوم عن أسلافهم فيما يتعلق بالحضارة والثقافة من جهة شقيها المعنوي والمادي ، مع ما يتعلق بالتعامل معه من أدوات منهجية وإجرائية .

والتراث هو مال إلى مجتمع راهن عن الأجيال الغابرة له من قيم ونظم وأفكار من عادات وأخلاق وآداب. ([33]).

ويعرّف أركون التراث([34]) بأنه: ” مجموعة متراكمة ومتلاحقة من العصور والحقب الزمنية” ، بينما التعريف العام للتراث الذي يعرفه الكثير من الباحثين هو النتاج المادي والفكري الذي تركه السلف للخلف ، والذي يؤدي دورا أساسيا في تكوين شخصية الخلف في عقله الباطن (نمط التفكير) وسلوكه الظاهر ، وهكذا يفهم التراث على انه من صنع الإنسان ونتاج النشاط الإنساني الواعي ، في مراحل تاريخية متعاقبة([35]) ، أما التراث الإسلامي فيعني كل ما أنتجه العقل المسلم من العلوم والمعارف والآداب والفنون والفلسفات بمنهجية إسلامية في التفكير على ضوء أصول ومبادئ إسلامية في المنطلق([36]). ولما كان التراث يمثل التراكم الثقافي والحضاري من جهة ، والتعاطي المعرفي معه من جهة أخرى أي التراث بوصفه مادة متاحة للسلوك من جهة وأدوات معرفية ( ايستمولوجية ) من جهة أخرى ، أي طريقة خاصة في الحياة ، فانه المحدد الأساس الذي تتأسس عليه الهوية ، هنا يتسع مفهوم التراث ليشمل الحاضر والمستقبل ، فتكتسب الأمة تبعا لذلك هويتها في ضوء تراثها ، وهذه الهوية هي التي تعطى لهذه الأمة السمات العامة ( مايميزها عن غيرها ) ويحدد تبعا لذلك عطاءها في الحضارة في الحضارة الإنسانية وقيمة هذا العطاء .

يتضح مما تقدم أن تعريف التراث قد حُمِّلَ بالعديد من المفاهيم في الخطاب المعاصر ، بل وما زال مفهومه مضطرباً ، ولكن نرى من الضروري الإشارة إلى مفهوم مزدوج للتراث في الفكر المعاصر، فيتحمل مفهوم التراث بعدين متمايزين:

أحدهما: أفقي مباشر، وهو: الموروث المادي والفكري الذي وصل إلينا من المجتمع العربي الإسلامي ، والآخر: عمودي بعيد، وهو: كافة المنجزات المادية والفكرية التي صنعتها شعوب عاشت وتفاعلت مع شعوب أخرى فوق رقعة الوطن العربي الإسلامي.

ويعزز ذلك المفهوم ما يعنيه المصطلح المستعمل في اللغتين الفرنسية والإنجليزية Heritage، إذ يُغطِّي المساحتين معاً : الممتلكات التي تنحدر إلى الإنسان عن طريق ميلاده، والممتلكات التي تصل إليه عن طريق الأجيال السابقة .

إذا الإسلام عند أركون ما هو إلا تراث موروث فقد دوره العملي اليوم بحكم قانون التاريخية المزعوم . وهو ليس مصدرا للتشريع ولا للأخلاق ، ولا للمفاهيم و العقائد، وليس هو دينا إلهيا كما يدعي المسلمون ، ولا يختلف عن غيره من الأديان كالمسيحية واليهودية ، وهو مُعقّد جدا تجاه الإسلام ، ينزعج من كل من يمدحه أو يُنصفه، أو يُبجله و يُدافع عنه، أو يعترف بمحاسنه وخصائصه الربانية التي تميزه عن غيره من الأديان الأخرى([37]).

إن تعريف التراث وتحديد المنهج الذي ينبغي توظيفه في دراسته وبنية العقل المنتج لهذا التراث معادلة متعددة المجاهيل ، وتتطلب بذل مجهودات فكرية من أجل تسليط الأضواء الكافية على السبيل المؤدي للفهم العميق والموضوعي لهذه الإشكالية.  إن أول تحدي يدخل علينا عند تناولنا لمفهوم التراث حسب قراءة اركون هو هل التراث يختزل فقط في الكتاب والسنة ؟ أم أنه ذلك الرصيد المعرفي والتراكم الثقافي الذي أنتجه العقل الإسلامي حتى وإن كان فلسفيا أو تاريخيا..؟

ومحمد أركون يعني بالتراث القرآن الكريم والسنة النبوية وما له علاقة بالعلوم الإسلامية . إذ يرى أن التراث بما في ذلك القرآن الكريم مجرد مجازات وخيالات لا تصلح لأن تكون قانونا بشريا كما هو الحال مع الأناجيل والتوراة. ([38]).

إن موقف أركون من التراث فيه من الإطلاق والتعميم، والخلل إنما يكمن في المنهج الذي يعتمده، فالمتعارف عليه في أي بحث فلسفي أو علمي ضرورة التمييز بين ثلاثة أشياء : الموضوع والمنهج والهدف، وهذا المنهج المعتمد لا بد من فصله عن الموضوع بحيث لا يكون إيديولوجية في حد ذاته، لأنه ليس سوى مجرد أداة ووسيلة الغرض منه  الوصول عن سبيل الاستدلال أو الحدس إلى اليقين أو البداهة، كما يقول ديكارت، كما أنه يستند إلى قواعد أهمها : “عدم قبول شئ على أنه صادق ما لم يتبين لنا أنه صادق بداهة ([39]) ، بينما في أبحاث أركون نجده ينطلق من مسلمة ثابتة جاهزة ثم يحاول إثباتها ويحكم على الشئ قبل أن يستدل عليه، وكأننا أمام بحث يندرج تحت ما يسمى في “علوم المنطق” ب “التصور الضروري” الذي لا يحتاج فيه الباحث لاستدلال ونظر ولا حتى إعمال الفكر، وقد كان القدماء يرون ضرورة الاستدلال قبل الحكم على الشئ، وهذه هي الموضوعية التي يعرفها أحدهم ب (الفصل بين الذات والموضوع).

ولقد كانت حصيلة اتخاذ المشروع الغربي منهاجا للحياة في بلاد المسلمين ، وأساسا لبناء الحضارة في المجتمع الإسلامي ، وخطابا سائدة في الثقافة والفكر ، الفشل والقصور عن تحقيق النتائج التي حققها المشروع نفسه في الغرب ، أو تحقيق حتى الحد الأدنى منها ، لأسباب نذكر منها:

ـ كونه من نتاج ثقافات مخالفة لثقافة المجتمع الإسلامي لا تعتد بالغيب ولا تؤمن بالوحي مصدرا للمعرفة.

ـ تجاهله لمعادلة الأمة الثقافية والاجتماعية.

ـ تناقضه مع خصوصيات المجتمع الإسلامي ، ومقومات بنائه وكنيونته.

ـ تصادمه مع هوية المجتمع الإسلامي ، وشخصيته ومكونات عقليته ونفسيته.

ـ ماديته وعداؤه لروحانية الأمة ، ومعادلتها النفسية.

ـ تنافيه مع كينونة الأمة التاريخية واختزاله لثقافتنا وتراثها ، وتوهم أنها مجرد إعادة إنتاج لثقافة الإغريق والرومان.

ـ تكريسه للهيمنة الثقافية الغربية وسيادة الفكر الغربي وما فيه من نزعة مركزية.

– ترسيخه للكبرياء والأنانية الغربية التي أنكرت وتجاوزت فضل الفكر والحضارة الإسلامية على الحضارة المعاصرة.

ـ دفعه المجتمع الآخر للتبعية والقبول بالخضوع لسلطة الغرب الفكرية المركزية وتجاوز خصوصياته.

ـ خصوصياته واعتماده على قواعد الصراع والثنائيات ، وتكريسه لروح الصراع بين الأمم فمن حرب باردة إلى غزو فكري إلى صراع حضارات إلى نهاية التاريخ وتوقفه عند الحد الذي بلغه أو وصل إليه.

والواقع والتجربة يشهدان على فشل البناء الثقافي الغربي في أن يقدم شيئا لأمم العالم الثالث بعامة ، وبلدان العالم الإسلامي بخاصة. ونشير هنا إلى أن استقراء التاريخ وقراءة الواقع يؤكدان أن أية محاولة للنهوض والتجديد من الخارج الإسلامي بالنسبة لأمتنا مصيرها الإخفاق والفشل.

 

 

المبحث الثاني

إشكالات الخطاب  الاركوني بين الفكر والمنهج

 

في مجال نقد الأفكار والمناهج المعرفيّة يلجأ بعض المفكرين إلى استخدام الأدوات المعرفيّة التي توصلّ إليها العقل المعاصر لدى قراءة الأفكار التي أنتجت في حقبة زمنية هي في حكم العدم الآن ، ففي مجال قراءة الفكر الماضوي هل نقرأ الماضي بعين الماضي أم بعين الحاضر!

فلدى تقييمنا لفكر أرسطو على سبيل المثال هل نقرأه بعقلية كارل ماركس وجون بول سارتر أم بعقليّة أفلاطون بمعنى نجعل أنفسنا جزءا من الحقبة التاريخية التي عاشها أرسطو وبناءا عليه نتعامل مع فكره .

ومحمد أركون من الصنف الذي يتعامل مع الموروث الإسلامي بأخر ما توصلت إليه المدرسة الغربية النقديّة من نظريات ووسائل للتعامل مع النص ويسقط هذه الأدوات في التعامل مع النص الإسلامي الذي هو مختلف جغرافيا وصياغة ولغة ونفسية عن البيئة الغربية التي يستعين أركون بأدوات مفكريها النقديّة .

ولذلك يعتمد أركون في توثيق أرائه ضمن مؤلفاته على المراجع الأجنبية التي لا علاقة لها بالعربية ولا بالإسلام ، ففي احد فصول كتبه يقتبس أكثر من ثلاث وعشرين مرجع أجنبي إما نصا أو إحالة عليه ، واثنتان وعشرون مقالاً أجنبياً، وجميع المجلات العربية هي مجلات الحداثيين([40]) ، وهذا ما يؤكده المفكر هشام شرابي قائلا : ” شئنا أم أبينا يستمد هذا الفكر العلماني النَّقَّاد مفاهيمه ومصطلحاته وأبعاده من التجربة الأوربية للحداثة بمفهومها الشامل([41]).

 

وانطلاقا من مناهج غربية وأفكار علمانية يوظف أركون عدة مبادئ وطروحات أهمها:

 

1- علمنة الإسلام

يقصد أركون بعلمنة الإسلام ” مجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان ، ووسائل تحقيق هذه الحرية “([42])

اتخذ أركون من أيديولوجيا العلمنة إستراتيجية لنقد الإسلام تقوم على الانتهاك للمستحيل التفكير فيه (المقدس) ، والزحزحة لمسلّمات العقل الإسلامي ، والتجاوز به إلى الحداثة ، زاعما انه يريد تحرير الإسلام : ” كل أعمالي النقدية المتركزة على تحليل العقل الإسلامي تهدف إلى تحرير الإسلام من الهموم السلطوية والمادية والدنيوية المباشرة “([43])

 

2- الإسلاميات التطبيقية

يقوم أركون بنقد العقل الإسلامي في إطار مشروعه الفكري الذي يسميه “الإسلاميات التطبيقية” والتي تهدف إلى إحداث قطيعة جذرية مع الدراسات الإسلامية التقليدية التي تتصف بالرؤية السكونية ؛ واستخدام المناهج الوضعية والتاريخية التي تجاوزها التطور العلمي. وذلك بالاعتماد على مجموعة من المناهج والأدوات المنتجة في إطار التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية في الغرب.

بدأ أركون عام 1970م بمشروع “الإسلاميات التطبيقية” التي تعني تطبيق العلوم الإنسانية على التراث الإسلامي بوصفها المنجزات المعرفية للحداثة ، ([44]). وتعني الإسلاميات التطبيقية ” قراءة ماضي الإسلام وحاضره انطلاقاً من تعبيرات المجتمعات الإسلامية ومطالبها الراهنة  ، وذلك من خلال تطبيق منهجيات العلوم الإنسانية والاجتماعية ومصطلحاتها على دراسة الإسلام عبر مراحل تاريخه الطويل ، ويبين أركون كيف انه قد استوحى تسمية الإسلاميات التطبيقية من كتاب لروجيه باستيد بعنوان : الأنتربولوجيا التطبيقية وكيف إن البحوث التي يقدمها تسير في الخط نفسه([45]).

أما عن الإسلاميات  التطبيقية : فهي تدرس الإسلام ضمن منظورين متكاملين :

 

أولاً : منظور علم الأديان المقارن الذي يجعل الإسلام يدرك خصائصه الذاتية وعلاقته بالأديان الأخرى في ضوء جديد يؤدي به إلى أن يستبدل بموقفه الأفتخاري والهجومي تجاه الأديان الأخرى ، موقفاً متفهماً مقارناً بدرجة معقولة من الموضوعية.

ثانياً : منظور علوم الإنسانيات الحديثة والتي تهدف إلى إخضاع النص القرآني لمحك النقد التاريخي المقارن ، وللتحليل ألألسني، وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وزواله و ذلك من اجل تجاوز المرتكزات المعرفية للعصور الوسطى التي ما زالت تؤثر في تفكير البعض منا حتى اليوم([46]).

وهكذا نجد ان الإسلاميات التطبيقية هي تناقض صارخ في منهج أركون ، فنحن نتحدث عن فيزياء تطبيقية، رياضيات تطبيقية ، أما الإسلاميات التطبيقية فهذا مصطلح لا معنى له أصلاً، لأنه لا هو بعلم قائم ولا بمنهج له مقوماته ومبادئه. لقد وجد أركون نفسه في خضمّ موجة رد فعل رجعي ضد العقلانية ، منبعها الأصلي نيتشه وهايدغر، ومحطّها النهائي هو باريس السبعينات والثمانينات. ومن المحتمل جدّا أنه تأثر بها كما، تأثر بها معظم المفكرين في العالم العربي، وخصوصاً مفكري شمال إفريقيا الفرنكوفونيين. وقد تكون فكرة أهمية الأسطورة كمنظومة ترميزية هي من بين تلك الأطروحات اللاعقلانية السائدة آنذاك. وكما هو معلوم شتراوس أراد أن يُعيد للأسطورة دورها الثقافي، وأن يجعل منها نسقاً دلالياً منسجماً يُضاهي في انسجامه النسق الرياضي. أركون تقبّل هذه الفكرة ورام تطبيقها في إسلامياته، وقد أمعن في استغلال هذه المقولة رابطاً إياه بمجال الخيال، ولفعل ذلك فإنه رأى أن العدوّ هو العقل المنطقي الأرسطي الذي ارتكب خطأً فادحاً بتدميره الأسطورة. الأمر المحير هو أن أركون يذكر بالحرف الخرافة والشعوذة والسحر، لا ليردّها إلى عالم اللاعقل، ويحاول التنبيه عن مخاطرها في تربية المجتمعات، بل لكي يبشّر القارئ العربي بأن العصر الذي اضطهد الفكر الأسطوري وهمّشه قد انقضى.

إن مهمة الإسلاميات التطبيقية عند أركون هي: الانتقال بالوعي الإسلامي من مرحلة القرون الوسطى إلى مرحلة الحداثة . ذلك أن المجتمعات الإسلامية تعرضت إلى هزات وتحديات تشبه تلك التي تعرضت لها المجتمعات الغربية المسيحية ونتج عن ذلك بعض المهام التي ينبغي على الباحثين عدم إغفالها، وهذه المهام هي التي تشكل برنامج الإسلاميات التطبيقية وهي تنحصر في مهمة إعادة قراءة التراث الإسلامي في مشروع نقدي يطال في إحاطته كل النصوص المقدسة.

 

3- أنسنة الإسلام

أنسنة الدين الإسلامي بمعنى تحويل الدين إلى  فكر إنساني ، وتفريغ الإسلام من الغيب أي من العقائد الدينية ، وهو مشروع فكري يحاول أركون إسقاطه على الإسلام ، ويريد أن يطبق على الإسلام ما صنعه التنوير الغربي – الوضعي العلماني – مع النصرانية واليهودية , عندما تأولوا ما فيهما من دين وحولوهما إلى رموز وقوالب لفكر إنساني ، وفي ذلك إقامة قطيعة معرفية مع الدين كدين .

والذي دعا إلى انسنة الإسلام قوله : أن هناك سببان اثنان يدعواني للحديث عن التجربة الإنسية من أجل موضعة الإسلام في التاريخ بشكل أفضل ، الأول هو أن هذه التجربة كانت قد نسيت وأهملت من قبل الفكر العربي – الإسلامي نفسه منذ أن كان قد حصل رد الفعل السني في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي (المقصود رد الفعل ضد المعتزلة والفلاسفة وبقية الاتجاهات الإسلامية أيام المتوكل والقادر) أنها ليست منسية فقط وإنما هي منكرة ومرفوضة بشكل مزدوج من قبل الاستشراق الذي يرفض أن يخلع عن الإسلام اسم التجربة الشهيرة التي شهدها الغرب في القرنين السادس عشر والسابع عشر والتي اعتبرت خاصة به دون غيره ( ليس هناك نزعة إنسانية ألا إنسانية الغرب). كما أنها مرفوضة من قبل التيار الأصولي الإسلامي المعاصر الذي يريد تشييدها على الأصل الإلهي الصرف للرسالة الإسلامية . وأما السبب الثاني فهو فلسفي ذلك أن الانجازات التكنولوجية للغرب قد جعلت الخطاب الإنسي والنزعة الإنسية تبدو هامشية وباطلة …ولم يبق ألا إرادة القوة الجماعية وإستراتيجية السيطرة عن طريق التقدم والإنتاج الاقتصادية. ([47]).

 

الخاتمـــــــــة:

توصل البحث لعدد من النتائج ، أهمها:

أولاً : يكتفي أركون بدراسة الإسلام دراسة خطية وصفية وسردية ، ومن ثمّ فهو يهمل جوانب مهمة من الفكر الإسلامي.

ثانيا: إن أركون وقع في أخطاء منهجية كثيرة في ممارسته للكتابة العلمية ، حيث لم يلتزم فيها بالمنهجية الصحيحة في دراساته عن الإسلام وأهله ، فقد كان اعتماده الأساسي على المراجع الاستشراقية غالبا ، وإهماله للمصادر الإسلامية كلية تقريبا ، فضلا عن عدم التوثيق أصلا في مواضع كثيرة من مؤلفاته . مع استخدامه للمغالطات الفكرية ، ووقوعه في المبالغات والتهويلات في كثير من أحكامه ومواقفه.

ثالثا: تبين أن أركون وقع في أخطاء منهجية وإشكالات فكرية كثيرة ، تتعلق بنظرته إلى منهج النقد التاريخي، وممارسته له . فجاءت نظرته ناقصة في هذا الميدان ، ومُشوّهة في كثير من جوانبها، لقلة معرفته بمنهج نقد الخبر عند المحدثين ، ولتأثره بالمستشرقين، وتعصبه لفكرهم ، ومبالغته في الاعتداد بنفسه .

رابعا: توصلت الدراسة بان أركون أثناء قراءته للتاريخ الإسلامي كان يضع أمام ناظريه نموذج الحضارة الغربية بكل معضلاته وكهنوته ، لذلك يتحدث عن أرثوذكسية الإسلام ليمهد للحديث عن بروتستانتية إسلامية ما دامت قد توافرت لها نفس الظروف التي ألحت في نشأتها قديما في الحضارة الغربية، وفى مقابل هؤلاء الأرثوذكسيين الإصلاحيين الذين يظهرون على فترات تاريخية متلاحقة، ” إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها ” ، ويلقون بالعديد من الأمور في سلة البدع والضلالات.

وختاما نود أن نؤكد أن هذه التحديات الاركونية ليست في حقيقة الأمر تحديات للإسلام كدين ، وإنما هي تحديات لأفهام بعض المسلمين المستغربين. فإذا ارتفعت هذه الإفهام إلى مستوى الأحداث وأدركت مقتضيات العصر فستجد أن الإسلام من أشد أعوانها على التغلب على كل التحديات ، فالإسلام دين للحياة بكل معنى الكلمة وهو صالح في جوهره لكل زمان ومكان، مع طبيعة الإنسان.

نسال الله تعالى أن نكون قد وفقنا في هذا العمل،  انه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الهوامش

 

([1]) عدم وجود الكلمة في المعجم القديم يدل على حداثتها ، ويلاحظ بعض الباحثين أنها وردت أولاً في المعاجم اللبنانية المسيحية في وقت مبكر (1870م) ، وفى المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية، صدرت طبعته الأولى سنة 1960م . ينظر هامش : علي جريشة ، الاتجاهات الفكرية المعاصرة ، ط3 ، دار الوفاء للطباعة والنشر ، (المنصورة/1990م) ص 73.

(2) بطرس البستاني ، محيط المحيط ، (بيروت/ 1867م ) ، ص1461.

(3) المعجم الوسيط لمجمع اللغة في القاهرة ، ط4 ، مكتبة الشروق الأهلية ،(القاهرة/2004م) ، ص624.

(4) رينهارت دوزي ، تكملة المعاجم العربية ، ترجمة محمد سليم ، دار الشؤون الثقافية ، (بغداد/1999م) ، 7/291.

(5) الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب المعاصرة ، الندوة العلمية للشباب الإسلامي ، ط2 ، (الرياض/1989م) ، ص 367.

(6) علي جريشة ، الاتجاهات الفكرية المعاصرة ، ص73.

(7) محمد عابد الجابري ، العولمة والهوية الثقافية : عشر أطروحات ، مجلة فكر ونقد ، الرباط ، العدد 10.ص43.

(8) محمد أركون ، التفاعل بين دولة الحقوق والمجتمع المدني ظاهرة جديدة لم نكتسبها بعد ، جريدة الشرق الأوسط ، العدد 9385 ، سنة 2004 .

(9) علي جريشة ومحمد الزئبق ، أساليب الغزو الفكري للعالم الإسلامي ، ط3 ، دار الاعتصام ، (المدينة المنورة/1979م) ، ص61.

(10) محمد أركون ، في حوار ، منشور بملحق الفكر الإسلامي لجريدة العلم ، أع: 4-7، أبريل 1997.

(11) محمد أركون ، العلمنة والدين الإسلام المسيحية الغرب ، ط3 ، دار الساقي ، (بيروت/1996م) ، ص9.

(12) مصطفى أتاتورك (1881– 1938) ، أطلق عليه اسم الذئب الأغبر ، حكم تركيا لمدة خمسة عشر سنة ، وفي 3 مارس1924م ألغى الخلافة العثمانية ، وطرد الخليفة وأسرته من البلاد ، وألغى وزارتي الأوقاف والمحاكم الشرعية، وحوّل المدارس الدينية إلى مدنية ، وأعلن أن تركيا دولة علمانية، واستخدم الأبجدية اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلاً من الأبجدية العربية.ينظر ترجمته:مصطفى الزين ، ذئب الأناضول ، ط1 ، رياض الريس للكتب والنشر ، (قبرص/1991م).

(13) الحبيب بورقيبة ( 1903-2000م) ، حكم تونس لمدة ثلاثين سنة، من تاريخ استقلالها عن فرنسا سنة 1957 إلى تاريخ تنحيته من قبل الرئيس زين العابدين بن علي سنة 1987، عرف عن تحالفه مع الغرب ، وكان من أوائل السياسيين العرب الذين رحبوا بالسياسة الأمريكية في المنطقة ، منع تعدد الزوجات بعد تولي رئاسة تونس بثلاثة أشهر فقط ، من خلال مجلة الأحوال الشخصية التي أصدرها.
، ومنع الحجاب منعا باتا . ينظر ترجمته : الطاهر بلخوجة ، الحبيب بورقيبة سيرة زعيم شهادة على عصر ، ط1 ، دار الكتب المصرية ، (القاهرة/1999م).

(14) لقد تجرأ بورقيبة حتى على الاجتهاد في ما يخص أركان العقيدة الدينية عندما أذن بعدم صوم رمضان إذا كان ذلك يعيق من عملية الإنتاج للدولة والمجتمع كما وانقض على قانون الأحوال الشخصية وذلك بواسطة الإصلاحات لتعديل قانون الطلاق ومنع تعدد الزوجات. ينظر: محمد أركون ، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ترجمة وتعليق هاشم صالح ، المؤسسة الوطنية للكتاب ، (الجزائر/د.ت)، ص273.

(15) أركون ، الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص274.

(16) يبرر أقواله بانتقاد التطرف العلماني بأنه يقصد (العلمانوية) ، وليست العلمانية فهناك خلطا بين المفهومين. للاستزادة ينظر: أركون ،  الإسلام، أوروبا، الغرب ، ص206-210.

(17) محمد أركون ، الإسلام أوربا الغرب رهانات المعنى وإرادات الهيمنة ، ترجمة هاشم صالح ، ط2 ، دار الساقي ، (بيروت/2001م) ، ص، 209.

(18) أركون ،  الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص 274.

(19) أركون ،  الإسلام أوروبا الغرب ، ص 102.

(20) أركون ،  الإسلام أوروبا الغرب ، ص102.

(21) أركون ،  الإسلام أوروبا الغرب ، ص103.

(22) أركون ،  الإسلام أوروبا الغرب ، ص101.

(23) أركون ، الفكر الإسلامي ، قراءة علمية ، ترجمة : هاشم صالح ،  ط2 ، مركز الإنماء القومي ، (الدار البيضاء/ 1997) ، ص135.

(24) أركون ،  الفكر الإسلامي قراءة علمية ، ص135.

(25) أركون ، الفكر الأصولي ، ص350.

(26) أركون ، تاريخية الفكر ، ص214،267.

(27) أركون ،  تاريخية الفكر ، ص294.

(28) سورة الذاريات : 56-58.

(29) سورة الأنعام : 162.

(30) سورة الأنعام : 153.

(31) أركون ،  تاريخية الفكر ، ص294.

(32) ابن منظور محمد بن مكرم الأفريقي ، لسان العرب ، ط1 ، دار صادر ، ( بيروت/د.ت) ، مادة ورث ، 2/199.

(33) طارق البشري ، ماهية المعاصرة ، ط1 ، دار الشروق ، (بيروت/1996م)  ، ص9.

(34) ينظر: الفكر الإسلامي نقد واجتهاد ، ص10.

(35) محمد شحرور ، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة ، الأهالي للطباعة والنشر ، (دمشق /د.ت) ، ص32.

(36) خليل إبراهيم محمد ، شخصية المسلم بين التراث والوافد ضوابط ومعايير ، ط1 ، مركز البحوث والدراسات الإسلامية ، (بغداد/2008م) ، ص23.

(37)الأخطاء المنهجية والتاريخية في مؤلفات أركون والجابري ، ص338.

(38)  محمد أركون ، تاريخية الفكر الإسلامي ، ص299 .

(39) د. ماجد فخري ،  إشكالية المنهج ، مجلة الفكر العربي ، العدد 42 ، ص 11.

(40) انظر قائمة المراجع في : محمد أركون ، تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، ترجمة هاشم صالح ، ط2 ، مركز الإنماء القومي ، ( بيروت/1996م) ، ص43 .

(41) النقد الحضاري للمجتمع العربي ، ط 1،  مركز دراسات الوحدة العربية ، ( بيروت/1990م) ، ص23

(42) أركون ، تاريخية الفكر ، ص294.

(43) أركون ، الإسلام أوربا الغرب ، ص203.

(44) أركون ، الفكر الأصولي ، ص242.

(45) ينظر: أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي ، ص259 .

(46)  أركون ، محمد ، نافذة على الإسلام ، ترجمة صياح الجهيم ، ط2 ، دار عطية للطباعة والنشر والتوزيع ، (بيروت/ 1997) ، ص11 .

(47)  أركون ، الفكر الإسلامي قراءة علمية ، ص 76-77.

عن admin

شاهد أيضاً

المذهب الكلاسيكي للديمقراطية

المذهب الكلاسيكي للديمقراطية

المذهب الكلاسيكي للديمقراطية The Classical Doctrine of Democracy   إعداد: صفي الله ابراهيم   المذهب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *