الرئيسية / النظم السياسية / التحول الديمقراطي / آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى
آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى
آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى

آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى

آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى

 

عرض نقدى لمقال:  “Consequences of Revolutions”

تأليف:   Eduard N. Mullar Erich Weede &

عرض: أسماء مصطفى سيد محمد

 

وهذه المقالة من جريدة “الرشادة والمجتمع” وهى جريدة عالمية تركز على الإسهامات المتصاعدة بنظرية “الفعل الرشيد” والتساؤلات والاختلافات حول هذا الموضوع وتحاول إن تقدم منتدى متعدد التخصصات والتى من خلالها يمكن لأبحاث التنمية النظرية، والأبحاث الأمبريقية وتحليل السياسات التى لها علاقة بنموذج الفعل الرشيدان تشارك فى هذه المجلة (1) .

 

إما عن كاتب هذا المقالة فالأول هو ((Erich Weede والذى تخرج من جامعة هامبرج عام 1966 ثم حصل على الماجستير فى العلوم الاجتماعية ثم درجة الدكتوراه عام 1970. وفى عام 1975 حصل على التأهيل فى العلوم السياسية فى جامعة مانهايم وكان من كبار الباحثين المشاركين فى مركز البحوث المسيحة والمنهجية (Zuma) فى مانهايم. وكان أستاذ زائر للعلاقات الدولية فى مركز بولونيا التابع لجامعة “جونز مربكنز”.

 

أما عن اهتماماته البحثية فهى عن “الاختيار الرشيد العقلانى” وخيارات الجمهور” وكان يتخذ من النظريات الدولية والمقارنة والتحكمية فى تحليل النمو الاقتصادى وتوزيع الدخل والتعرض للعنف سواء فى المجتمعات الصناعية الغربية والبلدان النامية، وكذلك دراسة أسباب الغرب ومنع الحرب والمقارنة مع الحضارة فى إشارة خاصة إلى آسيا.

و كان عضو فى “المجلة الأوربية للدراسات الدولية وكذلك فى مجلة السياسة الدولية الأمريكية والجمعية الألمانية للسياسة الخارجية.(2)

 

أما عن Edward Muller

فكان رئيس قسم العلوم السياسية فى جامعة أريزونا وكان يعرف عنه انه أستاذ عظيم وشخص رائع على المستوى الانسانى، وأصبح من رواد الأساتذة فى دراسة العلوم السياسية وخاصة (دراسة العنف والاستقرار السياسى والديمقراطية) ويتضمن مؤلفاته كتاب واجد عبارة عن 14 مقالاً فى مجلة “American Political Science Review” وعلى مر عقدين من الزمان كتب العديد من المقالات التى أثرت معرفتنا فى هذا المجال . وعلى الرغم من انه حصل على الدرجة الجامعية الأولى فى الأدب الانجليزى ولكنه سرعان ما تحول توجه بعد اشتراكه فى ورشة عمل فى جامعة (lowa) محولاُ وجهه للعلوم السياسية فى عام 1967. وقد تعامل فى هذا المجال مع النظرية السياسية والكمية.(3)

 

ولقد أوضح الكاتبان أن هذه المقالة: هى محاولة لتقييم آثار الثورات وان الثورات من وجهة نظرها لا تسهم فى نشر وترويج المزيد من الحرية وإنما تؤدى إلى تولى حكم القلة أو طبقة حاكمة جديدة وقوات مسلحة اقوي، ومزيد من التدخل فى الحروب وانه إذا ما تم تقييم “آثار الثورات” من خلال معدلات النمو الاقتصادى فنجد عدم تساوى الدخول أو مستوى ونوعية الحياة، وأن الأداء الاقتصادى لأنظمة ما بعد الثورات يبدو غير مقنع وغير صحيح ومن ثم لا يمكن أن يعوض خسائرالبشر الناتجة من ثورات القرن العشرين. وأكد على أنه يمكن قياس الأثر السلبى لثورات من خلال اقتراب الاختيار الرشيد، فإذا كانت المصلحة العامة تحدد سياق الأحداث الثورية فلابد من إن يحدث توازن (مقارنة) أفضل من ذلك. فإذا كانت الثورات تتحرك بدافع الرغبة فى القوة إلا أنها تفقد الكثير من الرأس المال الاجتماعى والانسانى بشكل كبير.

 

وقد أوضح الكاتبان فى مقدمة هذه المقالة أن هناك عدد كبير من التعريفات الخاصة بمفهوم “الثورة” وحتى لا يحدث مزيد من الارتباك بإدخال تعريف آخر فقد قررا التعامل مع تعريف لكاتب كبير وأستاذ محترم هو (Skocpol) عام 1979. والذى قال فيه “إن الثورات الاجتماعية هى عبارة عن تحولات سريعة وأساسية فى حالة المجتمع والبناء الطبقى، ويصاحب ذلك انه عادة ما يكون مدفوعة بثوار على أساس طبقى من أسفل.

 

ويرى الكاتبان أن هذا التعريف غير كامل أو جاهز للتطبيق ولذلك لن يعتمدا عليه كلية فى الاستشهاد. حيث ذكرا أن الطريق مازال مفتوح لمعرفة كيفية حدوث تغيرات سريعة وعميقة قبل الحصول على برنامج الثورة، وأن مصطلح الأساس الطبقى يتضمن بداهة مشاركة من أسفل ويوحى بالعنف،حتى مع عدم تحديد مستوى العنف أو مدى مشاركة الطبقات الأقل.

 

ولقد حدد الكاتبان هدفهما من هذا المقال أنها ليست محاولة لذكر المزيد من التفاصيل عن تعريف الثورات وإنما الهدف الحقيقى هو جمع المعلومات عن مشروع كبير وهو “آثار الثورات” وأن الهدف الحقيقى هو جمع المقولات النظرية والمناقشات الجادة فى ضوء الأحداث التاريخية.

 

ومن ثم فإن الهدف الرئيسى لهذه الدراسة هو الإجابة على التساؤل الرئيسى وهو هل وعد القادة الثوريين بتحقيق حياة أفضل لتابعيهم والطبقات الأقل وللعامة جدير بالتصديق أم لا ؟

 

وللإجابة على هذا السؤال الرئيسى يوجد عدد من الأسئلة الفرعية يجب الإجابة عليها وهى:

هل عادة ما تكون نتائج الثورات المزيد من الحرية وحماية الحياة أم أنها تأتى بالقمع والموت؟ وبما أن الثورة عادة ما تبرر التكلفة الإنسانية أو الخسارة البشرية التى تحدث فيها من فقد للأفراد بأنها سوف تعمل على تحسين الأداء الاقتصادى لأنظمة ما بعد الثورات فالسؤال هو هل أنظمة ما بعد الثورات تحسن بالفعل من معدلات النمو الاقتصادى أو تحاول المساواة فى توزيع الدخول؟

 

والسؤال الأخير هو كيف أن التغيرات السريعة والعميقة والمنبثقة للثورات تؤثر على الرأس المال الاجتماعى للمجتمعات؟

 

وللإجابة على هذه الأسئلة وضع الكاتبان اطر معينة وحدود لجهودهم التحليلية وهى :

أولاً: أنه لا يوجد تعريف موحد ومتفق عليه للثورات ولكن هناك اتفاق على أن ما حدث فى روسيا والصين وفرنسا تعتبر ثورات وأن باقى الثورات الاجتماعية تعتبر اصغر من ذلك.

ثانياً: معظم ثورات القرن العشرين التى تركز عليها كانت مدفوعة (ملهمة) بالمساواة بين البشر وكذلك بدافع الاشتراكية(وهو هدف) الثورة الفرنسية الأولى لذلك ممكن أن نتصور أن الثورات الأخرى ربما تؤدى إلى نتائج مختلفة. أما الثورة الإيرانية فعلى الرغم من اختلاف دوافعها عن الثورات الروسية والصينية والكوبية إلا أن النتائج لم تكن بنفس درجة الاختلاف. ولابد من الإشارة من أن معظم ثورات القرن العشرين كانت علمانية ومتساوية بين البشرو اشتراكية وأن التعميم من خلال هذه الثورات مازال مؤقتاً أو تجريبيا.

 

ومن ثم فهناك فرضية يحاولان الكاتبان أن يختبراها وهى أن آثار الثورات عادة ما تكون سلبية وسيئة على عدة مناحى ولاختبار هذه الفرضية وضعا عدد من الأسئلة الفرعية التى حاولا من خلالها الإجابة على تساؤلهما الرئيسى ومن ثم إثبات الفرضية الخاصة بهما.

 

وللإجابة على هذه الأسئلة بدأ الكاتبان بطرح الحجج والأطروحات عن طريق أنهما قسما المقالة إلى أجزاء تحت عناوين رئيسية للإجابة على كل سؤال.

 

ومن ثم كانت الإجابة على السؤال الأول: وهو عن الحريات تحت عنوان التكلفة الإنسانية :الموت والقمع وبدأ الحديث فى هذا الجزء عن أن قادة الثورات والتمرد مثل كل السياسيين تعد بمزيد من التعديلات والتحسينات ولكن بعد تملكهم للسلطة وحصولهم على القوة يجدون صعوبة فى تحقيق وعدهم لتحقيق النفع العام المتوقع من قبل مؤيدهم.

 

وأنه طبقاً لما قاله هانتجتون أن الآثار الاقتصادية المباشرة للثورات عادة ما تكون سلبية وأكثر من ذلك فإن الثورات لا تجلب المزيد من الحرية وقد أكد هانتجتون فى حديثه عن إنجازات الثورات قال أن الثورات عادة ما تفشل فى تحقيق وعودها بالمزيد من الحرية وحياة إنسانية أفضل والمساواة للجميع وفى العديد من البلاد عادة ما تؤدى الثورات إلى نظم تسلطية وقوية أكثر مما تم استبدلها.

 

ثم قال أن الخبراء قدروا أن حولى 100 ألف رجل انجليزى مات من خمس ملايين شخص فى الحروب الأهلية للثورة الانجليزية وأن حوالى 1.3 مليون من اجمالى 26 مليون فى فرنسا ماتوا ما بين 1789-1815

 

فى حروب نابليون والحروب الأهلية وأكثر من 2 مليون من إجمالى 16- 17 مليون ماتوا فى الثورة المكسيكية وفى الحروب الأهلية. وأما عن الحروب الأهلية والخطوات الأولى لقوانين الإصلاح الزراعى فى روسيا والصين الزراعى فى روسيا والصين أدت إلى وفاة عشرات الملايين .

وتحدثا عن مقولة ( جولدثون ) عام 1991 ” مقولة الثورات تحرر الأفكار انها تهدف الى استبعاد الرجال والنساء ”  .

 

وحاولا أن يقدما دليل على ان الصراعات الثورية عادة ما تأتى بنظم أسوأ من السابق وكان ذلك فى معظم ثورات القرن العشرين صحيح أن قيصر روسيا لم يكن طيب القلب أو  إمبراطورجيد . بل كان أحيانا يمثل دولة بوليسية قاسية ، إلا أن الشيوعية فى الاتحاد السوفيتى كانت أسوأ  ، فكان عدد ضحايا  أكثر من 60 مليون تقريباً. وكذلك النظام الشيوعى فى الصين ربما قتل أكثر من 30 مليون شخص . وفقدت كوبا حوالى مليون منذ تولى كاسترو للحكم . وأصبحت فيتنام الشيوعية أكبر مصدر للاجئين بعد توليهم السلطة فى 1975 وقتل حوالى 2 مليون شخص وهو ما يمثل اكثر من ربع سكان كامبوديا  . ومن ثم كان حكمهم اكثر دموية من هتلر وستالين . وذلك إذا تم عمل مقياس معيارى واحد لنسبة الأفراد المعرضين للخطر والموت وكذلك لنظام الحكم القاسى والاستبدادي .

وعلى الرغم من ذلك فلم يقتل شاه إيران قبل سقوطه نفس النسبة مثلما فعلت دول الحكم الشيوعى .

 

وأكدا على أن ” Gurr “  توصل إلى الاستنتاج التالى :

“وهو أن نتيجة امتلاك الثوار للسلطة ، فإن اول شئ لابد من فعله إحكام السيطرة على الأمن الداخلى وذلك لبناء الدولة  ولذلك تتسم بعض الدول بعد الثورات بما يشبه نظام الدولة البوليسية.        وان معظم الثورات الناجحة لهذا القرن سواء كانت يميناً أو يساراً تبنيت هذا الشكل مثل الاتحاد السوفيتى ، ايطاليا الفاشية ، ألمانيا النازية ، واسبانيا ، والصين الشيوعية ، وكوبا وفيتنام وكمبوديا وإيران ، وربما تكون حالة المكسيك لا ينطبق عليها هذا الوصف” .

ثم طرحا سؤال آخر وهو لماذا لا تجلب الثورات المزيد من الحريات ؟ ولماذا تدعم الثورات العنف والقتل أكثر من الحرية ؟

وقد أجاب على السؤال من خلال ثلاث إجابات :

  • الأولى : وهى ان الصراعات الثورية والتى عادة ما تنتهى بفوز الفريق الأقوى المستعد للقتل.
  • الثانية : انه اذا اعتبارنا ان الثورة هى ” قمة المشاركة أساسية ” وفقاً لهانتحتون” فان “القانون الحديدي للأوليجاركية” يؤكد على ذلك .
  • الثالثة : ان الثورات قد تحدث بسبب منافسات خارجية أو دولية عبر المجتمعات والأنظمة السياسية وبعد هزيمة عسكرية للنظام السابق ، ولذلك فان القائد للثورى يحاول ان يبنى دولة قوية وقدرات عسكرية للدفاع عن أنفسهم فى مواجهة الظروف الدولية العدائية ، او حتى لتصدير أيدلوجيتهم للخارج .

 

ويؤكد على النقطة الأولى ( Tullock) عام (1974 ) طبقا لاقتراب ” الفعل الرشيد ” أن مشاركة معظم الأفراد فى الثورات لا تكون نتيجة لدعم طرف ضد آخر وانما للمحافظة على حياتهم خلال هذا الصراع . وذلك لأن الطرف الفائز سوف يقوم بتعذيب وقتل معارضيه ومن ثم فان الناس العاديين يجب ان يكونوا تحت سيطرة الجانب الفائز . ففى الحروب الأهلية أو الصراعات الثورية ربما يساعد الإرهاب والتخويف ان ينتصر الجانب الأقوى حتى لو كان الأقل احتراماً لحقوق الإنسان ، ثم يكون من المتوقع بعد الثورة ان يكون أكثر دموية للحفاظ على قوتهم .

 

اما النقطة الثانية فهى ( Michels )  وهى خاصة بالقانون الحديدى للاوليجاركية والذى يؤكد على ان المؤسسة ربما تتسبب فى عدم المساواة والتسلطية بصرف النظر عن العقيدة والأيديولوجية المعلنة لهذا النظام أوالمؤسسة وان حاجة المؤسسة للقوة أكبر بكثير من حاجتها للمساواة بين الأفراد والبشر وهريرى ان الجماهير ربما تسقط انظمتها القديمة لتقع ضحية لنظم جديدة .

  • ومن وجهة نظر اخرى ان الثورات أو التمردات الناجحة تهدف الى تأسيس نظام سياسى جديد ، وان ما يشغل القادة هو كيفية تجنيد المشاركين فى التمرد الذين نظموا له واسقطوا النظام القديم وكيف يتم اعطاءهم حوافز لهم وانه لابد من اعطاءهم جزء من السلطة السياسية حتى يصبحوا هم الطبقة الحاكمة الجديدة . واذا حدث ذلك فان بناء واعادة بناء الاوليجاركية بعد الثورة لا تأتى فقط من الحاجة للمؤسسة والدولة وإنما من رغبة وادراك افعال القادة .

 

 

أما النقطة الثانية فهى تشير إلى البيئة الدولية للثورات.

وأوضحا الكاتبان أن (Skocplo) أكد على أن الثورة الفرنسية، والروسية، الصينية حدثت فى ظروف غير مواتية وكانت تنافس مع الدول الأخرى الأكثر تقدماً فى مجال الاقتصاد. فقد خسرت فرنسا حربهاً مع بريطانيا بعد سبع سنوات فى عام 1763 وكانت ما تزال تعانى من الآثار المالية والاقتصادية لجهود الحرب عندما بدأت الثورة. وخسر قيصر روسيا الحرب العالمية الأولى ضد ألمانيا (قبل أن تخسر ألمانيا نفس الحرب ضد أمريكا وبريطانيا وفرنسا) وخسرت الصين العديد من المناطق فى الحرب العالمية الثانية مع اليابان ( قبل أن تخسر اليابان الحرب مع الولايات المتحدة).

 

لذلك كانت النظم بعد الثورات فى هذه الدول ترغب فى المنافسة على المستوى الدولى. وتعمل على بناء دولة قوية قادرة على مواجهة الخطر الخارجى.

وتوصلا الكاتبان إلى أن الثورات تضحى بحياة الآلاف أو ملايين من البشر، وتقدم اللاجئين، ولم تعد مجتمعات لمساواة بين البشر وتعظيم الحريات وهذا ما حدث فى معظم ثورات القرن العشرين والتى قادتها كانوا شيوعين ولكنهم كانوا يرغبون فى بناء دولة أقوى مما كانت عليه سابقاً. وأن أحد أهم نتائج أحد الأبحاث الكمية عن أسباب الحروب أن هناك ارتباط قوى بين القوة والدخول فى الحرب أو أن القوى العظمى لديها مقاتلون عظام.

 

ولذلك أن الثورات عادة ما يتبعها خوض فى الحروب. وأنه ربما تؤدى الثورات إلى توتر دولى أو خارجى بسبب أن بعض هذه الثورات يريد تصدير الفكرة إلى الخارج أو جعلها عالمية.

 

وقد أوضحا الكاتبان أن تقيمهما لآثار الثورات يبدو متحيزاً من جانبين:

الأول: أنه ركز على ما تقوم به حكومات الثورات للأفراد من فقد للحياة والدخول فى حروب، ووجود حكم القلة ونقص للحريات.

الثانى: هو أن تقييمهما لانجازات الثورات عادة ما كان سلبى، فيما عدا قدرة القادة الثوريين لبناء دولة قوية أو جمع الموارد من الشعب ، وقدرة الدولة على الحرب أكثر كفاءة من ذى قبل مما يعتبر بعض الانجازات الإيجابية.

 

أما بخصوص الإجابة عن السؤال الثانى وهو عن الأداء الاقتصادى للدول والنظم ما بعد الثورات.

 

فقد ساقا الحجج والأفكار الآتية للرد على هذا التساؤل:

وقد بدأ هذا الجزء بأنه نظرياً يمكن التمييز بين اقترابين  كبيرين أحداهما يسمى (المصلحة العامة) أو (النفع العام) والأخر يسمى المصلحة الخاصة كمدارس للفكر.

وأنه أذا ادعى أحد الأفراد أن الثورات يتم تحريكها (أو تتم) بدافع النفع العام، إذاً لابد من حدوث تقدم فى الأداء الاقتصادى للمجتمعات الثورية، أما إذا ادعى أخر أن هذه الثورات تقوم على النفع الخاص، مثلاً إذا كان يريد هؤلاء الأفراد أن يكونوا فى الطبقة الحاكمة، إذاً المتوقع أن يكون الأداء الاقتصادى مخلخل، ولا يوجد استثمارات.

ومن أكثر الناس مدافعة عن نظرية النفع العام هو “كارل ماركس” الذى لخص نظريته فى كتاب ” إسهام فى نقد الاقتصاد السياسى” قائلاً ” أنه فى مرحلة معينة من مراحل التنمية نجد أن علاقات الانتاج المادية للمجتمع تتصارع مع العلاقات الحالية للانتاج ومن أنماط وأشكال التنمية تتحول هذه العلاقات إلى قيود. من ثم تبدأ مرحلة من الثورة الاجتماعية. وهذا التغيير فى الأساس الاقتصادى يؤدى ربما الأن أو لاحقاً إلى تحول هائل فى البنية الفوقية”.

 

وعلى الرغم من عدم التزام كارل ماركس لمصطلح (النفع العام) إلا أنه واضح من هذا الاقتباس أن الثورة أصبحت نفعاً عاماً. وإذا كانت نظرية ماركس صحيحة إذاً لابد أن يكون أداء الدول الاقتصادى بعد الثورات أفضل وذلك لكسر قيود الرأسمالية. وعندما تم تطبيق نظرية ماركس فى “نظرية التحرر” فى بعض الثورات الاشتراكية التى تغلبت على الاستغلال والظلم، إلا أن هذه الثورات لابد أن تقلل من عدم تساوى الدخول.

 

وبذلك ومنذ تأسيس المتنافسون الثوريون للحكومات الجديدة، والطبقات الحاكمة فهم يواجهون مشكلة “كيف يحاولون إنشاء مشروع جديد يتم جمع الناس حوله بعد أن ظهرت الأولويات الحقيقية لهم فى كسب السلطة وتكوين الحكومات وذلك لأن النفع العام لا يقاس   بتحليل الخطب البلاغية وإنما بتحليل إنجازات الثورة.

 

وقد أوضحا الكاتبان أن هناك عمل تطبيقى كمى ولكنه صغير وذلك لقياس آثار وتبعات الثورات وترجع ندرة وقلة هذا العمل إلى أنه بالرغم من عدم وجود اتفاق  على وجود قائمة للثورات، إلا أن هناك اتفاق على أنه حدث نادرومن ثم من الصعب قياسها خلال 200 عام بشكل تطبيقى أو نظامى. وهذا العمل كان لـ (Eckstien) (من عام 1982-1986) على ثورات أمريكا الجنوبية وكانت النتيجة القوية الى توصلت لها أنه فى بعض الحالات مثل المكسيك كانت الفجوة الزمنية كبيرة بين الثورة عام 1910 وبين تطبيق إعادة توزيع الأراضى عام 1930 على العكس من الثورة فى بوليفيا والتى كانت (ثورة من أعلى).

 

مما جعلها تستنتج أن العمال والفلاحين (الفقراء) لا يستفيدون عادة من هدم النظم القديمة وأن خبرة الثورة فى بيرو أثبتت أن العمال الريفيين والقرويين ربما يسفيدون حتى لو كان بعيداً عن السياسة ويحصلون على المزيد من الفوائد والعوائد عندما تكون الثورات من أعلى أسرع من الفوائد والعوائد عندما تكون الثورات من أسفل.

 

وبذلك فإذا كانت الثورة فى بيرو برهان على أنها ربما تكون بدافع النفع العام. فإنها أيضاً تثبت أن الانقلاب ربما يكون أكثر كفاءة أو أفضل طريقة للحصول على النفع العام من الثورات.

 

ومن ثم فقد استنتجا الباحثان أو الكاتبان أنه على الرغم من أن إعادة توزيع الأراضى أو الدخل من الطبقات العليا إلى المتوسطة أو الأقل ربما يفسرعلى أنه لصالح النفع العام. ولكن لا يعتبر العامل الحاسم فى الفصل بين النفع العام والخاص وذلك لأن أصحاب الأراضى والملاك من النخبة القديمة يشعرون أنهم ضحايا لهذه الثورة. وبذلك سحب الأراضى منهم وإعادة توزيعها على الأخرين يعتبر مثل نفعاً خاصاً للثوريين أنفسهم والسبب الأخر هو أن معظم هذه الثورات فى القرن العشرين كانت غالباً تتجه نحو تحويل المجتمعات من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ويمكن تصور أن الدول الشيوعية تحاول أن تساوى الدخول وفى نفس الوقت لا تهتم بمساواة الدخل النقدى، لأن فى هذه الدول ربما يكون الحصول على الخدمات أكثر أهمية من كم تحصل على النقود؟ مما يجعل هناك صعوبة فى الدراسات الكمية والتى تركز على رقم دخل الفرد، وبذلك فلا نستطيع أن نعرف إذا كان هناك إعادة توزيع للدخول تم بناءاً على النفع العام أم الخاص (نظرياً أو كمياً) وذلك لعدم وجود معلومات متاحة لذلك.

 

ولذلك حاولا الكاتبان أن يتطرقا لنقطة أخرى لقياس الأداء الاقتصادى لنظم الدول بعد الثورات وذلك بسبب عدم القدرة على القياس من خلال المساواة فى الدخول وذلك للأسباب التى أورداها فى المقالة وهى أن عدم المساواة فى الدخول تشير إلى الفقر النسبى وأن الدول الاشتراكية قامت من (أجل تحسين مستوى المعيشة) ولكن لابد من معرفة بعض التحذيرات:

أولاً: أن هناك العديد من الفلاحين الذين قتلوا فى هذه الثورات دون الاستفادة من عوائد أو نتائج هذه الثورات.

ثانياً: أن هناك مسارات وطرق أفضل لتحقيق نفس الإنجازات من خلال تأسيس مؤسسات ديمقراطية.

ثالثاً: أن الدولة الاشتراكية أصبحت عندها آثار سلبية على التنمية الاقتصادية أو النمو فى هذه الفترة لا يمكن أن تقلل من آثار الفقر المطلق.

 

ومن ثم اتجه الباحثان إلى نقطة أخرى لقياس الأداء الاقتصادى وهى معدلات النمو الاقتصادى  وهى الأكثر إفادة لمعرفة عوائد أو نواتج الثورة . ففى منتصف السبعينات إذا قارنا الاتحاد السوفيتى باليابان ربما لا نعلم من كان أقوى اقتصادياً ولكن عام 1990 أصبح لا يوجد مستوى لمقارنة الأداء الاقتصادى للاتحاد السوفيتى الضعيف.

وإذا قبل أحد بوجهة النظر أن الاقتصاد بدأ قوياً فى الستينيات ثم بدأ الوهن والضعف وبذلك لا تلام الثورة.

فإذا اتبعنا نظرية (Olson) عن نمو وتدهور الاقتصاد للأمم نجد أن الاتحاد السوفيتى بدأ تدهوره الاقتصادى نتيجة الفترة الطويلة للاستقرار السياسى وغياب ثورات أخرى من 1960 حتى 1980 وأن “التحالفات التوزيعية” تخلق “مؤسسات صلبة” التى تتدخل فى الكفاءة التوزيعية للاقتصاد وتقلل من معدلات النمو الاقتصادى وضرب مثال على دول الاتحاد السوفيتى ودول شرق أوربا التابعة له، وأنها لم تنجح فى مساواة الدخول ولا تحسين النمو الاقتصادى. وكيف أن توزيع الدخول فى بريطانيا أو السويد كان أكثر عدالة من الاتحاد السوفيتى” بولندا ,إذا تحولنا من روسيا الإتحادية إلى الصين  الشيوعية، نجد أن نجاح اقتصاد ما بعد الثورة يبدو رائعاً وجديراً بالملاحظة ولكن مع مرور الزمن والوقت  أصبح هناك دليل على أن المساواة فى الدخول قلت مباشرة بعد اتباع إصلاح  السوق  ولكن هذه الآثار لم تستمر ومن ثم عندما بدأت الصين  بالقيام باصلاحات اقتصادية عام 1979 وبدأت عملية طويلة من الانفتاح الاقتصادى وبالتالى حدث تقدم  هائل وخاصة فى النصف الأول  من هذا القرن وبذلك توصلا الكاتبان أنه يمكن الحكم على آثار الاصلاحات لاقتصاد السوق الموجه فى الدول التى مكثت فترة طويلة فى الشيوعية ، ويبدو أن الصين  تمثل  حالة خاصة ، فالشيوعية مازالت تحيا فى الصين ، ولكنها تأثرت بشكل أقل من دول شرق أوروبا  والتى كانت شيوعية  من قبل ويرجع ذلك الى سرعة الاصلاحات  والتفضيل المؤقت وأولوية الاصلاحات ( الاقتصادية أم سياسية ) وعدد السنين التى مكثها المجتمع تحت حكم الشيوعية مثل القيود على الملكية الخاصة والتخطيط المركزى.

 

وأرادا فى النهاية عمل ملخص عام عن الثورات من أسفل وأخرى التى من أعلى وذلك لمحاولات لتحويل النظام.

وفى محاولة للإجابة على السؤال الأخير وهو عن الرأس المال الاجتماعى ومدى تأثره بالثورات : فقد أكدا على ان هناك اتفاق عام على أن العمال الاكثر انتاجا عندما يتمتعون بالصفات البدنية القوية وكذلك الرأسمال الاجتماعى الذى ينتج من التدريب والتعليم.

 

وأنه يبدو من الهام جدا معرفة مدى اعتماد الانتاجية على هذه المعايير الاجتماعية ، وأن المؤسسات والقوانين لابد أن تخلق حوافز وعقوبات للإنتاج

وعندما عرف الرأس المال الاجتماعى على أنه هيكل العلاقات ما بين وداخل الأفراد .

وتم تعريف الثورات الاجتماعية على أنها تغير سريع وعنيف لا يمكن تجنب تدميره لجزء من الدعامة والمخزون للرأسمال الاجتماعى وتعتبر الثورة الأكثر سرعة وتغير جذرى هى الاكثر تدميراً للرأسمال الاجتماعى فى فترة ما بعد  الثورات ، ولذلك يعتبر النتيجة الطبيعية  للثورات لابد من فقد جزء من الرأسمال الاجتماعى والذى هو ناقص  بالأساس وغيرمكتمل.

ولأن التدمير أسهل وأقل عادة فى الوقت من اعادة البناء ولذلك كان من وجهة نظرهما أن النتيجة الحتمية للثورات هى فقد الانتاجية ولذلك نتوقع أن الثورات من أعلى مثل اليابان وتركيا والصين ، والتى تحد من أثار العنف بداية لها فرصة أفضل فى عملية الهدم والبناء المتزامتين واعادة بناء المجتمع .

 

وكانت الخلاصة بالنسبة لهما وما توصلا إليه من نتيجة أن الثورات تبيد حياة البشر ، وهى لا تعزز الحقوق أو تدعم الحريات وتدمر الرأسمال الاجتماعى بدون اعادته سريعاً واستبداله بشئ افضل وأن الانظمة بعد الثورات لم تستطع أن تقوم بآداء اقتصادى متميز وحتى لو حدث فإنه يكون لفترة قليلة ولم تستطع هذه الانظمة أن تتغلب على اللامساواة . وأن هذاالمقياس لنتائج الثورات يقودنا الى استخلاص أن هناك خط فاصل محتوم يقارن ويوازن بين التكلفة المؤكدة والحالية فى أغلى شيء وهو الحياة الإنسانية مقابل الفوائد غير المؤكدة والبعيد المنال .

 

وأكثر من ذلك فإن العوائد السلبية للثورات خاصة الاشتراكية  تبدو أنها مرتبطة مع بعضها  وتشترك فى عدم احترام الحرية الفردية وأن الحرية ذاتها ربما تقدر على انها رأسمال اجتماعى وتقليل أو إلغاء حقوق الملكية الخاصة وبناء مؤسسات  لدولة الارهاب وكل ذلك ربما يكون موجود فى نظم ما قبل الثورات وان النظم ما بعد الثورات تقيد الابداع وانتشار المعرفة وتقلل الحافز للعمل سواء مدخر المستثمر . وتقلل من احتمالية ان السياسات تكون قابلة للنقاش او النقد . ويؤدى هذا القمع الى مزيد من الاداء المتردى0

وبذلك فقد استطاعا الكاتبان أن يثبتا الفرضية الخاصة بهما وهى ان الثورات لها آثار سلبية ونتائج متردية على المجتمع  كله  سواء من حيث  القضاء على حياة الافراد ومنع الحريات والاداء الاقتصادى المتردى وتدمير رأس المال الاجتماعى لأى مجتمع وذلك من خلال الاجابه على التساؤلات الفرعية الثلاثة التى حدداها فى بداية المقال ولكن يبقى الحديث عما اذا كان ما تم طرحه مقنعاً علميا أم لا.

 

ومن وجهة نظر الباحث أن الكاتبان كانا متحاملان ( أو متحيزان) اكثر من اللازم على الثورات ونتائجها فليس كل الثورات تؤدى الى مثل هذه النتائج السلبية ، لأن الكثير من الثورات تكون بدافع التحرر من الظلم والقهر ، وكثيرمنها كان للتخلص من حكم استعمارى وبالتالى حصلت مثل هذه الدول على حريتها واستقلالها .

 

وأن الكاتبان أيضاً  متاحملان أو متحيزان ضد الاشتراكية وكل دولها ونتائجها وبذلك فهم كانو يقومون بالبحث عن الارقام والاحصائيات التى تخص هذه الدول فقط . من أجل اثبات الفرضيه الخاصة بهم من الاثار السلبيه لثورات .

 

وبالإضافة إلى ما سبق فإن العرض العلمى المحايد  لنتائج أى شيء لابد من ذكر الايجابيات والسلبيات معاً وعدم التركيز على السلبيات فقط مثلما فعل الكاتبان فان للثورات نتائج ايجابية لم يذكروا أى شيء منها سوى بناء دولة قوية تستطيع الخوض فى الحروب .

 (1) http:/rss.sagepub.com/ on. 10/11/2013

 (2) de.wikipedia.org/wik:/Erich-weede on. 31/10/2013

(3)  WC.arizona.edu/papers/old_Summer 95/June on. 31/10/2013

عن admin

شاهد أيضاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي - محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي – محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي ة الحداثية للتراثمحمد أركون نموذجاً                    م.د سامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *