الرئيسية / النظم السياسية / الأحزاب والجماعات / الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية
الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية
الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية

الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية

 الإسلام السياسي.. جدلية المصطلح والرؤية

محمد سلامة البسومي

 

في الآونة الأخيرة – ولا سيما بعد أحداث الربيع العربي –  بات يتردد مصطلح الإسلام السياسي بكثرة في الأوساط الإعلامية والسياسية والأكاديمية في العالم العربي، ليحمل معناً سلبياً تجاه تلك الحركات التي تتخذ من الفكر الإسلامي منطلقاً للمشاركة السياسية، فعندما يتم ذكر مصطلح الإسلام السياسي، فغالباً ما يتبادر إلي ذهن البعض تلك الحركات الإسلامية الراديكالية، التي تحمل افكاراً متطرفة، وبالتالي يجب إقصاءها من المشاركة في الحياة السياسية. وعلي الجانب الأخر هناك فئة ليست بالقليلة لا زالت تنظر نظرة تفاؤلية تجاه الحركات الإسلامية وترفض إقصاءها من المشهد السياسي.

 

  • ماذا يعني مصطلح الإسلام السياسي؟

ومصطلح الإسلام السياسي هو مصطلح سياسي وإعلامي واكاديمي، استخدم لتوصيف حركات تغيير سياسية تؤمن بالإسلام باعتباره نظاماً سياسياً للحكم.

ويمكن تعريف الإسلام السياسي باعتباره مجموعة من الأفكار والأهداف السياسية النابعة من الشريعة الإسلامية، والتي يستخدمها ما اصطلح علي تسميتهم  “الإسلاميون”، الذين يؤمنون بأن الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما عبارة عن نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات دولة.

 

  • تاريخ مصطلح الإسلام السياسي:

يعد مصطلح الإسلام السياسي مصطلحاً حديث النشأة، حيث ظهر في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين علي يد الاكاديميين الغربيين – وبخاصة الأمريكان-  وكان ظهوره بداية نتيجة لعدة أسباب منها:

  1. انتشار الجماعات الصوفية الإسلامية في العالم الإسلامي والتي عمدت إلي عزل نفسها عن السياسة وما يتعلق بها من صراعات.
  2. وجود الاستعمار الغربي في العالم العربي، وهو ما أدي إلي شعور البعض بحالة الضعف والهوان التي تعيشها الأمة، بالإضافة إلي شعورهم بخطر الاستعمار علي الهوية الإسلامية، وبالتالي ظهرت حركات الإسلام السياسي رداً علي هذا العدوان ومستهدفة العودة بالأمة إلي أمجادها القديمة (كما يعتقدون).
  3. انهيار الدولة العثمانية عقب الحرب العالمية الأولي وقيام مصطفي كمال أتاتورك بتأسيس الجمهورية التركية علي النمط الأوربي وإلغائه لمفهوم الخلاف الإسلامية، وذلك ما أدي إلي إنشار أفكار مفادها ” أن تطبيق الشريعة الإسلامية في تراجع وأن هناك نكسه في العالم الإسلامي ” .
  4. المستوي الاقتصادي المتدني لمعظم الدول في العالم الإسلامي ، وهو ما أدي إلي ظهور الأفكار التي ادعت بأن التخلف والتردي في المستوي الاقتصادي يعود إلي ابتعاد المسلمين عن التطبيق الصحيح لنصوص الشريعة الإسلامية ، وتأثر حكوماتهم بالسياسة الغربية.
  5. وأيضاً لعبت القضية الفلسطينية والصراع العربي- الإسرائيلي دوراً كبيراً في بروز أفكار الإسلام السياسي.

 

وتجدر الإشارة إلي أن مصطلح الإسلام السياسي ليس أول المصطلحات التي استخدمت لوصف الأفكار التي يعتنقها ما جري تسميتهم “الإسلاميين” ، حيث استخدمت مصطلحات أخري مثل: الإسلام الأصولي، والإسلام الراديكالي، والإسلاميون المتطرفون، حيث يعتبر مصطلح الإسلام الأصولي من أول المصطلحات التي تم استعمالها لوصف ما يسمي اليوم “إسلام سياسي” ، حيث عقد في سبتمبر ١٩٩٤ مؤتمر عالمي في واشنطن تحت عنوان “خطر الإسلام الأصولي علي شمال أفريقيا” وكان المؤتمر عن السودان وما وصفه المؤتمر بمحاولة إيران نشر “الثورة الإسلامية” إلي إفريقيا عن طريق السودان، وفي التسعينيات وفي خضم الأحداث الداخلية في الجزائر تم استبدال هذا المصطلح بمصطلح “الإسلاميون المتطرفون” ، واستقرت التسمية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ علي مصطلح “الإسلام السياسي”  ، وبعد أحداث الربيع العربي تنوعت المصطلحات التي استخدمها الساسة والزعماء لوصف ظاهرة رغبة الإسلاميون في الوصول إلي السلطة بين مصطلح “الإسلام السياسي” ومن ذلك قول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في لقائه بترامب سبتمبر ٢٠١٩: “ستظل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار الحقيقي طول ما في إسلام سياسي يسعي للوصول إلي السلطة في بلادنا”، ومصطلح “الإرهاب الإسلامي” وهو ما ذكرته المستشارة الألمانية ميركل في احدي خطاباتها: “إن الاختبار الأكبر بدون أدني شك هو الإرهاب الإسلامي، والذي كان يستهدف الألمان منذ سنوات عديدة”. أما عن مصطلح “الإسلام المتطرف” فهو ما ذكره ترامب في خطابه بعد اداءه اليمين الدستورية: “ستقوم الولايات المتحدة باستئصال الإسلام المتطرف وستوحد العالم ضده”.

 

  • اشكاليات استخدام مصطلح الإسلام السياسي:

 

وكغيره من المصطلحات غربية المنشأ، فإن مصطلح الإسلام السياسي قد قوبل بالتأييد من قبل البعض وبالرفض التام من قبل البعض الأخر، وفيما يلي نستعرض الرأيين المؤيد والمعارض لمصطلح الإسلام السياسي، وذلك علي النحو التالي:

 

  • الرأي المعارض لمصطلح الإسلام السياسي:

تتمحور مواقف الكثير من الباحثين في رفضهم لاستخدام مصطلح الإسلام السياسي؛ لكون هذا المصطلح غربياً، فهو محل شك مثله مثل الكثير من نواتج الغرب.

وهناك من يعارض استخدام المصطلح؛ لكونه يري أن هناك انحياز علماني لمصطلح الإسلام السياسي؛ لأنه يوحي بأن الإسلام بطبيعته غير مسيس وأن هناك اختزال للدين الإسلامي، فهذه الفئة تري بشمولية الإسلام، وأن الإسلام منهج للحياة أنزله الله لعباده الذين خلقهم وعرف ما يصلح لهم فأنزل لهم شرائع لا تصلح دنياهم إلا بتطبيقها، وبالتالي لا يمكن أن يكون هناك مجال من مجالات الحياة ليس للدين فيه ذكر، وبالتالي فليس هناك إسلام سياسي وإسلام اجتماعي وأخر اقتصادي، بل هو إسلام واحد شامل لكافة مناحي الحياة.

 

وفي هذا الشأن يشير الدكتور محمد عماره في كتابه “الإسلام والسياسي والتعددية السياسية من منظور إسلامي” إلي عدم ارتياحه إلي استخدام هذا المصطلح خوفاً من شبهة اختزال الدين في السياسة، ويشير أيضاً صدر الدين البيانوني فيما يخص مصطلح الإسلام السياسي إلي أنه: “مصطلح ناشئ اصلاً عن الجهل بالإسلام، ذلك الدين الذي جاء بالعقيدة والشريعة، خلافاً للمسيحية التي جاءت بالعقيدة فقط، ونادت المسيحية بإعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر”.

 

ويلخص زهير سالم  -وهو أحد المفكرين الإسلاميين-  رأي هذه الفئة المعارضة في قوله: “هذا المصطلح وضع لتمييز فئة معينة في البداية، ثم بعد ذلك تفصيل التهمة لهم، ثم تنفيذ الحكم فيهم، فهم (يقصد الغرب) لن يستطيعوا محاربة المليار ونصف دفعة واحدة وإنما لابد من تقسيمهم إلي خنادق، لا سيما وأن هذا القرن هو قرن محاربة الإسلام -أو كما يطلقون عليه ” الخطر الأخضر”- وذلك بعد زوال الشيوعية “الخطر الأحمر”، وعلي ذلك فقبول هذه المصطلحات علي أنها أمر واقع والتماهي معها خطر كبير يهدد تماسك هذه الأمة ووحدتها، وبالتالي يجب أن توقف عن حالة غيرنا نفصل ونحن نلبس”.

 

  • الرأي المؤيد لمصطلح الإسلام السياسي:

رغم كل الانتقادات التي وجهت للمصطلح ومستخدميه، إلا أنه ظل واسع الانتشار والرواج، ولا يزال يستخدم من قبل فئة عريضة من الناس لا تري في استخدامه أية مشكلة (لا سيما التيارات العلمانية).

 

كما أن المصطلح يلقي أيضاً تأييداً من قبل بعض “الإسلاميين”، حيث يرون أن هذا المصطلح لا ينفي شمولية الإسلام بل يثبتها، ويوضح أيضاً الدور الحقيقي للإسلام، وليس الدور المرسوم له من قبل اعدائه. ومن هؤلاء الدكتور مصطفي محمود، حيث يقول في كتابه “الإسلام السياسي والمعركة القادمة”: “حينما يصرح الساسة في الغرب بأنهم لا يعادون الإسلام، وأنهم ليسوا ضد الإسلام كدين، فإنهم يكونون صادقين بوجه من الوجوه، إذ لا مانع عندهم ابداً من أن نصلي ونصوم ونحج، ونقضي ليلنا ونهارنا في التعبد والتسبيح والابتهال والدعاء، ونقضي حياتنا في التوكل، ونعتكف ما نشاء في المساجد، ونوحد ربنا ونمجده ونهلل له، فهم لا يعادون الإسلام الطقوسي، إسلام الشعائر والعبادات والزهد ولا مانع عندهم في أن تكون لنا الأخرة كلها، فهذا أمر لا يهمهم ولا يفكرون فيه بل ربما شجعوا علي التعبد والاعتزال، وحالفوا مشايخ الطرق الصوفية، ودفعوا لهم وعنهم، ولكن خصومتهم وعدائهم هي للإسلام الأخر الإسلام الذي ينازعهم الدنيا، ويطلب لنفسه موقع قدم في حركة الحياة (يقصد الإسلام السياسي)”. ولذا ظهرت الكثير من الآراء التي أوضحت مبررات استخدام مصطلح الإسلام السياسي، وظهرت التعريفات التي تري فيه مصطلحاً مناسباً لتوصيف الظاهرة.

 

ومما تقدم يتضح أن مصطلح الإسلام السياسي، هو ذلك المصطلح السحري القادر علي تقسيم الناس إلي فريقين، فريق يعارض استخدام المصطلح ويري في الإسلام الطريق الأمثل لتحكيم شرع الله ولإنفاذ إرادة الله علي عباده وفي أرضه، وفريق يؤيد استخدام المصطلح ويري فيه (اي الإسلام السياسي) سبيل إلي المتاجرة بالدين والارتزاق به وتوظيف هذا الدين العظيم في غير ما شرعه الله.

عن admin

شاهد أيضاً

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية دعوة لتقديم المقترحات برنامج المنح البحثية (الدورة الثامنة)  “الصحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *