الرئيسية / العلاقات الدولية / الجيوبوليتيك - جيوسياسية / إسهامات العلماء المسلمين في تطوير علم الجغرافيا
إسهامات العلماء المسلمين في تطوير علم الجغرافيا
إسهامات العلماء المسلمين في تطوير علم الجغرافيا

إسهامات العلماء المسلمين في تطوير علم الجغرافيا

إسهامات العلماء المسلمين في تطوير علم الجغرافيا

د.إبراهيم محمد احمد البلولة

مدخـــــــل :
كان من شأن الإسلام ، وهو يرشد الإنسان إلى صلاح أمره في الدنيا ، ويبصره طلباً وترسيخاً للحياة الأفضل ، أن يستشعر جدوى التفكير الجغرافي ، وأن يتبناه وصولاً إلى التفاعل الأفضل بين الناس والأرض ، وإلى التعايش الأحسن الذي ينتصر لإرادة الحياة في كل مكان . وصحيح أن الفكر الجغرافي في أحضان الإسلام لم يبدأ من فراغ . ولكن الصحيح أيضاً أن الإسلام قد أباح للمفكرين المسلمين استيعاب التراث الجغرافي القديم ، لكي تكون الإضافة إليه حلقة تربط بين جغرافية الماضي وجغرافية الحاضر .
ونريد هنا أن نؤكد على أن الإسلام قد دعا المسلمين إلى النظر في السموات والأرض وإلى تأمل الكون وظاهرات الطبيعة وسقوط الأمطار ونمو الأعشاب والأشجار وتعاقب الليل والنهار لقوله تعالى : (إنّ في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كلّ دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخّر بين السماء والأرض لآياتٍ لقوم يعقلون)(1) وخسوف القمر وكسوف الشمس وبدء الخلق وتطوره ، ودعا إلى السفر والترحال والسياحة في الأرض وتأمل خلق الله واختلاف الألسنة. ودعا إلى التدبر والتعقل لاكتشاف أسرار المخلوقات وتعظيم الخالق المصور سبحانه وتعالى . قال تعالى : (وهو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كلّ الثمرات إنّ في ذلك لآياتٍ لقومٍ يتفكرون)(2) .
ومن أجل أن نتبين كيف تبنى الإسلام الفكر الجغرافي ، ومن أجل أن نسبر غور هذا الفكر الجغرافي المتطّور ومن أجل أن نتابع مسيرة وأهداف واهتمامات المفكرين المسلمين بالمكان في الزمان ، ومن أجل أن نستطلع بعض الإضافات الموضوعية التي أثرت الفكر الجغرافي عند المسلمين ، نكتب هذا البحث وهو في تقدير الباحث محاولة متواضعة ، لحساب المكتبة الجغرافية العربية الحديثة.

أولاً: قبل الإسلام :
عرف عرب الجاهلية مطالع النجوم ومغاربها ، وحددوا منازل القمر بين النجوم بثمانية وعشرين منزلاً أطلقوا عليها منازل القمر وأعطوا لكل منزل منها اسماً عربياً خالصاً (3).
استطاع العرب التنبؤ بحالة الطقس وتحديد الفصول بمراقبة طلوع ومغيب نجوم معينة ، وعرفوا ذلك باسم الأنواء ، ولهم في ذلك أوصاف مختصرة لجميع الأنواء الثمانية والعشرين(4) ، قد جمعها الجغرافيون في كتب الأنواء (ابن خردازيه والدنيوري) .
وعرفوا كوكبي الزهرة وعطارد . كما عرفوا ما لا يقل عن 250 نجماً منها الجدي والسها والثريا والجوزاء .
وبمداومة الملاحظة لتلك التغييرات أمكنهم تقدير الزمن وتوقيت الساعات ، ويُقال أنهم كانوا على دراية كافية بالتقويمين ، القمري والشمسي (5).
وربما أسهم بعض الجغرافيين العرب بنصيب في جغرافية الإغريق والرومان (وبغير اللغة العربية) منهم ايزيدور الكركنسي ، الذي ترك لنا وصفاً لطرق القوافل بين أنطاكية وحدود الهند في كتاب المحطات البارثية . ومنهم أورانيوس كلاكوس . وهؤلاء جميعاً عاشوا حوالي القرن الأول للميلاد ، وكانوا من سكان جراكسي وهي مدينة تجارية كانت تقع عند قمة الخليج العربي وربما كانت المحمرة حالياً(6).
ونسمع عن عرب أقدمين تعلموا في مدارس رومانية وفارسية وهندية ، فحارث بن كلدة الذي وُلد في الطائف قبل مولد الرسول () ببضع سنين درس الطب في مدرسة جنديسابور ومنها سافر إلى الهند ومن ثمّ انتقل إلى صنعاء حيث قام بتدريس الطب في مدرستها المعروفة في ذلك الوقت . كما يُروى أن عمرو بن العاص جاء في شبابه إلى مصر تاجراً وزار الإسكندرية ولمس غنى هذه المدينة العظيمة(7).
أشاع رجال الكنيسة الرعب بين المفكرين وحرمت التفكير الجغرافي من الحرية ومظلة الأمن وحكمت بالموت على من لا ينصاع لإرادة الكنيسة وأهدرت دمه ، واستسلم الفكر الجغرافي القديم للكبت وافتقد المفكرون الحرية والإبداع والإضافة إليه وأصبح فكراً مهجوراً زهاء الثمانية قرون من عمر الحياة . وتولى الإسهام الذي أخذ بمنطق الكنيسة إغراق الفكر الجغرافي المسيحي في بحرٍ من التخريف والجهالة ، وإخراج الفكر الجغرافي السليم من الطريق الصحيح (8).

ثانياً: صدر الإسلام :
كانت الفتوح الإسلامية مصدراً خصباً لكثير من القصص الموضوعة عن انتشار القبائل العربية وأصولها والتصورات الجغرافية للعالم ، حيث يختلط الواقع بالأسطورة وتحدثنا الروايات في ذلك العصر عن الرحلات الرائدة إلى بلاد الروم ، وخاصة مدينة القسطنطينية ، وكهف الرقيم الذي يرقد فيه أهل الكهف .
وقد أدي ذلك إلى ظهور أدب الفضائل ، أي محاسن البلاد والشعوب ، وقد حفظ لنا المسعودي أنموذجاً من الفضائل يقترن باسم الخليفة سيدنا عمر بن الخطاب () الذي كتب لقائده سعد بن أبي وقاص بعد واقعة القادسية قائلاً (إنا أناس عرب وقد فتح الله علينا البلاد ، ونريد أن نتبوأ الأرض ونســــكن الأمصـار فصــــــف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما يؤثره الترب والأهـــــوية في سكانها)(9).
ففي صدر الإسلام اهتم الخلفاء الراشدون بالفتوح الإسلامية لنشر الدين وتثبيت دعائم الحكم الإسلامي ولذلك لم تكن الفرصة مواتية لنهضة علمية أو تقدم ثقافي رغم اتساع مدى السيادة العربية على أقطارٍ وأممٍ ذات حضارةٍ عريقة .
وفي أقل من خمسين عاماً بعد وفاة الرسول () أخذ في الانتشار وصف تخطيطي فريد للمعمورة منسوب إلى عبد الله بن عمرو بن العاص (صوّر الدنيا على خمسة أجزاء كرأس الطير والجناحين والصدر والذنب، الرأس الصين ، الجناح الأيمن الهند ، والجناح الأيسر الخزر ، وصدر الدنيا مكة والحجاز والشام والعراق ومصر والذنب المغرب .
وفي صدر الإسلام أيضاً نجد ابن عباس (يحدد طول الأرض وعرضها (4ألف) فرسخ (الفرسخ 3 أميال عربية) ومساحة سطحها (10مليون) فرسخ مربع .
أما سيدنا علي بن أبي طالب يقول أنّ امتداد الأرض خمسمائة سنة المعمور منها مائة سنة فقط.
وفي عام 749م وُلدت الدولة العباسية ولم تمض كثيراً حتى كانت المؤثرات ذات الجوانب العديدة قد أثمرت المرحلة الأولى من العصر الحقيقي للثقافة الإسلامية ، ويعتبر عصر الخليفة المأمون من أزهى عصور الدولة الإسلامية بل أنه هو أوج الازدهار في التقدم العلمي .
نشطت في عهد المأمون حركة الترجمة لمختلف أنواع التراث الحضاري للأمم ذات المدنيات العريقة وكانت بغداد مركزاً لهذه الحركة ، والجدير بالذكر أن الجغرافيا عند العرب كانت لها أصول نشأت عنها ، واستمدت مقوماتها منها . وتتمثل هذه الأصـــول في ثلاثة مــــن المؤثرات الخارجية هي : اليونانية ، الهندية ، والفارسية (10).
(1) الأصول الهندية :
تتمثل في كتاب سماه العرب (السندهند) وهو عبارة عن رسالة في الفلك أحضرها عالم هندي فترجمت إلى اللغة العربية . وأخرج الخوارزمي كتاباً سماه (السندهند الصغير) على أساس النظام الهندي .
وقد استفاد من هذه الرسالة كبار البحاثة العرب أمثال البيروني ، واستمر الاهتمام بهذا المذهب في تاريخ الخلافة العربية فترة أطول .
(2) الأصول الفارسية :
يتضح أثر الأصول الفارسية من خلال المصطلحات الفلكية التي دخلت في مجال الاستعمال العلمي عند العرب مثل كلمة (زيج) التي تُطلق على الجداول الفلكية ، والإختراعات التي حسنها العرب مثل (الاسطرلاب الساعة المائية وذات الأوتار – والمزاول الشمسية وأنواع من البوصلة).
(3) الأصول اليونانية : وهي تتمثل في المذهب اليوناني الذي بدأ يضيِّق الخناق على المذهبين الهندي والفارسي.
بدأ العرب في العصر العباسي يجمعون بين الاستيعاب النظري لعلوم اليونان والتطبيق العلمي لنظرياتها في أبحاثهم المستقلة .
الجوانب الفلكية في الجغرافيا العربية :

(1) مركز الأرض في الكون :
قام العرب بترجمة كتاب المجسطي لبطليموس إلى اللغة العربية ، وظلت نظريته تحيا بين العرب حتى القرن الثاني عشر الميلادي ، وخلاصة النظرية (أنّ الأرض كرة قائمة في الفضاء على لا شيء، وهي واقعة في مركز الكون بحيث تدور حولها الشمس والقمر والنجوم السيارة وغير السيارة دورة كاملة كل يوم من الشرق إلى الغرب كما يظهر لعين الناظر فهي تدور فوقها نهاراً وتحتها ليلاً).
ويرى بطليموس أيضاً أنّ القمر أقرب الأجرام السماوية إليها وأنّ مداره أقرب الأفلاك جميعاً إلى الأرض ويعلوه فلك عطارد ثم فلك المشترى ثم فلك زحل ثم فلك النجوم الثوابت ، فالكواكب العلوية هي : المريخ والمشترى وزحل ، أما الكواكب السفلية فهي : الزهرة وعطارد والقمر .
وشبّه ابن الفضل الأرض بأنها كالمحة في جوف البيضة في القشر .
(الأرض في جوف الماء ، والماء في جوف الهواء ، والهواء في جوف فلك النار الذي هو الأثير ، وفلك النار في فلك القمر وفلك القمر في فلك عطارد ، وفلك عطارد في فلك الزهرة ، وفلك الزهرة في فلك الشمس ، وفلك الشمس في فلك المريخ ، وفلك المريخ في فلك المشترى ، وفلك المشترى في فلك زحل ، وفلك زحل في فلك البروج الذي هو الكوكب . وتلك الأطلس.
(ورأى فلاسفة الإسلام الكوكب هو الكرسي وانّ الأطلس هو العرش) .
أما بالنسبة لوقوف الأرض وسط الهواء يعلل ذلك أخوان الصفا بالآتي :
1- جذب القلب لها من جميع جهاتها بالتساوي .
2- الدفع من كل الجهات .
3- جذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات .
4- خصوصية الموقع اللائق بها .

(2) شكل الأرض : سلّم العرب بمبدأ كروية الأرض ، وأخذوا يتلمسون من الأدلة والبراهين على ذلك :
(أ) سطح الأرض محدّب وليس مستقيماً ولا مقعّراً ، واعتمد العرب في ذلك على وضع النجم القطبي .
(ب) ظل الأرض الواقع على سطح القمر في حالة الخسوف يظهر مستديراً .
(ج) ظهور أعالي الأشياء قبل أسافلها .

(3) حركة الأرض :
من نظريات بطليموس في كتابه المجسطي والتي اعتنقها العرب بعد ذلك ؛ تفسيره لعدم انتظام الشمس والقمر والكواكب الأخرى ومساراتها حول الأرض ، مما ينشأ عنه ظهورها إلى العين بأحجام مختلفة في دورات منتظمة.
ومعنى ذلك كله (أنّ الأرض ساكنة لا تتحرك وأنّ الشمس والقمر والكواكب هي التي تدور حولها).
شكّك بعض العلماء العرب في هذه النظرية وتحدثوا عن حركة الأرض من أمثال البيروني ، وسعيد السنجاري .
ويبدو أن الجغرافيين العرب الذين اعتقدوا في دوران الأرض قد أمكنهم أن يتصوّروا اختلاف وضع الأرض بالنسبة للشمس ثم تأثير ذلك في الأرض . ويقرر أبو الفدا اختلاف الزمن بين الشرق والغرب بما هو بمقدار ساعة لكل خمسة عشر درجة طولية .

(4) أبعاد الأرض :
عند ترجمة كثير من كتابات الهنود والإغريق لاحظ الخليفة المأمون وكذلك الجغرافيون العرب وجود تضارب في الأقوال بشأن مقدار محيط الأرض . فأمر المأمون طائفة من علماء الفلك بإجراء قياسات جديدة لدرجة من خط منتصف النهار (خط الزوال) لتقدير طول محيط الأرض تقديراً صحيحاً .
وهذه تجربة جديرة بالإكبار حيث لم تجر هذه المحاولة منذ أقدم العصور سوى ثلاث مرات هي: (1) محاولة أراتوستين (2) محاولة بطليموس (3) محاولة قام بها العرب كانت نتيجتها تقدير طول محيط الأرض (40.253كلم) ( ½56 ميل طولاً للدرجة الواحدة).
ويبدو أن الفلكيين العرب أول الأمر استفادوا من طرق الهنود والإغريق في إيجاد دوائر العرض ومن هؤلاء (الخوارزمي ، والفرغاني ، والبتاني) .

(5) المعمور من الأرض :
المذهب الهندي والمذهب الفارسي حددا أنّ النصف الشمالي من الأرض هو المعمور ، أما المذهب اليوناني أوضح أنّ المعمور من الأرض فقط من جهة الشمال أي النصف الشمالي .
وهذا هو الذي اعتنقه العرب ثم زعموا أنّ الثلاثة أرباع الباقية من الأرض إّنما هي غير معلومة الأحوال . ولكن الغالب أنها مغمورة بالماء .

(6) الأقاليم السبعة :
قسّم العرب المعمور من الأرض سبعة أقسام سموها أقاليم ابتداءاً من خط الاستواء واختلفوا في مدى الحد الذي تنتهي عنده أقصى الشمال (سهراب 50ْ شمالاً وابن خلدون 64ْ شمالاً ، والإدريسي 63ْ شمالاً ..الخ) . وكل هذا مستمدٌّ من كتاب بطليموس (الجغرافيا) سبعة أقاليم أضاف إليها الإدريسي إقليماً ثامناً يمتد جنوب خط الاستواء، وهو الذي ينبع منه النيل (حتى الدرجة 16ْ ج) .
الإدريسي جعل الإقليم الأول يبدأ من خط عرض صفر حتى 23 شمالاً ومن بعده خمسة أقاليم عرض كل منها 6درجات أما الإقليم السابع بين (54ْ ، 63ْ) وقسّم الإدريسي كل إقليم إلى 10 أقسام متساوية من الغرب إلى الشرق ووضع لكل من الأقسام السبعين خريطة .

اتجاهات المسلمين الجديدة في تطور الفكر الجغرافي :
لقد كشفت رحلات المسلمين النقاب عن أرض أوروبا ، وعمّقت التعامل معها وانتشار الإسلام فيها مما أدى إلى المعرفة الجغرافية ببعض مساحات الأرض . كما كشفت أيضاً النقاب عن أرض الصين ، وعمّقت التعامل معها وانتشار الإسلام فيها ممّا أدى كذلك إلى المعرفة الجغرافية عنها قبل أن يفد إليها من أوروبا (ماركوبولو) في القرن الثالث عشر الميلادي .
كما كشفت رحلات المسلمين الجماعية ، التي عبرت الصحراء الإفريقية واستوطنت في النطاق السوداني ، النقاب عن مساحات كبيرة ، وعمّقت المعرفة الجغرافية بها ، بل لقد أفلحت الرحلات الفردية التي أوغلت جنوب نطاق السودان في كشف النقاب عن القلب الإفريقي ، قبل أن يفد إليه الكشف الجغرافي الأوروبي في القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي .
وقد تولّى بعض الصفوة من الجغرافيين المسلمين ، إيداع وترسيخ مفاهيم جديدة ، في كتاباتهم الجغرافية . وهذا معناه أنّ الجغرافيين المسلمين تحولوا من القبول الصامت للظاهرة الجغرافية ، إلى إعمال العقل وإثارة التساؤل الذي يبحث عن السبب أو التفسير المعقول .
ولكي نضرب المثل ، فنتبين ماهية التفسير ، وكيف يتجه إلى تعميق الفكرة الجغرافية نذكر هنا ثلاثة نماذج من صميم اجتهادات الجغرافيين المسلمين والكتابة الجغرافية التي يحتويها التراث العريق . وهذه النماذج هي :
1- من كتابات البيروني ، نورد التفسير الذي ذكره ، وهو يكتب عن سهول الهند . وقد صوّر كيف كان دور الإرساب في تكوين هذه السهول ، في بعض المساحات التي كانت غاطسة تحت مستوى سطح البحر .
2- من رسائل أخوان الصفا في بعض الدراسات الجغرافية ، نتبين كيف تتلمس الدراسة التفسيرية . وهناك اكثر من تفسير ممتاز ، نذكر منها الاجتهاد الذي يفسر المطر التضاريسي والاجتهاد الذي يفسر دور الإرساب البحري في تكوين سلاسل الجبال ، والاجتهاد الذي يفسر كسوف الشمس وخسوف القمر .
3- من كتابات المسعودي ، التي تناولت البحر وظاهرة المد والجزر ، نجد تفسيراً جيداً . ويقود هذا التفسير إلى إدراك حقيقة الاتصال بين البحار والمحيطات ، وكيف تنتشر فيها المياه على منسوبٍ واحد .
ومن الاتجاهات والمفاهيم الجديدة ، التي تولّى بعض الجغرافيين المسلمين إيداعها وتوجيه البحث إليها ، هو الاتجاه الهادف إلى التصنيف الموضوعي ، في دراسة الظاهرة الجغرافية .
وهناك أكثر من محاولة جادة ، استهدفت التمييز الموضوعي ، بين الكتابة الجغرافية عن الظاهرة الفلكية ، والكتابة الجغرافية عن الظاهرة الطبيعية والكتابة الجغرافية عن الظاهرة البشرية.ولكي نضرب المثل ، لنتبين ماهية التصنيف الموضوعي ، وكيف تبني الفكر الجغرافي الإسلامي هذا التصنيف ، نذكر ثلاثة نماذج معينة من صميم اجتهادات الجغرافيين المسلمين ، والكتابة الجغرافية التي يحتويها التراث العريق . وهذه النماذج هي :

(1) من كتابات البيروني وابن سينا وغيرهم ، نتبين كيف كان الاهتمام بالكتابة التي تعالج الظاهرة الفلكية والاتجاه الهادف إلى دراسة الأرض في إطار الكون ، ومناقشة البيروني لشكل الأرض وتحديد حركاتها وتقدير خطوط الطول ودوائر العرض ، يعطي الانطباع الذي يصوِّر خصائصه ، فيها تصوير عن جدية البحث والإدراك الجغرافي لهذه الظاهرة التي نالت الاهتمام .
(2) من كتابات إخوان الصفا والبيروني والمسعودي وغيرهم من الجغرافيين المسلمين نتبين كيف كان الاهتمام بالكتابة الموضوعية ، التي تعالج الظاهرة الطبيعية ، والاتجاه الهادف إلى دراسة الأرض موطن الحياة . ودراسة البيروني لتضاريس آسيا ومتابعة امتداد السلاسل الجبلية ، ومناقشة سقوط المطر وطبيعته في الهند ، تعطي الانطباع الذي يصوِّر جدية البحث ، وهو يعالج هذه الظاهرات الطبيعية .
(3) ومن كتابات ابن خلدون في مقدمته ، ومن غيره من الجغرافيين المسلمين نتبين كيف كان الاهتمام بالكتابة الموضوعية ، التي تعالج الظاهرة البشرية ، والاتجاه الهادف إلى دراسة الإنسان في أحضان الأرض ، ودراسة ابن خلدون في البيئة وحياة الإنسان في هذه البيئة ، ومدى خصائص هذه البيئة ، تعطي الانطباع الذي يصوِّر جدية البحث ، وهو يعالج الظاهرة البشرية .
ولكي نتبين قيمة هذا التراث العلمي الضخم ، الذي أثرى المكتبة العربية الإسلامية ، وتولّى الجغرافيون المسلمون إعدادها ينبغي أن نميّز بين :
(1) كتب في الجغرافية الفلكية (2) كتب في الجغرافيا الوصفية العامة (3) كتب في الجغرافيا الوصفية الخاصة (4) كتب في شكل معاجم جغرافية (5) كتب في شكل موسوعات عامة (6) كتب في الرحلات الجغرافية .

مكتبة المسلمين الجغرافية :
أولاً : كتب في الجغرافية الفلكية :
(أ) البيروني (القانون المسعودي) في الفلك والرياضيات واهتم بمناقشة شكل الأرض واستدارتها وتحركاتها وخطوط الطول والعرض .
(ب) ابن سينا مجموعة رسائل في الجغرافية الفلكية .
(ج) ابن رشد كتب كتاباّ عن حركة السموات وكتيباً مختصراً لكتاب المجسطي .
(د) البطروجي له كتابات تناقض بطليموس وتعارض فكره عن الجغرافيا الفلكية . وهو أول من قال بالحركة الدائرية للكواكب ودورانها حول الشمس .
من رواد الجغرافيا في هذه المرحلة الأولية فريق تطلع إلى السماء واجتهد ، وصرف الاهتمام كله إلى معرفة وضع الأرض في الكون . ومن ثم صبّ كل اجتهاده الجغرافي المثمر ، في الكتابة الجغرافية الفلكية . ومن مثل هذه الكتابة الجغرافية الموضوعية ، ينتفي الخلط ويفتقد التداخل بين التسجيل الجغرافي الذي يستطلع وضع الأرض في الكون ، والتسجيل التاريخي الذي يتابع قصة الحياة ومسيرتها على الأرض وقد انتفع هذا الفريق بالمراصد التي أقيمت ، لكي يراقب العلماء منهم أجرام السماء ، ونذكر من هذه المراصد ، مرصد جند يسابور ، ومرصد المأمون في سهل تدمر ، ومرصد جبل قيسون في الشام . كما انتفع هذا الفريق أيضاً بثمرات التقدم في علوم الرياضيات والحساب . وقد هيأت هذه المراصد والعلوم الرياضية لهذا الفريق الفرص لكي يخوض التجربة الفلكية لإخراج تسجيله عن الأرض .

ثانياً : كتب في الجغرافيا الوصفية العامة :
وهي تسجل المعرفة الجغرافية عن الأقطار والأمصار وكتب مشهورة ضائعة : (1) كتاب المسالك والممالك لأبي عبد الله محمد بن أحمد الجيهاني (2) المسالك والممالك لأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وله اطلس ضائع أيضاً يضم خريطة للعالم وأخرى لجزيرة العرب والمحيط الهندي وخرائط للمغرب والشام ومصر والبحر المتوسط ، ومجموعة من اثنتى عشرة خريطة أخرى عن وسط وشرق العالم الإسلامي .
وكتب موجودة : (1) كتاب عجائب البلدان للينبعي (2) كتاب الممالك والمسالك لأبي اسحق إبراهيم بن محمد الاصطرخي .(3) كتاب المسالك والممالك والمفاوز والمهالك لأبي قاسم محمد بن حوقل (4) كتاب أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم لأبي عبد الله محمد بن أحمد المقدسي(11) (5) كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لأبي عبد الله محمد بن محمد الإدريسي (6) وكتاب آثار البلاد وأخبار العباد للقزويني (7) تقويم البلدان لأبي الفدا ، وكل هذه الكتب في الجغرافيا الوصفية تعكس مدى الاهتمام بتسجيل المعرفة الجغرافية ، والإضافة إليها ، كما تصور مدى الاعتماد على حصاد المرحلة في هذا التسجيل الجغرافي الوصفي .

ثالثاً : كتب في الجغرافيا الوصفية الخاصة :
(1) أبو الحسن بن أحمد المهلبي (جغرافية السودان) (2) الهمداني (صفة جزيرة العرب) (3) البيروني (الهند) (4) المسالك والممالك البكري (5) القرطبي (المسالك والممالك أيضاً).
هذه الكتب تعرض الصور الجغرافية عرضاً منهجياً يحدد ملامح الشخصية الجغرافية ويبرز ماهيتها ويعبر عن موضوعيتها وهي تجسد المنهج الإقليمي في وقتٍ مبكّر .
وهكذا ينبغي أن نسجل لحساب هذا الفريق من الجغرافيين المسلمين ثلاث نتائج هامة ، حققها الاجتهاد الحقيقي في حقل الجغرافية الوصفية . وتمثل هذه النتائج الدليل على أن هذا الفريق لم ينقل عن الفكر اليوناني نقلاً مباشراً يحرمهم من حق تسجيل اجتهاداتهم الذاتية وهذه النتائج هي :
1- أظهر الجغرافيون المسلمون في حقل الجغرافيا الوصفية مهارةً في استخدام الكلمة واستخدام الصورة في وقتٍ واحد ، لكي يصبح التعبير عن الصور الجغرافية الوصفية ، تعبيراً موضوعياً .
2- أظهر الجغرافيون المسلمون في حقل الجغرافيا الوصفية ، مهارةً في استخدام حصاد الرحلة، لكي يصبح التعبير عن الصور الجغرافية الوصفية ، نابعاً من الحس الجغرافي ، وكأنها دراسة ميدانية .
3- أظهر الجغرافيون المسلمون في حقل الجغرافية الوصفية مهارةً في دفع مسيرة الجغرافيا والتمهيد الحقيقي للتطور الذي يسجله ويكشف عنه إعداد الكتاب الجغرافي الوصفي الأفضل، وتجهيز الخريطة الأجود ، في المرحلة التالية التي تمثل مرحلة النضج والتفوق .

رابعاً : كتب في شكل معاجم جغرافية :
وهي تمثل شكلاً من أشكال الفهرسة والتبويب ، وقد توفرت في أصحاب المعاجم الجغرافية القدرة على حصر المادة الجغرافية والقدرة على التمييز بين الغث والسمين .
ومن أصحاب المعاجم الجغرافية المشهورة نذكر البكري (معجم ما استعجم) وهو أول معجم عربي أصدره البكري في القرن الحادي عشر الميلادي حيث اطلع على الكتابات السابقة واعتمد عليها (12) ونذكر أيضاً (معجم البلدان) لياقوت الحموي الذي أصدره في القرن الثالث عشر الميلادي وهو راجع إلى كثير من الكتب المتنوعة .

خامساً : كتب في شكل موسوعات عامة :
وتشمل هذه الموسوعات كل أبواب المعرفة وتتميز بالالتزام الموضوعي ، ومن الموسوعات العربية المشهورة نذكر موسوعة النويري (نهاية الأرب في فنون الأدب) والتي أصدرها في القرن الرابع عشر الميلادي في واحدٍ وثلاثين مجلداً ، اشتملت على الأدب واللغة والإدارة والدين والتاريخ والجغرافيا .
ونذكر أيضاً موسوعة العمري (مسالك الأبصار في ممالك الأمصار ) التي أصدرها في القرن الرابع عشر الميلادي في عشرين مجلداً احتوت على قسمين ، الأول ناقش دراسة الأرض والقسم الثاني اهتم بسكان الأرض في الشرق والغرب.
والموسوعة الثالثة هي للقلقشندي (صبح الأعشى في صناعة الانشاء) في القرن الخامس عشر الميلادي ، تناولت هذه الموسوعات جميعاً دراسة الأرض وظاهرتها بما نسميه في عصرنا الحالي بالجغرافيا الطبيعية . وأيضاً اهتمت بدراسة الناس وظاهرات الحياة وهو ما نسميه في عصرنا الحاضر بالجغرافيا البشرية(13) .

سادساً : كتب في الرحلات الجغرافية :
ومن الرحالة المجتهدين العرب ، الذين خرجوا إلى الرحلة وجابوا الأرض وتحملوا المشقة نذكر منهم : البغدادي ومن أهم كتبه (الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر) ، وأيضاً نذكر الهروي في كتابه بعنوان (الإشارات إلى معرفة الزيارات) وابن جبير ورحلاته الشهيرة التي سجلها في (تذكرة بالإخبار عن اتفاقات الأسفار) ، وابن سعيد المغربي في كتابه (المغرب في حلي المغرب) وفي كتاب آخر (المشرق في حلي الشرق) ، ونذكر أيضاً ابن رشيد (رحلة المغرب والأندلس) ، والغرناطي في كتبه الثلاثة : (1) المغرب عن بعض عجائب المغرب (2) تحفة الألباب ونخبة الإعجاب (3) نخبة الأذهان في عجائب البلدان .
وابن بطوطة في رحلاته التي سجلها في كتاب بعنوان (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار).
ومن بعد ابن بطوطة واعتباراً من القرن الخامس عشر الميلادي حدث التحول الخطير وذلك أن الرحالة العرب قد فتر عزمهم وقل اجتهادهم في الرحلة ، فتواضع بذلك الإسهام العربي الإسلامي في جمع الزاد والمعرفة وفي صياغة الفكر الجغرافي .
وهكذا ندرك أن الجغرافيا كيف تتخذ لها مكاناً بين أبواب المعرفة ، كما نستشعر كيف تخطو مسيرة الفكر الجغرافي خطوات منتظمة ، بعد أن أعاد الجغرافيون المسلمون إلى الجغرافيا صوابها . بل ودب النشاط وسجلت الكتابات الجغرافية الوصفية والفلكية إضافات كثيرة ، تنبئ بالتقدم على الطريق وصولاً إلى ماهو أفضل وأصبح الجغرافيون المسلمون رواد هذا الفكر المتطور من غير منازع وقادة هذه المسيرة الفكرية الموفقة .
وعندما تتكشف لنا هذه الحقيقة ينبغي أن نتبين كيف قدم الدين الإسلامي ، وكيف قدمت الدولة الإسلامية ، الدعم الحافز للفكر الجغرافي في هذه المرحلة الأولية . وأنعم الدين الإسلامي الذي قدّم الدعم للفكر الجغرافي ، عندما أطلق سراحه ، وأمن التفكير الحر المطلق ، بحثاً عن الحقائق الجغرافية ، لحساب المعرفة الجغرافية الأفضل . وأنعمت الدولة الإسلامية التي أغدقت مادياً ومعنوياً بكل السخاء على حركة الترجمة لكي تدعم الانفتاح على الفكر الجغرافي القديم المهجور ، ولكي تحفز أهل الفكر العاملين لحساب المعرفة الجغرافية الأوسع والأفضل.

الخرائط عند المسلمين :
الدور الذي أدته الخريطة في حياة المسلمين :
استولي المسلمون خلال قرن واحد علي بلاد الشام وفارس وفلسطين ومصر والعراق ثم فتحوا بلاد ماوراء النهر ، وامتدت فتوحاتهم لتشمل السند والصين في الشرق وسواحل الأطلس في الغرب. وأصبح للمسلمون خلال فترة وجيزة دولة مترامية الأطراف .
ونتيجة لهذا الكسب السياسي أصبح المجال رحباً وواسعاً أمام التجارة بين الأقاليم الإسلامية فتوغل المسلمون في القارة الإفريقية جنوب الصحراء بعد فتحهم شمالها، ووصلوا في القرن الرابع الهجري الي بحيرة تشاد وامتدت طرقهم عبر قارة آسيا من بغداد عبر جبال زاغروس إلى منشأة والري ونيسابور وطوس ومرو وبخاري وسمر قند حتى الهند عن طريق بلخ وكابل . واتسعت تجارتهم مع الصين.
إزاء كل هذا التوسع التجاري أصبح للخريطة دور مهم للكشف عن هذه المسالك وتوضيح المدن التي يمر بها التجار أثناء انتقالهم من مكان إلى آخر ، كما أصبح لها دور مهم للحكام للاطلاع علي أجزاء دولتهم ، لمعرفة ثروتها ومقدرتها علي دفع الضرائب .
وقد احتوت كتب المسالك والممالك التي صاحبت الفترة الأولى من ازدهار الإسلام علي اهتمام أصحابها بواردات الدولة وذكرها في هذه الكتب . كما أن كثرة الراغبين في أداء فريضة الحج وتفرق أمصارهم ودولهم وبعدها ، اضطرهم إلى الالتجاء إلى كتب المسالك والممالك والي الخريطة التي تحويها لاستكشاف الطرق المؤدية إلي الحج، ومعرفة المدن التي يمرون بها والمسافات بين مدينة وأخرى.
ورحلة طلب العلم لا تقل أهمية عما سبق ، فهي الأخرى لها روادها ومحبوها وخصوصاً أنّ الدين الإسلامي قد شجع علي هذه الرحلة ، فقصد طالبو العلم أمهات المدن الكبرى كبغداد ودمشق وغيرهما وهذا يتطلب معرفة الطرق والاطلاع علي الخرائط التي توضح كيفية الوصول إلى هذه المدن .
ولهذه الدوافع قام المسلمون برسم عدد كبير من الخرائط التوضيحية واستعملوها في كثير من كتبهم لتصوير جغرافية البلاد الإسلامية التي تحدثوا عنها ومواقعها من العالم ، كما أوضحوا عليها طرق المسافرين التي تربط البلاد مع بعضها(14).

مراحل تطور خرائط المسلمين: قد قسم علماء الجغرافية أدوار خرائط المسلمين إلى ست مراحل هي:

(1) المرحلة التي سبقت الخرائط المأمونية :
وردت إشارات عن رسم الخرائط في زمني الحجاج والمنصور ، دون العثور علي هذه الخرائط.
فقد ذكر ابن فقيه(15) أنّ الحجاج بن يوسف بعث إلى وفد الديلم فدعاهم إلى أن يسلموا أو يقروا بالجزية، فأمر أن تصوّر له الديلم سهلها وجبلها وعقابها وغياضها ، فصوِّرت له. فدعا من قبله وفداً من الديلم فقال: (إن بلادكم قد صوّرت لي فرأيت فيها مطمعاً ، فأقروا لي بما دعوتكم إليه قبل أن أغزوكم بالجنود فأخرب البلاد ، وأقتل المقاتلة وأسبي الذرية ، فقالوا : (أرنا هذه الصورة التي أطمعتك فينا وفي بلادنا) فدعا بالصــــورة، فنظروا فيها فقالوا : (قد صدقوك عن بلادنا ، وهذه صورتها) .
وعن الطبري قال علي : (أخبرنا ابو الذيال ، عن المهلبي بن إياس ، وأبو العلاء عن إدريس بن حنظلة ، أن قتيبة غزا ورْدَان ملك بخارى سنة تسع وثمانين ، فلم يطقه ولم يظفر من البلد بشيء . فرجع إلى مرو وكتب إلى الحجاج بذلك ، فكتب إليه الحجاج أن صورها لي ، فبعث إليه بصورتها ، فكتب إليه الحجاج أن ارجع إلى مراغتك ، فتب إلى الله مما كان منك ، وأتِها من مكان كذا وكذا .
يتضح من الروايتين وجود خريطتين إحداهما للديلم ، والأخرى لبخارى صورت للحجاج، وأنّ هاتين الخريطتين على مستوى جيد ، ودقيقتي المعلومات ، لأنّ الأولى قدّر قيمتها وشهد لها أهل الديلم عندما شاهدوها والأخرى استخدمت لتنفيذ الخطط العسكرية .
واهتم حكام المسلمين برسم الخرائط ، فالخليفة المعز لدين الله الفاطمي عملت له خريطة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة على مقطع من الحرير فيها صورة أقاليم الأرض وجبالها ونجادها ومدنها وأنهارها ومسالكها وفيها صورة مكة والمدينة . وكتب على كل مدينة وجبل وبلد ونهر وبحر وطريق اسمه بالذهب أو الفضة أو الحرير وأنفق عليها اثنين وعشرين ألف دينار(16) .

(2) مرحلة الخريطة المأمونية :
وهي أول صورة للأرض رُسمت في زمن المأمون ، وقام على صنعها مجموعة من علماء الفلك والرياضيات وأنهم جعلوا لكل إقليم أبراجاً تخصه وسياراً يقتصر عليه ، فالإقليم الأول جعلوا له كوكبه زحل ، ومن برجه الجدي والدلو . والثاني كوكب المشترى ومن أبراجه القوس والحوت ، وفي هذه الخريطة يبدأ خط الصفر من الساحل الإفريقي وينتهي عند الخط 180ْ شرق الصين . وتحوي العالم المعروف آنذاك . وفيها تفصيلات للعالم الإسلامي ، وما فتح المسلمون من العالم ، وكذلك الهند وأواسط آسيا ، وقليل من التفاصيل فيما يتعلق بأوروبا وأواسط وجنوب إفريقيا(17) .

(3) مرحلة الخرائط الفلكية :
وتمثل هذه المرحلة خرائط الخوارزمي والبتاني ، وهما من رجال الفلك الذين وضعوا أزياجاً مهمة.
فكتاب صورة الأرض لمحمد بن موسى الخوارزمي الذي ذكره أبو الفداء في القرن الرابع الهجري باسم ربع المعمور ، عبارة عن جداول فلكية بشكل عمودين في كل صفحة تبين المواقع الجغرافية للأماكن الكبرى التي يصل عددها إلى 537 موضعاً موزعة على الأقاليم المختلفة حسب بعدها عن خط الصفر الذي يمر بجذر السعادة في أقصى غرب إفريقيا ، ثم جداول للجبال وعددها 290 ، ثم البحار والجزر والأنهار في كل إقليم(18) .
(4) مرحلة الخرائط الإقليمية :
وهي الخرائط التي ظهرت في عصر النضج والإبداع الإسلامي في القرن الرابع الهجري ، ويمثل هذه المدرسة أصحاب مؤلفات المســــالك والممالك التي تشمـل فروع الجغرافية الوصفية والإقليمية. وبمثل هذه المرحلة الجيهاني في كتابه المسالك في معرفة الممالك . والبلخي في كتابه صوّر الأقاليم ، والأصطرخي في كتابه مسالك الممالك وصوّر الأقاليم ، وابن حوقل في كتابه صورة الأرض ، والمقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم والمسعودي في مروج الذهب والتنبيه والإشراف .

وقد أحصى لنا ميللر 275 خارطة لرواد هذه المدرسة . وقد ذكرها حسب المخطوطات المختلفة التي عثر عليها لكل منهم وهي مقسّمة كما يلي :

الرقم اسم الخريطة عدد الخرائط
1 صورة الأرض 11
2 ديار المسلمين 12
3 بحر فارس والصحراء العربية 15
4 المغرب 12
5 مصر 13
6 سوريا 10
7 كرمان 14
8 السند 14
9 أذربيجان 13
10 الجبال 15
11 طبرستان 13
12 بحر قزوين (الخزر) 14
13 البحر المتوسط (بحر الروم) 13
14 الجزيرة 13
15 العراق 14
16 خوزستان 14
17 فارس 13
18 الصحراء 13
19 سجستان 12
20 خراسان 14
21 ما وراء النهر 13
المجمـــــوع 275

(5) مرحلة خرائط الإدريسي :
خرائط الإدريسي لم تقتصر على البلدان الإسلامية ، وإنما شملت العالم المعروف وبنيت على درجات الطول ودوائر العرض ، مع دقة رسم الشواطئ ومجاري الأنهار، والاتجاهات الصحيحة ، وإن التصميم الذي استخدمه الإدريسي يشابه من بعض الوجوه التصميم الذي اتخذه مركيتور فيما بعد .
والشيء الجديد الذي أدخله الإدريسي على فن رسم الخرائط هو أنّ كل خريطة من الخرائط تكون جزءاً من الخريطة الكبيرة ، وإن ضم هذه الخرائط إلى بعضها البعض يتألف منها مصور تام للعالم المعروف آنذاك . وقد صمم الإدريسي هذه الخريطة على شبكة من خطوط الطول ودوائر العرض سُميت لوح الترسيم ، وهو تصميم جغرافي للكرة الأرضية ، دقق عليه مواقع البلدان واحداً واحداً بواسطة بركار من حديد ، وبذلك استطاع أن يحقق بكل دقة بين الآراء المتضاربة للوصول إلى الوضع الصحيح الذي وصلت إليه خريطته .
ومن مزايا خرائط الإدريسي التزامها بمقياس الرسم ، وتحديد مواضع خطوط الطول ودوائر العرض التزامها كذلك بالشكل الحقيقي للمنطقة ، لذا اعتبرت قمة ما بلغته الكارتوكرافية لعلماء المسلمين .

(6) الخرائط البحرية :
عرف العرب المسلمون هذا اللون من الخرائط بحكم نشاطهم التجاري بين الجزيرة العربية وساحل الهند، أو مع الساحل الشرقي لإفريقيا ، وكان منهم ربابين مهرة يعرفون المسالكك البحرية ، ويستفيدون من النجوم في سيرهم ليلاً ، ويتضح معرفة العرب المسلمين بهذا النوع من الخرائط بما رواه المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم .
بهذا فقد اتضح من البحث أن العرب المسلمين عرفوا رسم الخرائط قبل إنجاز الخريطة المأمونية، وقد وردت إشارات دون الحصول على النصوص ، ثم جاءت مرحلة الخريطة المأمونية التي اعتُبرت فاتحة عهد جديد اشترك فيها مجموعة من العلماء ومنهم الخوارزمي .
وقد أنجزت هذه الخريطة بعد اطلاع المسلمين على ما تُرجم من الحضارات التي سبقتهم ، ورغم ذلك لم يكونوا ناسخين لهذا التراث بقدر ما أخذوا منه ما وجدوه صحيحاً بعد تحقيقه في مراصدهم ، وتوصلوا إلى نتائج جيدة عندما صححوا أكثر الأخطاء ، ويبدو أنّ الخريطة المأمونية ابتكار إسلامي خالص اعتمد على جهود مستقلة كل الاستقلال عن التأثيرات اليونانية.
أما خرائط الخوارزمي والبتاني ، فإنّ الأزياج التي وضعوها توضح جهودهم القيِّمة في هذا المجال ، وأن الخريطة التي وضعوها تمثل مواصلة للمرحلة المتقدمة التي وصلت إليها الخريطة المأمونية.

الخاتمة :
هذا عرض سريع لإسهامات المسلمين في علم الجغرافيا ، رأينا في هذه الإسهامات كيف دفع الإسلام الجغرافيين المسلمين على التعميق في مسائل الفلك ، لتحديد المواقع ، ومعرفة أوقات الشروق والغروب في كل مكان وكيف أنّ الحج كان دافعاً قوياً لهم لوصف الرحلة ، ومشجعاً على ارتياد الآفاق ، وكيف أنّ امتداد رفعة الدولة الإسلامية ، وضرورة ربط أجزائها بعضها بالبعض الآخر ، قد أدى إلى اهتمام المسلمين بالبريد ، وبالمسالك . ورأينا فيها كيف استفاد المسلمون بالثقافات الهندية والفارسية والإغريقية ، وكيف أضافوا إلى تراث هذه الثقافات بعد أن استوعبوها وتمثلوها، ورأينا كيف سار المسلمون من الرحلة إلى الكشف إلى الوصف والتحليل ، ومن الفلك إلى الكارتو جغرافيا ، وكيف ارتبطت الجغرافيا بالخرائط في عصر ازدهارها .
وأخيراً فإنّ الجغرافيا الإسلامية التي بدأت بالرحلات وانتهت بالخرائط قد خرجت من مجرد الوصف إلى التحليل ومن التحليل إلى التركيب فتوجت الجغرافيا الإسلامية، مثل الجغرافيا الإغريقية من قبل والجغرافيا الحديثة من بعد ، بالنظريات التي تربط عنصري الجغرافيا ، البيئة والمجتمع وزادت على ذلك بأنها ربطت الزمان بالمكان ، والتاريخ بالجغرافيا .
والله نسأله المغفرة وحسن الثواب .

المراجــــــع :
(1) أحمد الشناوي وآخرون – دائرة المعارف الإسلامية ، دار الفكر – القاهرة – المجلد السابع، ص 10، 43.
(2) القرطبي – الجامع لأحكام القرآن ، الجزء 15 – المجلد الثامن – الطبعة الثالثة – العبيكاني للطباعة والنشر الرياض 1408هـ .
(3) جلال مظهر – حضارة الإسلام – وأثرها في الترقي العالمي – القاهرة 1976م .
(4) حسني محمود حسين – أدب الرحلة عند العرب – المكتبة الثقافية – القاهرة سنة1976م – ص 335.
(5) حسين مؤنس – الجغرافيا والجغرافيون في الأندلس – صحيفة معهد الدراسات الإسلامية في مدريد المجلدات (7،8) – ( 1959م – 1960م) .
(6) حسين مؤنس – الجغرافية والجغرافيون في الأندلس – الإدريسي قمة علم الجغرافية عند المسلمين-معهد الدراسات الإسلامية – المجلدان (9-10) – مدريد – (1961م – 1962م) .
(7) زكي محمد حسن – الرحالة المسلمون في العصور الوسطى – القاهرة – 1945م .
(8) شاكر خصباك – الخصائص العلمية للجغرافية العربية والإسلامية القديمة – بحوث المؤتمر الجغرافي الأول المجلد الثالث – الرياض – 1984م .
(9) شريف محمد شريف – تطوُّر الفكر الجغرافي – القاهرة – 1974م .
(10) شريف محمد شريف – الوجيز في ترايخ الفكر الجغرافي – الخرطوم – 1990م .
(11) صلاح الدين على الشامي – جغرافية العالم الإسلامي – القاهرة – 1974م .
(12) صلاح الدين علي الشامي – الإسلام والفكر الجغرافي العربي – منشأة المعارف، الإسكندرية – 1978م.
(13) محمد السيد غلّاب – الجغرافيون المسلمون ودورهم في تطوُّر الفكر الجغرافي – بحوث المؤتمر الجغرافي الأول – المجلد الثالث – الرياض – 1984م .
(14) نفيس أحمد – جهود المسلمين في الجغرافية – ترجمة د. فتحي عثمان – الألف كتاب – القاهرة .
(15) فلاح شاكر أسود – دور العرب والمسلمين في رسم الخرائط – بحوث المؤتمر الجغرافي الأول – المجلد الثالث الرياض – 198
(16) كارل بروكلمان – ترجمة يعقوب بكر وآخرون – تاريخ الأدب العربي – الجزء الرابع – دار المعارف القاهرة – 1975م – ص 232- 256.

عن admin

شاهد أيضاً

آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى

آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى

آثار الثورات ورأس المال الاجتماعى   عرض نقدى لمقال:  “Consequences of Revolutions” تأليف:   Eduard N. Mullar …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *