الرئيسية / علوم بينية / علم اجتماع السياسة / الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل والشريعة الإسلامية (دراسة تحليلية)
الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل والشريعة الإسلامية (دراسة تحليلية)
الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل والشريعة الإسلامية (دراسة تحليلية)

الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل والشريعة الإسلامية (دراسة تحليلية)

الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل والشريعة الإسلامية

(دراسة تحليلية)

بحث مقــــدم إلى المؤتمر الدولي (أحكام الأسرة بين الشريعة الإسلامية والاتفاقيات والإعلانات الدولية)

أ. سيدة محمود محمد

عضو اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل

 

الأبعاد الدولية لقضايا الطفل

مما لا شك فيه أن الظروف التاريخية التي شهدها العالم عقب حربين عالميتين في منتصف القرن العشرين كانت تستوجب نشأة هيئة دولية لتحقيق السلم والأمن الدوليين، ولتكفل التعاون بين شعوب المعمورة، فجاءت هيئة الأمم المتحدة.

إلا أن الأمر الذي بات يثير القلق لدى الكثيرين أن هذه الهيئة صارت أداة طيعة في يد البعض من مبشري النظام العالمي الجديد[1]، وأعداء الإنجاب والسكان[2]، والأنثويات، والذين اتفقت مصالحهم فركبوا جميعًا الجواد الرابح، وهو استثمار قضايا المرأة، فأصدروا دينًا جديدًا ليكون مرجعية كونية قانونية، مع الإدعاء بأن هذه المرجعية القانونية تمثل مشتركًا إنسانيًا، بينما هى في حقيقة الأمر لا تعكس إلا تصورات ثقافية واحدة، وهي الثقافة الغربية، والتي وصل الغرب بها إلى حافة الهاوية، وبات مهددًا بالفناء، حاله في ذلك حال كل الأمم التي شاعت فيها الفواحش، فكان مصيرها الدمار والفناء.

ورغم ما يعانيه الغرب من ويلات، جراء هذه الإباحية، إلا أنه يأبى أن يغرق وحده، ويصر على أن يجر العالم وراءه، في محاولات مستميتة لعولمة هذه الإباحية وتقنينها، وذلك عبر مؤتمرات دولية بات الهدف منها واضحًا هو: نسج شبكة من القوانين الملزمة دوليًا لعولمة وتقنين القيم والسلوكيات المجتمعية الغربية، وخاصة فيما يتعلق بالأسرة.

وإذا كانت قضايا المرأة هي السهم الذي يُصوَّب لاختراق المجتمعات – ومن ثم عقدوا لها مجموعة من الاتفاقيات التي تزخر بكل ماهو شاذ عن الفطرة – فإن الطفل هو رأس هذا السهم، مع ملاحظة أن نفس الأجندة النسوية المطروحة في اتفاقيات المرأة، هي ذاتها المطروحة في اتفاقيات الطفل، وذلك لتغلغل الأنثوياتFeminists  في كافة الأجهزة والوكالات الدولية التي أنشأتها الأمم المتحدة United Nations لمراقبة الدول في تطبيق تلك الاتفاقيات، ومنها على سبيل الخصوص لجنة مركز المرأة[3] التي ركزت حديثًا على الطفل، فجاءت جلستها الحادية والخمسين بعنوان: “القضاء على كافة أشكال العنف والتمييز ضد الطفلة الأنثى”.

وفي مجال الطفل، فإن أبرز الاتفاقيات التى  أصدرتها الأمم المتحدة، اتفاقية حقوق الطفل Convention of the Rights of the Child-CRC)) عام 1989م، وهي اتفاقية دولية ملزمة، وبعد ثلاثة عشر عامًا، صدرت وثيقة عالم جدير بالأطفال  (A World Fit For (Children WFFC، كوثيقة آليات وسياسات لتفعيل وتطبيق CRC.

ويرجع التركيز على الطفل في الآونة الأخيرة إلى:-

أولاً: لأنه السبيل لتكوين ما تنشده الحركات الأنثوية والتي تهدف إلى إيجاد (المرأة الجديدة)[4]، و(الرجل الجديد)[5] وهذا لن يتم إلا بإرضاع الطفل تلك القيم مع لعبه وأكله وشربه فيشب منذ صغره على التساوي التام بين الذكر والأنثى، وإلغاء كافة الفوارق بينهما، والإيمان بأن كل الأدوار يمكن أن يتقاسمها كل من الذكر والأنثى، أو حتى يتبادلانها.

ثانيًا: أن المقاومة في هذا الشأن ستكون ضعيفة، خاصةً إذا ما تم تقنين القيم المستهدف تنشئته عليها تحت دعاوى إنسانية من قبيل الشفقة بالأطفال، والعمل على سعادتهم وحمايتهم فمن الذي يستطيع أن يرفض ما يحقق الرفاهة للأطفال!!

وعلى هذا سوف نتناول – بإذن الله –

أولاً – فلسفة الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل في ميزان الشريعة.

ثانيًا – أهم المبادئ الحاكمة لهذه الاتفاقيات والرأي الشرعي تجاهها

1- سن الطفولة.

2- التساوي التام وعدم التمييز.

3- تبني المدخل الحقوقي.

4- مصلحة الطفل الفضلى (تمكين الطفل).

ثالثًا- أبرز قضايا الاتفاقيات الدولية المعنية بالطفل من منظور الشريعة الإسلامية.

1- منظومة الصحة الإنجابية.

2- رفع سن الزواج ومحاربة الزواج المبكر.

3- مفهوم الأسرة.

رابعًا- الاستراتيجيات المتبعة لعولمة قضايا الطفل

1- عقد المؤتمرات وإصدار الاتفاقيات.

2- تشجيع الدول على الانضمام.

3- الرقابة الدولية على الاتفاقية.

خامسًا-تطبيق اتفاقية حقوق الطفل في القوانين العربية الوطنية

–  خاتمة وتوصيات

أولاً أهم عناصر الفلسفة الكامنة خلف الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل المادية:

فهي تنظر للطفل باعتباره كائن مادي ينبغي الاستثمار فيه – فهو كائن مادي بحت لا مرجعية له ولا دين، ولا تاريخ، ولا أسرة، ولا مجتمع، وإنما الطفل فقط وحريته ومصالحه الفضلى وراحته البدنية والصحية والعقلية وإن اصطدمت مع أي شئ آخر.

الفردية:

بمعنى النظر للطفل كفرد وليس كعضو في أسرة له حقوق كما أن عليه واجبات، ذلك أن الحضارة الغربية تقوم بالأساس على الفردانية، عكس الحضارة الإسلامية التي توازن بين الفرد والجماعة، وتحترم الفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها.

الصراعية:

فالفكر الغربي منذ نشأته الأولى زمن اليونان مبني على أساس مبدأ الصراع وعدم الانسجام، وأن الثنائيات الموجودة في العالم لا مجال لتكاملها، بل لا بد من الصراع حتي يكون البقاء للأصلح وللأقوى، حتي عندما ظهرت المسيحية كديانة في الحضارة الغربية، ظهرت الثنائيات المتصارعة (الروح والجسد) (ما لقيصر لقيصر وما لله لله)…

وفي عصرنا الحالي جاءت الفلسفات المتعددة مؤكدة أصالة هذه النزعة الصراعية في الفكر الغربي؛ حيث جاءت الليبرالية السياسية والديمقراطية بصراع الأحزاب على السلطة، والليبرالية الاقتصادية بصراع الفرد مع الفرد وسعي كل فرد في اتجاه مصلحته، ومن ثم فإن الصراعية ترتبط بالفردية، فالفلسفة الغربية عندما نظرت إلى الفرد تحدثت عنه مستقلاً ومجردًا عن الجماعة، وحددت حقوقه بإزاء غيره وفي مواجهة معه، فصار حق الفرد ينتهي عندما يبدأ حق غيره، وكأن حقوق الناس متعارضة بالضرورة، وصار وجود الآخرين يشكل قيدًا ونوعًا من الانتقاص من حقوق الفرد والذي صار لزامًا عليه أن يصارع كي ينال حقوقه، حتي وإن كان من أقرب الناس إليه.

  النفعية:

وهذا أيضًا ما تحاول الاتفاقية تعميمه على شعوب العالم كله، وتربية الأطفال عليه، ويبدو هذا واضحًا في فرض منظور الحق لا الواجب، ونجد أن (مصالح الطفل الفضلى) هي المحور الأساسي الذي تدور حوله الاتفاقيات مما يؤصل في نفس الطفل الأنانية والنفعية.

ثانيًاالمبادئ العامة الحاكمة لهذه الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل:

أوجبت الاتفاقيات الدولية احتكام الحكومات إلي مبادئ عامة وأساسية في كل مراحل رسم السياسات المعنية بالطفولة وتنفيذها، تلك المبادئ هي:

المبدأ الأول: سريان أحكام الاتفاقية على كل إنسان لم يبلغ الثامنة عشر، أي أنها اعتبرت أن سن الطفولة يمتد حتي يصل إلى الثامنة عشر.

تعريف الطفل في اتفاقية حقوق الطفل CRC (المادة الأولى) : “كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشر ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه”

وكما هو معتاد في اتفاقيات الأمم المتحدة، يتم إضافة بند أو بنود تفيد احترام القوانين الوطنية، مثل ما جاء في النصف الثاني من التعريف السابق للطفل (….ما لم يبلغ سن الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه) بينما في واقع الأمر، تمارس الأمم المتحدة ضغوطًا مستمرة على الحكومات؛ للالتزام بتنفيذ ما في تلك الاتفاقيات كاملاً بصرف النظر عن القوانين المحلية، وفي هذا تناقض واضح بين القول والفعل.

ومن هذا ما جاء على لسان دان سيمور من اليونيسيف: “الحقوق الوارده بالاتفاقية تواصل انطباقها على جميع الأطفال دون الثامنة عشر بصرف النظر عن العمر (المحلي/الوطني) المحدد لسن الرشد” ….كما أن الصكوك الدولية الأخرى تستخدم سن الثامنه عشر باعتباره الحد العمري الذي يفقد عنده الشخص الحق في الحماية الخاصة كطفل… وعلاوة على ذلك أن منظمة اليونيسيف والمنظمات الدولية الرئيسية الأخري العاملة مع الأطفال تسخدم سن الثامنة عشر باعتباره العمر الذى ينتهي عملها عنده”[6].

تعريف الطفل عند علماء النفس:

“تلك المرحلة التي تمتد من بداية الإخصاب حتي الميلاد، و تستمر حتى يصل الطفل إلى مشارف مرحلة جديده في سن 12سنة، وهي مرحلة المراهقة بما تمتاز به من تغيرات جسمية وانفعالية ونفسية”[7].

تعريف الطفل عند علماء الاجتماع:

“هي تلك الفترة المبكرة من الحياة الإنسانية التي يعتمد فيها الفرد على والديه اعتماد كليًّا”، أو أنها “تلك الفترة التي تبدأ من الميلاد وتستمرحتي الثانية عشر من عمره”[8].

تعريف الطفل في الشريعة الإسلامية:

اهتمت الشريعة الإسلامية بتحديد مرحلة الطفولة؛ لما لها من أحكام خاصة تتناسب مع فترة الضعف التي يمر بها الطفل (الله الَذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) [الروم/54].

من هذه الأحكام عدم مطالبته بالأحكام الشرعية مطالبة جازمة، أو معاقبته العقوبة الكاملة على أفعاله وتصرفاته، وولاية غيره عليه، فإذا مرت هذه الفترة صار الإنسان مكلّفًا -حيث لم يعد طفلاً- أي مطالبًا بكل الشعائر والأوامر والنواهي ومعرضًا لكل عقوبة تترتب على خطئه وعمده.

ومن ثم تكفلت الشريعة ببيـان الحد الفاصـل لمرحلة الطفولة بيانًا لا لبس فيه ولا غموض وهي:

البلوغ بإجماع الفقهاء للذكر والأنثى، أما السن فلا يلجأ إليه الفقهاء عند ظهور علامات البلوغ (الإنزال والإنبات للذكر، والحيض للأنثى)، وقد اختلف الفقهاء في تحديد السن الذي ينهي مرحلة الطفولة (في حال تأخر البلوغ)، والجمهور يرى أن السن المعتبرة في البلوغ هي خمسة عشر سنة، وهي حالة استثنائية حيث لا يتأخر البلوغ إلا بِعِلَّة[9].

وعلى هذا فإن الطفل في الإسلام:

“هو ذلك الكائن الإنساني الذي ينتج من عملية الإخصاب وتمتد حياته إلى البلوغ المعتاد بالعلامات الطبيعية المعروفة، أو استكمال خمس عشرة سنة عند عدم وجود هذه العلامات وفقاً للرأي الراجح”.

وبناء على هذا فإن السن التي حددتها المواثيق الدولية لانتهاء سن الطفولة، وهو الثامنة عشر، لا يتفق مع الرأي الراجح من مذاهب الشريعة الإسلامية.

المبدأ الثاني: التساوي التام بين الذكر والأنثي، واعتبار أن أي فارق في المعاملة بينهما يعد تمييزًا ضد الأنثى.

لكن ديباجة اتفاقية حقوق الطفل CRC تسمح بالتمييز لبعض الفئات، كتقديم المزيد من الدعم للبنات والفتيات عند وجود فجوة بين الأولاد والبنات.

وتؤكد المواثيق الدولية وبخاصة مواثيق الطفولة، على قضية التساوي بين الرجل والمرأة كي يشب الطفل منذ صغره على تلك القيمة التي يريدون بثها في المجتمعات، وهي أن الأنثى تساوي الذكر في كل شيء، سواء خارج البيت في مجال العمل والكسب، أو داخل البيت. بغض النظر عن الفوارق البيولوجية أو الأدوار التي يشغلونها.

فتلك الأدوار -وفقاً للخلفية الفلسفية الكامنة وراء بنود الوثائق- إنما حددها المجتمع ولم تُحدد سلفًا وفقًا للخصائص البيولوجية، ومن ثم لا يُعتد بشرع أو عُرف يُكرِّسها (فقيام المرأة بدور الزوجة والأم، وقيام الرجل بدور الزوج والأب، ناتج عن التقاليد المجتمعية، ولا علاقة لخِلقَة أي منهما بدوره في الحياة)- بما يتعارض ليس فقط مع الشرع والذى يعزز الفطرة، وإنما يتعارض أيضًا مع كم الدراسات الهائل الذي تناول الفروق بين الجنسين وكيف أن المساواة الكاملة لا تتفق مع طبيعة المرأة وتكوينها- وقد ورد في تقرير صادر عن قسم الارتقاء بالمرأة بالأمم المتحدة DAW عام 2004 بعنوان: “إدماج الرجال والصبية في تفعيل مساواة الجندر”- المادة 42:

“الفكرة حول- ماذا يعني كونك رجلاً- تبدأ جذورها منذ الطفولة الأولى؛ ففي كثير من المجتمعات، السبب الرئيسي في عدم مساواة الجندر هو قيام الأم أو أي امرأة أخرى من الأسرة أو حتى المربية بالمسئولية الكبرى في العناية بالمواليد والأطفال والصغار وهو ما يفهمه الأولاد والبنات أن المسئولية الأساسية في الرعاية هي المرأة” والتقرير هنا يؤكد على ضرورة إفهام الصغار أن الرعاية (Caring) بكل أشكالها (رعاية الأطفال، رعاية المنزل، رعاية المسنين..) ليست من اختصاص المرأة وحدها، بل هي مهمة يمكن أن يقوم بها كل من الرجل والمرأة على حد سواء، وبالتالي طالب التقرير أن يقتسم كل منهما كل أنواع الرعاية تلك بنسبة 50-50 وأن يُنَص على ذلك في القانون.

بل عد التقرير ذاته، اعتياد الطفل الرضيع على أن مقدمة الرعاية له هي (امرأة) يُعد سلبية كبيرة، فهذا يزرع (التمييز) في نفس الطفل منذ الصغر، فينشأ وقد ترسخت في ذهنه أن رعاية الطفل هو دور من اختصاص المرأة دون الرجل!!

ومن هنا جاءت المطالبات بتخصيص (إجازة أبوة) للرجال أسوة (بإجازة الوضع) للنساء؛ وذلك كي يُنشَّأ الصغار على أن (أدوار الرعاية) لا ترتبط بالنساء فقط، وقد عرَّفت الوثائق الدولية قيام كل جنس بدور محدد في الحياة (المرأة بدور الأم، والرجل بدور الأب) بـ (الأدوار النمطية Stereo Typed Roles).

وجاءت المادة (5) من اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو CEDAW) لتنص على: “تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتحقيق ما يلي:

أ-  تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية وكل الممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوق أحد الجنسين، أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة.

ب- كفالة أن تتضمن التربية الأسرية تفهمًا سليمًا للأمومة بوصفها وظيفة اجتماعية”.

ومن ثم، فللقضاء على (التمييز) وإرساء المساواة -من وجهة نظر القائمات على قسم الارتقاء بالمرأة بالأمم المتحدة- يجب أن تتم إعادة التأهيل الاجتماعي (بمعنى تربية الفتاة بشكل مختلف عن الشكل السائد) وتغيير الأنظمة التعليمية والإعلامية (وذلك بتغيير صورة المرأة من الزوجة والأم، إلى القائد وسيدة الأعمال)، والأنظمة القانونية (بتغيير القوانين التي تفرق بين الرجل والمرأة، كقانون الإرث وقوانين الأحوال الشخصية وقانون الطفل..إلخ).

والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا: هل يعقل أن يكون هذا التساوي، والتطابق في صالح الطفل؟ ألا يستحق الطفل أن ينشأ في بيئة سوية، تقوم فيها الأم برعاية زوجها، وبيتها، وأطفالها.. ويقوم الأب بتحمل مسئولية الأسرة، والسهر على رعايتها، وحمايتها؟

وردًا على هذا التساؤل، يقول د.محمد قطب: “العلاقة دقيقة ومتشابكة بين خروج المرأة هكذا، وانتشار الشذوذ الجنسي في الأجيال الحديثة في أوروبا وأمريكا.. فالطفل الذكر يتلبس لا شعورياً بشخصية أبيه بوصفه الجنس الغالب، وذلك جزء من الفطرة! فلما تحررت المرأة، وخلعت- فيما خلعت- حياءها، وصارت تشبه الرجل، أو تريد أن تشبهه في كل شيء، تشوش الأمر في نفس الطفل الذكر، وصار يتلبس- لا شعوريًا- بشخصية أمه بوصفها الجنس الغالب على الوضع الجديد! فينشأ- من الوجهة النفسية- خليطًا شاذًا من شخصيته المذكرة الأصيلة، وشخصية أمه المؤنثة فيصبح شديد الاستهداف للشذوذ الجنسي”[10].

المبدأ الثالث: تبني المدخل الحقوقي (حقوق الطفل هي حقوق إنسان)

أي أن تتحول كل المطالبات التي جاءت بها الاتفاقيات الدولية إلى (حقوق إنسان)، وهنا يمكننا أن نقول بأن مصطلح (الحق) هنا هو كلمة (حق) أريد بها باطل، فالمدخل الحقوقي هذا سيشكل تهديدًا خطيرًا لخصوصية كثير من المجتمعات.

لقد تضمنت الاتفاقيات نصوصًا تحدد مضامين كل (الحقوق) والمعايير والاشتراطات التي تضمن كفالتها سواء من قبل الوالدين أو من قبل الدولة. والحق شيء يضمنه القانون وتكفله النصوص الدينية في بعض الأحيان، فإذا نادت الاتفاقيات مثلاً (بحق) الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين، صار للطفل (الحق) في اختيار دينه، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع شريعة الإسلام التي تحكم بإثبات دين الطفل تبعًا لدين أبويه.

وحينما يعطي للفتاة (الحق) في التحكم في جسدها كأحد الحقوق الإنجابية؛ باعتبار أن جسدها ملك لها، صار من حقها منحه لمن تشاء، وكذلك لها (الحق) في التحكم في ثمرة هذه العلاقات، فتقرر استكمال الحمل أو إجهاضه؛ باعتبار أن الجنين جزء من جسدها، وكذلك (الحق) في الحصول على موانع الحمل.

ويوازي هذا مفهوم (الاستحقاق) أي أن يعي الأطفال استحقاقهم لهذه الحقوق وأن يطالبوا بها طالما أنها ضمن اتفاقية حقوق الطفل، ومن ثم يصير لزامًا على الدولة (الطرف الذى عليه توفير الحق للطرف الآخر المستحق) -مثلاً- أن تشمل خدماتها الصحية على خدمات منع الحمل أو ما يسمى (تنظيم الأسرة) كحق للأطفال (ما دون 18 سنة) بموجب اتفاقيات الطفل كأحد عناصر الصحة الإنجابية، فى حين تعد الاتفاقيات الزواج تحت سن (18سنة) زواجًا مبكرًا، لا يندرج ضمن الحقوق بل وتدعو إلى تجريمه.

وقد أورد صندوق الأمم المتحدة للسكان في تقريره لعام 2005 هذا المعنى تحت عنوان: “النهج القائم على أساس الحقوق، من الحاجات إلى الحقوق”:

“إن النهج القائم على أساس الحقوق يمثل تحولاً عن تركيز التنمية -من قبل- على تلبية الحاجات الأساسية -وهو ما يعتمد على الإحسان – أما النهج القائم على أساس الحقوق فهو، على العكس من ذلك يعترف بالأفراد باعتبارهم (حائزي حقوق)، مما يعني ضمنًا أن الآخرين هم (حملة واجب)، أما الحاجات فهي بلا شخص مكلف بتلبيتها، ولا آلية مكلفة بتلبيتها. وفي إطار حقوق الإنسان، الحكومات هي حملة الواجب الأساسيون ومن بين واجباتها وضع قوانين ونظم منصفة تمكن الأفراد من أن يمارسوا حقوقهم ويتمتعوا بها، وأن يلتمسوا انتصافًا قضائيًا في حالة انتهاك تلك الحقوق وذلك في إطار سيادة القانون. وباستطاعة الناس، باعتبارهم (حائزي حقوق)، أن يطالبوا باستحقاقاتهم “[11].

هذا فضلاً عن أن التركيز على الحقوق والحريات دون الواجبات، يدفع الأبناء إلى التمرد على السلطة المقيِّدة لتلك الحريات أيًّا كانت هذه السلطة، سواء كانت سلطة الأبوين أو سلطة المدرسة، أو حتى سلطة الدولة.

ومما لا شك فيه، أن هذه الروح الصراعية، غريبة على مجتمعاتنا الإسلامية التي يسود جو الأسرة فيها الود والرحمة والإيثار، بل والتنازل عن بعض الحقوق طواعية بين الأبناء والآباء ويخشى أن تنتقل إلينا هذه الروح الصراعية بالتدريج، مع عولمة هذه الروح من خلال تطبيق الاتفاقيات الدولية.

المبدأ الرابع: تمكين الطفل

يعتبر تمكين الطفل، أو إن شئنا المزيد من الدقة، فهو (استقواء الطفلChild Empowerment) من المحاور الأساسية التي تتمحور حولها الاتفاقيات الدولية للطفل، وفي سبيل تحقيق ذلك، تلجأ تلك الاتفاقيات الى أساليب ملتوية، تتمثل في، وقد شرحت المدير التنفيذي السابق لليونيسيف (كارول بيلامي) معنى عنوان وثيقة “عالم جدير بالأطفال” التي صدرت عام 2002م: “يكون العالم جديرًا بالأطفال إذا استمع للأطفال وأجاب مطالبهم”، ورفعت الأمم المتحدة وقتها شعار (قل نعم للأطفال Say yes for children)[12]، أي أن يتقدم الأطفال بكل طلباتهم، وعلى العالم أن يستمع لهم، ويستجيب لتلك المطالب[13]، ثم طالبت الأمم المتحدة بإشراك الأطفال في صناعة القرارات الخاصة بهم!!.

وإذا ما اعترض الآباء على مطالب الأطفال (تحت سن 18)، فبإمكان الطفل أن يستعين بالشرطة، عن طريق (الخط الساخن)، وعلى الفور تتدخل الدولة لتنتزع الطفل من أبويه لكي تتولى هي تربيته والعناية به.  ويتضح هذا جليًّا في المواد (9 ، 20) التي طالبت بالمزيد من أجل إعلاء “مصلحة الطفل الفضلى”.

وأخطر ما فيها، أنها تساوي بين رعاية الأسرة للطفل، وبين رعاية الدولة بل أنها على العكس، تقدم رعاية الدولة للطفل على رعاية أسرته له، كما أنها تجعل للطفل مصالح فضلى أو عليا لا يدركها الوالدان ولا يعرفها أحد إلا الدولة، ومن ثم  إذا مس الوالدان هذه المصالح من قريب أو بعيد؛ كان الحل الأمثل للحفاظ على هذه المصالح نزعه بعيدًا عنهما، ولا ندري أية مصالح هذه التي تُقدم على تربية الطفل بين أحضان أمه وأبيه، وبهذا تربي في الولد نزعة الأنانية والفردية وتجعله ينشأ على المنفعة البحتة، وعدم الاستعداد لتقديم أي نوع من التضحيات أو التنازلات للغير.

أخطر القضايا التي تتناولها بنود الوثائق

أولا-الصحة الإنجابية والجنسية Sexual and Reproductive Health :

في الدول الغربية تجد الفتاة ذات الإثنا عشر ربيعًا نفسها مدفوعة إلى ممارسة الجنس في تلك السن الصغيرة؛ لتثبت للمجتمع ولصديقاتها أنها مرغوبة من الجنس الآخر، ولو لم تفعل ذلك فهي في نظر المجتمع دميمة وغير مرغوب فيها. وتدريجيًا أفرزت هذه المعادلة –المرعبة-(التي تربط بين القبول لدى المجتمع وممارسة الجنس في سن صغيرة) ظاهرة حمل المراهقات Teen Pregnancy، في حين تنص القوانين الغربية على أن تتكفل الحكومة بالحامل طالما هي بلا زوج، مما يشكل عبئًا ماديًا كبيرًا يقع على كاهل تلك الحكومات، فارتأت أن الحل هو العمل على الحد من النتائج السلبية للممارسة الجنسية (وليس منع الممارسة ذاتها)، أي الحد من ظاهرة حمل المراهقات .. وذلك عن طريق تعليم الأطفال ما يطلق عليه الجنس الآمن Safe Sex  من خلال تعليم الجنس Sex Education في المدارس للأطفال قبل الممارسة الأولى للجنس Before the 1st Practice [وفقا لما جاء في البند281(ج،هـ،و،ز) من وثيقة بكين)] ويتم ذلك بالفعل في عمر 8-9 سنوات.

وللتوقي من حدوث الحمل، يتم توزيع وسائل منع الحملContraceptives على الأطفال في المدارس. وإذا حدث الحمل بعد كل تلك المراحل، فالإجهاض متاح في العيادات والمستشفيات كوسيلة للتخلص من الحمل غير المرغوب فيه Unwanted pregnancy  تحت مسمى الإجهاض الآمن Safe Abortion.

والخطير في هذا الأمر أن تلك الخطوات التي تتبعها – بالفعل- الحكومات الغربية في التعامل مع ظاهرة حمل المراهقات، قد تم صياغتها في منظومة سميت بمنظومة (الصحة الجنسية والإنجابية)، ثم وضعت على شكل بنود في وثائق دولية تفرض على شعوب العالم أجمع- بغض النظر عن التباين الثقافي والديني بينها- حيث يتم فرضها من خلال منظمة الأمم المتحدة على تلك الشعوب باستخدام سلاح المعونات والمساعدات الاقتصادية، سواء بالترغيب او الترهيب.

وأبرز عناصر الصحة الإنجابية:

1- تعليم الجنس/ التثقيف الجنسي Sex Education:

يقصد به تعليم الأطفال والمراهقين كيفية ممارسة الجنس، والتدريب على الطرق المختلفة لإشباع الغريزة، وتدعو الوثائق الدولية إلى إزالة كل الحواجز والعوائق التي تعوق نشر برامج التثقيف الجنسي، حتى ولو كانت تلك العوائق ناشئة عن القيم والثقافات الأصلية للشعوب، حيث تنص المادة (83/ك) من وثيقة بكين: “وعند الاقتضاء إزالة الحواجز القانونية والتنظيمية والاجتماعية التي تعترض التثقيف في مجال الصحة الجنسية والإنجابية في إطار برامج التعليم الرسمي بشأن مسائل الصحة النسائية”.

وتطالب وثيقة عالم جدير بالأطفال الحكومات “بإتاحة الإمكانية في أقرب وقت ممكن وفي موعد لا يتجاوز عام 2015 لجميع الأفراد من الأعمار المناسبة، للحصول من خلال نظام الرعاية الصحية الأولية على خدمات الصحة الإنجابية”[14]، أي أن يصبح تقديم خدمات الصحة الإنجابية إجراءًا من ضمن الاجراءات التي تقدم من خلال نظام الرعاية الصحية الأولية من تطعيمات وتحصينات، ووقاية من الأمراض، وتغذية سليمة ..إلخ .

وفي حين يجرم الزواج تحت سن 18، تنص الاتفاقيات على تقديم كل الخدمات والرعاية، و”القيام عند الاقتضاء بتصميم وتنفيذ برامج تتيح للمراهقات الحوامل والمراهقات الأمهات مواصلة تعليمهن”[15].” وإكمال الدراسة في مرحلة الطفولة المبكرة وفي المستوى الابتدائي والمستويات التعليمية الأخرى، لجميع البنات، بما في ذلك المراهقات الحوامل والأمهات الشابات”[16].

2- إباحة الإجهاض

حيث تدرك اللجان القائمة على صياغة الاتفاقيات الدولية، تمام الإدراك، مدى تصادم تلك المطالبة – إباحة الإجهاض- مع ثقافات معظم شعوب العالم، والثالث على وجه الخصوص، لذا عمدت تلك اللجان إلى بعض الالتفافات، وذلك كي تتقبل الحكومات والشعوب دون غضاضة أو اعتراض هذا المفهوم، حيث تم إدماج الإجهاض ضمن “خدمات الصحة الإنجابية والجنسية Sexual and Reproductive health services”، وقد تم بالفعل تمرير هذه المصطلحات في البنـود 23، 24، 35، 44 من وثيقة عالم جدير بالأطفال.

وإمعانًا في الالتفاف حول المصطلح، يتم التعبير عنه بالإجهاض الآمن، لإضفاء صفة الأمان على الإجهاض إذا ما تم إباحته وإجرائه في المستشفى أو العيادة الطبية، ولا يكتفى بهذا، بل يتم تحويل الإجهاض إلى حق من الحقوق الإنجابية للنساء والمراهقات، حيث ترى تلك الوثائق أن افتقار الفتيات إلى المعلومات بشأن حياتهن الجنسية قد يؤدي إلى حمل غير مرغوب فيه، وبالتالي تلجأ الفتيات الحوامل إلى استخدام وسائل غير طبية لإجهاض حملهن، بما يشكل خطورة على حياتهن، ومن ثم جاءت تسمية الإجهاض بهذا الاسم الجذاب (الإجهاض الآمن) لترغيب الحكومات في الموافقة عليه وإقراره وتقنينه.

وترى الوثائق أن ما يدفع الفتاة الحامل إلى إجهاض نفسها في مجتمعاتنا على وجه الخصوص، هو (وصمة العار) التي تلحق بها بسبب تكون هذا الحمل نتيجة لعلاقة غير شرعية، ومن ثم تطالب تلك الوثائق بتغيير الثقافة المجتمعية التي تجرم تلك العلاقات، فلا تضطر الفتيات الحوامل إلى اللجوء إلى الإجهاض غير المأمون، إضافة إلى ما سبق من مطالبة الحكومات بتقنين الإجهاض، حتى يتيسر للفتيات إجرائه تحت رعاية الدولة وحمايتها.

وتستنكر لجان المرأة والطفل في الأمم المتحدة عدم حصول المراهقين في كثير من دول العالم على خدمات  الصحة الإنجابية، فنجد في وثيقة بكين (البند 93): “وحصول المراهقات على المشورة والمعلومات والخدمات فيما يتعلق بالصحة الجنسية والإنجابية لا يزال قاصرًا أو معدومًا تمامًا، وكثير ما لا يؤخذ في الاعتبار حق الشابات في الخصوصية والسرية والاحترام والموافقة المستنيرة، مع انعدام المعلومات والخدمات يزيد من خطر الحمل غير المرغوب فيه والمبكر للغاية ومن خطر الإصابة بالأمراض التي تنتقل عن طريق الاتصال الجنسي وكذلك خطر عمليات الإجهاض غير المأمون. ولا يزال الحمل المبكر يعوق إحداث تحسينات في الوضع التعليمي والاقتصادي والاجتماعي للمرأة في جميع أنحاء العالم”.

وموقف الإسلام من الإجهاض:

واضح وصريح بل لا نبالغ إذا قلنا أن أحد صور عظمة الإسلام تبدت في هذه النقطة؛ حيث قرن بين الفاحشة وبين قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وكأنه يبين أن هناك علاقة قوية بين الفاحشة وبين قتل الأولاد وأن الأخير لا يعم ولا يستشرى إلا في حضور الأول.

قال تعالـى: (ولا تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الأنعام:151].

وقال : (ولا يَزْنِينَ ولا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ) [الممتحنة :12].

وقال : (ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ ولا يَزْنُونَ) [الفرقان: 68].

3-وسائل منع الحمل

وإذا كان هذا العنصر من عناصر الصحة الإنجابية قد أفرزته المجتمعات الغربية كوسيلة لعلاج ظاهرة حمل المراهقات التي تعاني منها تلك المجتمعات،  فهل تعاني مجتمعاتنا الإسلامية من نفس الظاهرة، حتى يتم ترويج نفس المنظومة فيها؟ أم أن تلك المنظومة تخفي أهدافًا أخرى؟

في تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان عام 2005: “وتلبية حاجة الأفراد والأزواج (أزواج وأفراد، والمقصود بأزواج كما وردت فى أصل النسخة الإنجليزيةPartners & couples والمقصود بها أي اثنين يعيشان معا بغض النظر عن الجنس أو نوع الارتباط، أي المهم المساكنة (امرأة ورجل ، امرأتين ، رجلان … إلخ) والأفراد أي فرد يعيش بمفرده ويتمتع بحيثياته الجنسية كيفما يشاء غير الملباة إلى وسائل لمنع الحمل ضرورية من زواية حقوق الإنسان وينطوي أيضًا الحد من الخصوبة غير المرغوبة على انعاكسات هامة على المستوى الكلي”[17].

وفي الإعلان العالمي لبقاء الطفل المادة الرابعة عشر: “يجب أن تتاح لجميع الأزواج فرص الحصول على المعلومات بشأن التنظيم الرشيد لحجم الأسرة، والمزايا المتعددة للمباعدة بين الولادات، وتجنب حالات الحمل المبكر والمتأخر والمتعدد والمتواتر”.

يقول باول شمتز: “تشير ظاهرة نمو السكان في أقطار الشرق الإسلامي إلى احتمال وقوع هزة في ميزان القوى بين الشرق والغرب، فقد دلت الدراسات على أن لدى سكان هذه المنطقة خصوبة بشرية تفوق نسبتها ما لدى الشعوب الأوروبية، وسوف تمكن الزيادة في الإنتاج البشري على نقل السلطة في مدة لا تتجاوز بضعة عقود، وسوف ينجح في ذلك نجاحًا لا نرى من أبعاده إلا النذر اليسير”[18]:

هذا فضلاً عن الآثار الوخيمة لهذه الدعوى من انحلال خلقي وشيوع للفاحشة والفساد وضياع الحقوق وأول المجني عليهم سيكونوا المرأة والطفل.

ويقول د/ البوطي: “فتحت هذه الوسائل الباب أمام كل شاب وفتاة إلى شتى فنون التحلل والإباحية، من أيسر سبيل وبدون أي كلفة، فلقد أغنى ذلك كلاً منهما عن ضرورة التفكير بالزواج، واقتحام أسبابه، وتحمل أعبائه، كما أغنى ذلك كلاً منهما عن الارتباط بذيول الأطفال، وعن تحمل تبعاتهم إذا كان في الوسائل المانعة للحمل، وفي الأطباء الذين يتقنون فن الإجهاض إبقاء على سبيل المتعة المحرمة ألا يشوبها كدر، ولا يدنو إليها منغص مما يضمن لهما سلامة اللذة من سوء العواقب، وما يحقق للشباب مغنمًا من المتعة بدون مغرم من النسـل والذرية[19].

 ثانيًا– الدعوة إلى رفع سن الزواج ومحاربة الزواج المبكر:

في الوقت الذي تلح فيه الاتفاقيات الدولية، وتصر على منح الحرية الجسدية للفتيات خارج نطاق الزواج، وتوفير وسائل منع الحمل، وإباحة الإجهاض كوسيلة للتخلص من الحمل (السفاح).. تلح وتصر على تجريم الزواج تحت سن الثامنة عشر، واعتباره زواجًا مبكرًا، كما اعتبرته ضمن الممارسات الضارة وطالبت برفع سن الزواج وتوحيده من منطلق المساواة بين الفتى والفتاة.

فمما ورد في المؤتمر الدولي للسكان عام 1994:

” ينبغي على الحكومات.. أن تزيد السن الأدنى عند الزواج حيثما اقتضى الأمر، وعلى الحكومات والمنظمات غير الحكومية توفير الدعم الاجتماعي اللازم لإنفاذ القوانين المتعلقة بالسن الأدنى الشرعي عند الزواج ولا سيما بإتاحة بدائل تغني عن الزواج المبكر من قبيل توفير فرص التعليم والعمل”.

وقد اعتبرته وثيقة (عالم جدير بالأطفال 2002) من الممارسات الضارة والتعسفية، حيث نصت على: “القضاء على الممارسات الضارة أوالتعسفية التي تنتهك حقوق الأطفال والنساء مثل الزواج المبكر والقسري وتشويه الأعضاء التناسلية للإناث”[20].

وفي اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة والمعروفة اختصاراً بـ (سيداو) المادة 16/ ح/ 2: “لا يكون لخطوبة الطفل- دون 18 سنة- أو زواجه أي أثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية بما فيها التشريع لتحديد سن أدنى للزواج، ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمرًا إلزاميًا”.

وأما الأسباب الي تتذرع بها هذه المواثيق للمطالبة برفع سن الزواج هي الخوف على صحة الأم والطفل، والخشية من ازدياد عدد وفيات الأطفال نتيجة هذا الزواج، فقد قام د.ديفيد هارتلي -إخصائي في أمراض النساء والولادة- ببحث قارن فيه حالات حمل وولادة في سن 17 سنة -وهو ما تعتبره الاتفاقيات زواجًا مبكرًا- وحالات حمل وولادة في سن 20 إلى 25، فوجد أن المشاكل في الحالة الأولى، أقل من الحالة الثانية.

وكما يقول د/ سنانوي: “أن على المرأة من الناحية البيولوجية أن تبدأ الحمل من خلال سنوات قليلة بعد سن البلوغ، فقد تبين أن إنجاب المرأة لأول طفل من أطفالها في سن مبكرة تحت العشرين هو أهم وسائل الوقاية من سرطان الثدي”[21].

أما الإدعاء بأن له  تأثير سلبي على الطفل المولود، فقد يرجع إلى نقص خبرة الأم الصغيرة بواجبات الرعاية المطلوبة للمولود، وهذا الإخفاق لا يرجع إلى الزواج المبكر بقدر ما يرجع إلى عدم تدريب الفتاة منذ الصغر على رعاية الأطفال.

أما كونه يقلل من فرص إكمال التعليم، فهو ما قد تقع فيه من تتزوج في انفصال تام عن أسرتها (مثل ما يحدث في المجتمع الغربي، حيث تعيش الفتاة مع شاب بدون زواج بعد أن طلب منها والديها أن تستقل عن الأسرة وتعتمد على نفسها).

أما في المجتمعات الإسلامية، ففي الغالب حين تتزوج الفتاة وهي دون الثامنة عشر، تكون مع أسرتها أو أسرة زوجها (أسرة ممتدة)، وهي تعتبر خير معين لها على استكمال تعليمها؛ لأن هذا النظام مبني على التعاون والتعاطف والتراحم بين أفراد الأسرة.

ومن ثم فإن القول بأنه يقلل من فرص العمل ومن ثم الحرمان، إنما ينطبق على المجتمعات الغربية حيث تعمل المرأة – مرغمة – كي تعول نفسها، ومن ثم فإن حملها يقلل من فرص عملها وبالتالي يقلل من دخلها.

أما في المجتمعات الإسلامية فإن الفتاة ينفق عليها وليُّها، وإذا ما تزوجت ينفق عليها زوجها، وبالتالي فإن مصدر دخلها ثابت وتحظى بضمان اجتماعي مدى الحياة.

ناهيك عن الآثار السلبية لرفع سن الزواج، والذي نراه على أوسع نطاق في المجتمعات التي استجابت لهذه الدعوات الخطيرة من:

أ- انتشارٌ للزنا:

وذلك بسبب اشتداد الشهوة عند الشباب في هذه المرحلة المبكرة من العمر مع عدم وجود مصرف طبيعي مما يدفع الشباب إلى تصريف هذه الثورة في مصارف غير شرعية كالزنا والاغتصاب … إلخ .

يقول الأستاذ/ أنور الجندي: “سهَّل الإسلام أمور الزواج ويسرها إلى أبعد حد، فقد حفظ المجتمع والأسرة من البغاء الذي يأتي جانب كبير منه نتيجة لتأخر الزواج، وفي العصر الحديث حرصت القوى العالمية أن تهدم الأسرة وتُفشي الزنا بتأخير الزواج بدعوات تحمل طابع الحب والهوى لتضل بها الفتيات”[22].

والملاحظة الجديرة بالذكر هنا الأشارة إلى التناقض العجيب في الوثائق الدولية التى تحارب الزواج المبكر، في الوقت الذي تدعو فيه إلى الزنا المبكر وتعتبر أن حفاظ الفتاة على عذريتها هو تحكم جنسي من قبل ولي أمرها، الأمر الذي يُولد لديها كبتًا جنسيًا!! وتعده الوثائق الدولية من أسوأ أشكال العنصرية والعنف ضد الفتاة، وهذا ما نص عليه التقرير الصادر عن اجتماع لجنة الخبراء الذي عقده قسم الارتقاء بالمرأة (DAW) في الأمم المتحدة بعنوان: “القضاء على كافة أشكال التمييز ضد الطفلة الأنثى” في البند(48): “كثير من أسوأ أشكال العنصرية والعنف ضد الفتيات تحدث في بيوتهن ومجتمعاتهن، مجتمعات الرجال والأولاد دائمًا تركز على التحكم الجنسي والإنجابي للمرأة والفتيات، والكبت الجنسي للفتيات شاملاً التركيز الشديد على عذرية الفتاة وخصوبتها يقود للتمييز وإذعان الفتيات”[23]

ب- تقليل فترة الخصوبة

كما جاء في الدراسة التي أجراها المجلس القومي للسكان :”أن كل ارتفاع في سن الزواج بمقدار سنة يؤدي في المتوسط إلى خفض عدد الأطفال في الأسرة بنحو 21طفل، وتؤكد الدراسات المختلفة تأثر الخصوبة بشكل مباشر بالسن عند الزواج الأول حيث أن الزواج المبكر يعطي احتمالية أعلى لعدد مرات الحمل والولادة”[24].

فقد ذكر علماء الوراثة أن أثر تأخير الزواج لا يقتصر بالضرورة على الأم فقط، بل يتعداها إلى أولادها، والسبب هو كهولة البويضة الناتجة التي بدأت اختزالها وعملها منذ كانت الأم جنينًا في بطن أمها[25] .

وليس فقط الخطر الصحي هو وحده المتوقع للأطفال الذين ينجبون من زواج متأخر وإنما هناك خطرًا آخر لا يقل أهمية وهو الجانب التربوي؛ وذلك لأنه “كلما قصرت المسافة الزمنية التي تفصل بين جيلين كلما كان تأثير الكبار الأدبي على الصغار أكثر قوة، ومن ثم يجب أن تكون النساء أمهات في سن صغيرة حتى لا تفصلهن عن أطفالهن ثغرة كبيرة “[26].

ج- ارتفاع معدلات العنوسة

أيضًا من الآثار المدمرة لتأخر الزواج التزهيد فيه وإفراز ما يسمى بـ “العنوسة”، وذلك بإضاعة الفترة التي تشتد فيها حاجة الرجل إلى المرأة، وحاجة المرأة إلى الرجل فيصبح كل منهما في استغناء عن الآخر فيزهدون في الارتباط ببعضهما، ويصير لكل منهما أولويات أخرى غير تلبية نداء الفطرة، ويزيد هذا الأمر كلما تقدم العمر بالإنسان.

ثالثًا- إضعاف وهدم الأسرة الطبيعية:

لا يفوت المواثيق الدولية أن تشير إلى أهمية الأسرة كوحدة أساسية في المجتمع، إلا أنها في ذات الوقت تطالب بإجراءات خطيرة ستكون النتيجة الحتمية لتطبيقها هدم الأسرة الطبيعية وذلك من خلال:

أولاً: أنها طالبت بالاعتراف بأشكال وأنماط متعددة للأسرة بحيث يتسع إطار الأسرة ليشمل كافة أنواع الاقتران الطبيعية (ذكر وأنثى) الشرعي منها والغير شرعي، وغير الطبيعية (شواذ).

ففي دراسة للأمريكية “آن فوستس ستيرلنج” بعنوان “الأجناس الخمسة” ادعت فيها أن “تقسيم الخلق إلى ذكور وإناث أصبح واقعًا تجاوزه الزمن، ولم يعد يعبر بدقة عن حقيقة الواقع الإنساني، ذلك أن الواقع أصبح يحفل بخمسة أجناس، وليس جنسين فقط، إذ بجانب الرجال والنساء هناك المخنثون والنساء الشاذات اللائي يعاشرن النساء، والرجال الذين يعاشرون الرجال”[27].

ومع تراجع مفهوم الأسرة الطبيعية، حل تدريجيا البديل الكارثي، حيث ظهرت الدعوة إلى بناء الأسر (اللانمطية)، بل والتوصية بإعطاء هذه الأسر حماية قانونية وضمان إعطائها نفس الحقوق التي للزوجين. وهكذا تم الإبقاء على الشكل مع إفراغ محتواه أو استبداله بمحتوى آخر، فظلت التسمية (أسرة) ولكن بمعنى آخر حيث صارت تعني كل بيت تشبع فيه الحاجات الأساسية الطبيعية (رجل وامرأة في إطار الزواج، رجل وامرأة خارج إطار الزواج، رجال ونساء دون رابطة قانونية، رجلين، امرأتين.. والبقية تأتي).

أما نص بعض البنود التي أعربت صراحة عن أشكال أخرى للأسرةDifferent forms of the Family، فلم يكن مستحدثًا في مؤتمر الإسكان 1996، ففي مؤتمر السكان الذي عقد في مكسيكو سيتي 1984: “تعترف خطة العمل العالمية للسكان والأسرة- بأشكالها المتعددة – باعتبارها الوحدة الأساسية للمجتمع، وتوصي بإعطائها حماية قانونية. والأسرة مرت – ولا تزال تمر- بتغيرات أساسية في بنيتها ووظيفتها”[28].

وفي تقرير المؤتمر الدولي للسكان والتنمية بالقاهرة 1994: “وضع سياسات وقوانين تقدم دعمًا أفضل للأسرة، وتسهم في استقرارها وتأخذ في الاعتبار تعدد أشكالها”[29] .

وتأتي وثيقة عالم جدير بالأطفال 2002 في (المادة الخامسة عشر منها)، لتبرز ذات المعنى (تعددية أشكال الأسرة) حينما طالبت الوثيقة الحكومات بـ “مراعاة أن الأسرة تتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف النظم الثقافية والاجتماعية والسياسية”.

ثانيًا: سعت إلى التقليل من قيمة الرعاية التي تقدمها الأسرة للطفل من خلال مساواة رعاية الأسرة الطبيعية بغيرها من أشكال الرعاية الأخرى كرعاية المحاضن والملاجئ أو مراكز الإيواء … إلخ. فقد قللت الوثائق الدولية المعنية بالطفل من قيمة الرعاية التي تقدمها الأسرة للطفل من خلال مساواة رعاية أسرة الطفل الحقيقية له بغيرها من أشكال الرعاية الأخرى، بل وأحيانًا تقدم تلك الوثائق الأشكال الأخرى من الرعاية على رعاية أسرته الحقيقية له، بحجة إساءة الوالد إلى ولده أو تأديبه له أو أية أسباب أخرى تدخل تحت ما أطلقوا عليه “مصلحة الطفل الفضلى”.

فنجد في اتفاقية حقوق الطفل في المادة (20) “للطفل المحروم بصفة مؤقتة أو دائمة من بيئته العائلية، أو الذي لا يسمح له حفاظًا على مصالحه الفضلى بالبقاء في تلك البيئة الحق في حماية ومساعدة خاصتين توفرهما الدولة”.

وفي الإعلان العالمي لبقاء الطفل لعام 1990 في المادة (19): “يجب بذل كل جهد ممكن دون فصل الأطفال عن أسرهم، وإذا ما فصل الطفل عن أسرته لأسباب قهرية، أو من أجل مصلحته العليا فينبغي عمل الترتيبات لتوفير العناية الملائمة البديلة للأسرة، مع مراعاة توفير البيئة الملائمة حيث أمكن؛ لتربية الطفل في محيطه الثقافي الخاص.

ولا نعلم لمصلحة من هذه الإجراءات، فالطفل سيكون أول من يكتوي بنارها فأهمية الأسرة للطفل ليس فقط في الأدوار التي يقوم بها الأبوان، بل وإطار الأسرة الأوسع والذي يشمل الجدود والأعمام والأخوال، وإنما لأنها هي المؤسسة الوحيدة التي لا يُخشى وقوع أي ضرر منها على الطفل وإذا ما وقع- في حالات استثناءية- فإن هذا الضرر لا يُقارن بالبدائل الأخرى من محاضن وملاجئ ودور إيواء ومؤسسات رعاية مهما كانت مغلفة بأسمى عبارات الإنسانية فضررها خطير على الطفل صحيًا ونفسيًا وأخلاقيًا.

وهذا ما أكدته الدراسات الاجتماعية والنفسية حيث أن أطفال المحاضن ومؤسسات الرعاية يتصارعون على أم واحدة، كلٌ يريد تملكها بينما الأمر لا يعدو بالنسبة لها سوى وظيفة تُؤدى ومهما بلغت مشاعرها أقصاها فلن تكون كالأم الطبيعية.

وكما يقول المؤرخ الأوروبي “ول ديورانت”: “الآن وقد أخذ البيت في مدننا الكبرى في الاختفاء، فقد فقد الزواج المقصود على جاذبيته الهامة، ولا ريب أن زواج المتعة سيظفر بتأييد أكثر فأكثر حيث لا يكون النسل مقصودًا، وسيزداد الزواج الحر، مباحًا كان أو غير مباح، سينمو الطلاق، وتزدحم المدن بضحايا الزيجات المحطمة، ثم لا يصاغ نظام الزواج بأسره في صورة جديدة أكثر سماحة، وعندما يتم تصنيع المرأة، ويصبح ضبط الحمل سرًا شائعًا في كل طبقة يصبح الحمل أمرًا عارضًا في حياة الأم، أو تحل نظم الدولة الخاصة بتربية الأطفال محل عناية البيت[30].

الاستراتيجيات المتبعة لعولمة قضايا الطفل

1- عقد سلسلة متصلة ومتواصلة من المؤتمرات يعقبها إصدار الاتفاقيات

بأن تبادر الأمم المتحدة بعقد سلسلة متصلة ومتواصلة من المؤتمرات والاتفاقيات؛ لترسيخ القيم المستهدف عولمتها فتصير كل وثيقة مرجعية لما يليها أو أن تكون خطة عمل لسابقتها الملزمة، كإصدار مجموعة من الإعلانات التي تتناول مبادئ عامة في مجال حماية الطفل دون أن يكون لهذه الإعلانات الصفة القانونية الملزمة، وليس لها أية وسيلة للرقابة الدولية ثم تأتي اتفاقية حقوق الطفل سنة 1989 ذات الطابع الإلزامي؛ لتؤكد ما نادت به الإعلانات السابقة، ولا يكتفي بهذا بل هناك وسيلتان أخريان قانونيتان ملزمتان هما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادران عام 1966 واللذان دخلا حيز التنفيذ عام 1976وهما يكفلان مجموعة من الحقوق للإنسان ويفرضان على الدول مجموعة من الالتزامات القانونية والطفل في نهاية الأمر إنسان.

ومن ثم يصبح العهدان المذكوران بمثابة وسيلة احتياطية لسد أي نقص في اتفاقية حقوق الطفل إذ أنهما يظلان بمثابة (الشريعة العامة) لحقوق الإنسان بمن فيهم الأطفال في حين تصبح الاتفاقية بمثابة (الشريعة الخاصة) [31].

ويتجدد التزام الدول بهذه الاتفاقية في أية مؤتمرات أو إعلانات أو اتفاقيات معنية بالطفل.

2- تشجيع الدول على الانضمام إلى الاتفاقيات بطمأنتها بأكثر من وسيلة:

أولاً: إقناع الحكومات بأن الاتفاقية ماهي إلا “مبادئ عامة أو ما يطلق عليه (اتفاقيات الإطار) والتي تشير إلى قواعد بالغة العمومية والتجريد على أن يكون للدول الأطراف حرية وضع القواعد التشريعية المتضمنة للتفصيلات إذ أن الدول الأطراف لها خصوصيات ثقافية أو اجتماعية لا تستطيع معها الالتزام بقواعد تفصيلية بعينها”[32].

ولكن ما يتم على أرض الواقع مغاير لذلك؛ حيث أنه بممارسة الضغوط من ترغيب وترهيب على الحكومات بالإضافة إلى ضغوط من المجتمع المدني والذي يتبنى أيضًا أجندة الجهات المانحة الدولية وبإغراء التمويل الخارجي، يصير لزامًا على الحكومات اتخاذ سلسلة من التدابير القانونية والسياسات؛ لتطبيق الاتفاقية وفقًا للمعايير الدولية وذلك ضمن الرقابة الدولية والإقليمية والقومية في تطبيق الاتفاقية كما سنعرض بشئ من التفصيل بعد ذلك .

ثانيًا: يترك للدول حرية الانضمام مع التحفظ على ما يتعارض مع ما يخالف قيمها أو قوانينها الوطنية مثلما تحفظت بعض الدول العربية على المادة 7 (تسجيل المواليد) ، المادة 13 (حرية التعبير) المادة 14 (حرية الديانة) المادة 16 (الحماية من التدخل التعسفي)، المادة 17 (الحصول على المعلومات)، المادة 20 (حماية الدولة في حال غياب أسرة الطفل)، المادة 21 (التبني) ومثلما تحفظت بنجلاديش وباكستان وإيران على النصوص التي تخالف الشريعة الإسلامية، كذلك تحفظت مصر على أجزاء من المادتين (20-21) من الاتفاقية المتعلقة بالتبني وأعلنت جيبوتي تحفظها على مواد لا تتطابق مع دينها وقيمها التقليدية[33].

إلا أن الملاحظة الجديرة بالذكر أن هذه التحفظات غير ذات جدوى لعدد من الأسباب:

السبب الأول:   أن هناك بند في الاتفاقية يقضي بأنه لا يجوز التحفظ عى بنود تُعد جوهر الاتفاقية.

السبب الثاني: يكشف عنه بوضوح ما جاء في اعتراض النرويج على تحفظ جيبوتي حيث بنت اعتراضها على أساس أن “أي تحفظ من قبل دولة طرف يحد من مسئولياتها بمقتضى الاتفاقية، استنادًا إلى المبادئ العامة في قانونها الوطني من شأنه أن يثير الشك في التزام الدولة المتحفظة لهدف الاتفاقية وغرضها، فضلاً عن أنه يعمل على تقويض الأساس الذي يقوم عليه القانون الدولي الخاص بالمعاهدات”[34].

السبب الثالث: مطالبة المجتمع الدولي للدول بإلحاح برفع التحفظات وذلك في كل محفل محلي أو إقليمي أو دولي معني بالطفل ومن الجدير بالذكر أن الحكومة المصرية قد سحبت تحفظها على المادتين (20-21) من اتفاقية حقوق الطفل في شهر يونيو 2003[35].

وعلى هذا فإن التحفظات الواردة على الاتفاقية لا تشكل قيدًا وإنما بمرور الوقت وبممارسة مزيد من الضغوط تصير التحفظات لا معنى لها وتصبح بنود الاتفاقية هي الأصل بنفس إطارها الفكري والخلفية الفلسفية الكامنة فيها.

ومن ثم فإن تذرع الحكومات الموقعة على الاتفاقية أمام الشعوب بأنه لا خوف من القضايا المثارة في الاتفاقية الدولية ومصطلحاتها المشبوهة استنادًا إلى عبارة (امتثالاً لقوانينها الوطنية) الواردة بالاتفاقية تؤكد على خصوصية المجتمعات تُعد حجة واهية؛ لأن ردود لجنة الطفل الدولية أثناء تقييمها للتقارير الدولية المقدمة لها يثبت ضعف هذه الإدعاءات، وهو ثناء لجنة الطفل على ما اعتبرته تطور إيجابي حاصل في الدول العربية في التشريعات الوطنية ويكشف هذا علو المرجعية الدولية حيث تقول اللجنة: “تكشف مراجعة التقارير التي قدمتها الحكومات العربية إلى لجنة الطفل بالأمم المتحدة عن تطورات إيجابية.

فعلى الجانب القانوني أدخلت اتفاقية حقوق الطفل في القانون الداخلي في كل من الجزائر وسوريا، وفي العراق والكويت يجوز الاستشهاد باتفاقية حقوق الطفل أمام المحاكم، وفي البحرين أصدرت الحكومة مرسومًا يقضي بأن تكون اتفاقية حقوق الطفل ملزمة لكل السلطات الوطنية، وفي سوريا ينص القانون المدني وقانون الإجراءات الجنائية –صراحة- على أن الأحكام الوطنية لا تطبق إذا كانت متعارضة مع اتفاقية حقوق الطفل، واعتمدت كل من تونس ومصر قانونًا للأطفال (عامي 1995و1996 على التوالي) وسنت ليبيا قانون حماية الطفل عام  1997[36].

3الرقابة الدولية على الاتفاقية:

وهذه المرحلة غاية في الخطورة؛ فالأمر ليس فقط مجرد توقيع دول وتصديقها على مجموعة من النصوص وإنما الأخطر هو ما بعد ذلك وهو مرحلة الرقابة على تنفيذ هذه النصوص؛ حيث عهدت اتفاقية حقوق الطفل بالرقابة على تنفيذ أحكامها إلى “لجنة حقوق الطفل” والوسيلة الدولية للرقابة على تنفيذ الاتفاقية تنحصر في تقديم “التقارير” من الدول الأطراف فيها عن مدى تنفيذها للالتزامات التي فرضتها هذه الاتفاقية وبروتوكوليها الاختياريين.  وقد أنشئت هذه اللجنة عام 1991وتختص بما يلي:-

  1. تلقي تقارير الدول الأطراف في الاتفاقية:

حيث ألزمت الفقرة الأولى من المادة (44) من الاتفاقية الدول الأطراف بأن تقدم إلى اللجنة تقارير عن التدابير التي اتخذتها لإنفاذ الاتفاقية وعدم التقدم المحرز بشأنها.

كما رخصت الفقرة الرابعة من ذات المادة “للجنة أن تطلب من الدول الأطراف معلومات إضافية ذات صلة بتنفيذ الاتفاقية”. وهذه التقارير ثلاث أنواع:

أ- تقارير أولية:

ويتم تقديمها في غضون سنتين من بدء نفاذ الاتفاقية وتمثيل بداية الاتصال بين الدول واللجنة وتعتبر الاختبار الأساسي لمدى التزام الدولة، كما تشكل الأساس الذي يمكن الرجوع إليه عند فحص التقارير الدورية للتعرف على مدى التقدم المحرز والجهود التي تبذلها الدولة بقصد تنفيذ ما ورد بالاتفاقية[37] .

ب- تقارير دورية:

وهي تسمح بإجراء المقارنة وتقدير مدى تطور الموقف داخل الدولة حيث تسمح دورية التقارير للجنة حقوق الطفل بالعودة إلى التقارير السابقة وإلى ملاحظاتها الختامية المرتبطة بها وتقدم كل خمس سنوات[38].

ج- تقارير إضافية ومعلومات إضافية:

نظرًا لأن التقارير الدورية كل 5 سنوات ومن ثم الفترة الزمنية الفاصلة بين التقرير الدوري وما يليه كبيرة نسبيًا فكان ضروريًا أن يمنح الجهاز الدولي رخصة طلب تقارير إضافية[39].

  1. تقديم المقترحات والتوصيات العامة بشأن تقارير الدول:

لا تكتفي اللجنة الدولية لحقوق الطفل بتسلم التقارير السابق ذكرها بأنواعها الثلاث، وإنما أصبح من حقها بموجب المادة (45) من اتفاقية حقوق الطفل أن تُعقّب على كل تقرير بعد النظر فيه بما تراه من توصيات تتوجه بها إلى الدولة الطرف صاحبة التقرير، وهذه وسيلة أخرى تضمن بها لجنة حقوق الطفل الدولية امتثال الدول الأطراف لما تراه اللجنة حتى وإن سبق التحفظ عليه لتعارضه مع خصوصيات المجتمعات، حيث يُنظر إلى هذه الدول نظرة اتهام ويصير لزامًا عليها تعديل سلوكها الذي يتم تصنيفه على أنه (مخالف لمعايير اللجنة الدولية).

وفي هذا الصدد ويقول أ. مصطفى سلامة: “ولاشك أن إصدار التوصيات يُعد وسيلة لحث الدول المخالفة على الامتثال للسلوك الواجب إتباعه حيث إن التوصية في جوهرها ذات قيمة سياسية وأدبية وتتيح للدول موضع الإتهام الفرص لتعديل سلوكها”[40].

ويبدو هذا جلياً في تعقيبات لجنة حقوق الطفل على التقارير المقدمة من البلدان العربية حيث أوصت بضرورة مراجعة الدول العربية لمواقفها بشأن التحفظات، ومراجعة قوانينها الداخلية، حيث أعربت اللجنة الدولية في تقريرها عن الجلسة الخاصة للجمعية العمومية المعنية بالطفل، والتي صدر عنها وثيقة (عالم جدير بالأطفال 2002): “عن عدد من المخاوف …. وهي تتعلق بالتحفظات التي أثارتها عدة دول عربية فيما يتعلق ببعض الأحكام التي تضمنتها الاتفاقية واعتبرتها غير متوافقة مع التشريع المحلي القائم على الشريعة الإسلامية أو مع القانون العرفي، وأكدت اللجنة ضرورة العمل من أجل المزيد من الإصلاح لقوانين الأحوال الشخصية في معظم الدول العربية كي تكون متمشية بالكامل مع أحكام اتفاقية حقوق الطفل …. وتعتبر اللجنة أن سن الزواج مجال خاص يحتاج إلى إصلاح قانوني حتى يكون متوافقًا مع اتفاقية حقوق الطفل بما في ذلك الفوارق بين الحد الأدنى لسن الذكور وسن الإناث..وهناك مجال آخر للمخاوف وهو الافتقار إلى التنسيق بين أحكام اتفاقية حقوق الطفل والقانون الجنائي[41]“.

III.  إصدار التعليقات العامة على الاتفاقية:

لضمان مزيد من امتثال الدول الأطراف لاتفاقية حقوق الدول وتحت مسمى (مساعدة اللجنة للدول الأطراف في الوفاء بالتزاماتها)، أعطت المادة (73) من النظام الداخلي للجنة حقوق الطفل لنفسها حق إصدار تعليقات عامة ذات صلة ببنود الاتفاقية نفسها، حيث نصت على:

“يجوز للجنة أن تعد تعليقات عامة استناداً إلى مواد وأحكام الاتفاقية بغية تعزيز تنفيذها ومساعدة الدول الأطراف في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بتقديم التقارير[42]“.

وهذا أمر في غاية الخطورة:

فبنود اتفاقية حقوق الطفل مثلاً لم تذكر صراحة لفظ الجندر Gender لاعتراض كثير من الوفود عليه، ومع هذا صار من حق اللجنة بموجب هذا الاختصاص (إصدار التعليقات) أي أن تتوسع كيفما تشاء وتوصي الدول الأطراف بتغيير مناهج التعليم الوطنية كي تتضمن هذا المصطلح ومشتقاته، والأدهى من ذلك اتهام الدول التي امتثلت سابقًا وأدخلت هذا المصطلح ضمن مناهجها بالقصور وأن ما فعلته لا يُعد امتثالاً كافيًا.

مثال ذلك: تعليق اللجنة الصادر في يناير 2001 بشأن المادة (29/1) من الاتفاقية والتي تتناول التعليم حيث أشارت إلى:

– ضرورة أن تنص المناهج في جميع مراحل التعليم على احترام مبدأ Gender equality.

– معالجة التمييز الجندري في المناهج التعليمية لا يكفي لضمان الامتثال[43]للمادة (29/1)[44].

مثال آخر:

في 15 نوفمبر 2002 أصدرت اللجنة تعليق عام رقم 2 لعام 2002 موضوعه (دور المؤسسات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان في دعم وحماية حقوق الطفل)، حيث دعت الدول إلى إنشاء مؤسسات مستقلة لحقوق الإنسان والتي ستكون بطبيعة الحال مطالبة –بموجب التعليق العام رقم 2 لعام 2002- بإحاطة اللجنة باستعراض وضعها وفعاليتها[45].

وأكدت اللجنة على ضرورة أن يكون للمؤسسات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان سلطة النظر في الشكاوى والالتماسات، بما في ذلك المقدمة من الأطفال مباشرة أو بالنيابة عن الأطفال، وأن تجرى تحقيقا بشأنها، كذلك يكون لهذه المؤسسات سلطة دعم الأطفال الذين يرفعون دعاوى أمام المحاكم بما في ذلك سلطة رفع الدعاوى وسلطة التدخل في الدعاوى[46] .

 

 

تطبيق اتفاقية حقوق الطفل في القوانين العربية الوطنية

مما لا شك فيه أن اتفاقية حقوق الطفل CRC لعام 1989، تعد من قبيـل “الاتفاقيـات الملزمـة العامة، حيث إنها تتوجه بخطابها بصورة عامة ومجردة، أو بمعنى آخر فإنها ترسي قواعد سلوك عامة ومجردة، أي أنها قواعد قانونية بالمعنى الفني الدقيق”[47]. وهي بذلك تعد من (المعاهدات الشارعة).

ولعل وصفنا لاتفاقية حقوق الطفل أنها تدخل في عداد الاتفاقيات الشارعة يرجع للآتي[48]:

(1) أنها تقوم بوضع قواعد عامة مجردة قابلة للتطبيق مستقبلاً على أية حال تندرج تحتها، ومن ثم فهي تشبه التشريعات.

(2) ومن حيث الأطراف فيها: نجد أنها تتميز باشتراك معظم الدول الأعضاء فـي المجتمع الدولي فيها إن لم يكن كلها، ويتوجه الخطاب فيها إلى المجتمع الدولـي كلـه.

واتفاقية حقوق الطفل تلزم اليوم 191 دولة من دول العالم. وهي بذلك تخضع حقـوق الطفل والحريات الواردة بها إلى ضمانة جماعية تباشر تحت رقابة دولية. وهي بذلك تعد من الاتفاقيات الدولية الجماعية.

(3)  وهي من حيث قوة الإلزام، آمرة على من تخاطبهم.

بل أن محكمة العدل الدولية أقرت بوجود عدة التزامات عالمية وفي هذا الشـأن، فالالتزامات الخاصة بحقوق الإنسان، ومنها بالطبع حقوق الطفل، ليست التزامات تعاقدية، بـل هي التزامات يتم الاحتجاج بها في مواجهة الكافة .

وفي العالم العربي نجد بعض الدول تعطي المعاهدة (قوة تعلو على القوانين التشريعية)، ومن ثم تأخذ هذه المعاهدة الأولوية في التطبيق داخل الدولة، وهذا يعني ضرورة تعديـل التشـريعات المخالفة لأحكامها، وعدم إصدار تشريعات لاحقة تتعارض معها، وامتـداد الرقابـة القضائيـة لتحقيق هذه الغاية[49].وهذا هو النظام الذي أخذت به تونس وموريتانيا.    وهناك دول أخرى تعطي المعاهدة بعد اندماجها في القانون الداخلي (قوة القانون)، ويـرد ذلك صراحة في دساتير البحرين والجزائر والسودان وقطر والكويت ومصر واليمن.

وهذا يعني أن المعاهدة يمكن أن تلغي أحكام قانون سابق يتعارض معها، ولكنها لا تمنع  المشرع من اتخاذ إجراء لاحق يخالف أحكام المعاهدة، وفي هذه الحالة لا يجوز للمتقاضين داخل الدولة الدفع بمخالفة التشريع الجديد لأحكام المعاهدة، وإن كانت الدولة عليها أن تتحمل تبعة المسئولية الدولية  تجاه الدول الاخرى الأطراف في الاتفاقية إذا كان التشريع المخالف يمس مصالحها أو مصالح رعاياها[50].

بعض التغييرات القانونية التي تمت في العالم العربي تطبيقا لاتفاقية حقوق الطفل

التغييرات التالية وردت في التقارير التي قدمتها الحكومات العربية إلى لجنة حقوق الطفل الدولية عن تطبيقها لاتفاقية حقوق الطفل، منها:

– في كل من الجزائر وسوريا أدخلت اتفاقية حقوق الطفل في القانون الداخلي.

– في العراق والكويت يجوز الاستشهاد باتفاقية حقوق الطفل لكل السلطات الوطنية.

– في سوريا ينص القانون المدني وقانون الإجراءات الجنائية صراحة على عدم تطبيق الأحكام الوطنية إذا ما تعارضت مع اتفاقية حقوق الطفل .

– تونس ومصر اعتمدا قانون للأطفال (عامي 1995، 1996) على التوالي.

– ليبيـا سنت قانون لحماية الطفل عام 1997.

– وأخيرًا التعديلات الأخيرة عام 2008 والتي تم ادخالها على قانون الطفل المصري الصادر عام 1996 والذي صرحت فيه أمين المجلس القومي للطفولة والأمومة المصري بأن التعديلات الواردة إنما هي لإعمال اتفاقية حقوق الطفل الدولية CRC والتي صدقت عليها مصر سابقًا[51].

وتم بالفعل تصديق مجلس الشعب المصري على التعديلات الأخيرة وذلك لأنالدستور المصري الصادر عام 1971 المادة (151): “رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات ويبلغها مجلس الشعب وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها. على أن معاهدات الصلح والتحالف والتجارة والملاحة وجميع المعاهدات التي يترتب عليها تعديل في أراضي الدولة، أو التي تتعلق بحقوق السيادة، أو التي تحمل خزانة الدولة شيئًا من النفقات غير الواردة في الموازنة  تجب موافقة مجلس الشعب عليها”.

ولما كانت اتفاقيات حقوق الإنسان ومنها بالطبع اتفاقيـة حقـوق الطفل تأخذ حكم المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة –إذ إن تنظيم حقوق المواطنيـن العامة والخاصـة وتعديل قوانينها مسألة تتعلق بحقوق سيادة كل دولة- لذلك فإن معاهدات حقوق الإنسان، والطفل لا يعدو –في نهاية المطاف- سوى إنسان، يجب أن يوافق عليها مجلس الشعب، حتى تصبح جزءاً من النظام القانوني للدولة[52].

الخاتمة

مما لاشك فيه أن المواثيق الدولية للطفولة تتخذ من نمط الحياة الغربي منطلقًا لها وهذا أمر يسهل على أي باحث أو دارس لتلك المواثيق أن يصل إليه، فسمات نمط الحياة الغربي تبدو بوضوح سواء في المصطلحات المستخدمة، أو في المبادئ الحاكمة لتلك المواثيق، والقضايا المطروحة، حيث نجدها تستخدم مصطلحات ليست لها ترجمة أساسًا في اللغة العربية كالجندر Gender ومشتقاته، فضلاً عن بعض المصطلحات الضبابية كالصحة الجنسية Sexual Health، وخدمات الصحة الإنجابيةReproductive Health Services، والمراهقات الحوامل، والجنس الآمنSafe Sex، والاجهاض الآمن  Safe Abortionمع  اشتراك كل المؤتمرات، أيا كان نوعها، أو عنوانها، أو هدف انعقادها؛ في نفس المفاهيم.. وبذلك تتم عملية تطبيع المصطلح وقبول أبعاده.

إن مجرد طرح تلك المصطلحات -وإن كان يبدو مستغربًا أو مستنكرًا في بادئ الأمر- يُعدُّ مكسبًا، حيث يصبح المصطلح مع تكرار تداوله مألوفًا ودارجًا لا يثير الاستغراب أو الاستنكار، فينفذ إلى جسد الأمة دون أية مقاومة.

فضلاً عن تعامل تلك الوثائق مع الطفل على أنه كائن مادي بحت لا مرجعية له، ولا دين ولا تاريخ.. وإنما التركيز الشديد على حريته المطلقة ومصالحه الفضلى، حتى لو اصطدمت مع أي شىء آخر.

وهذا البعد المادي ليس غريبًا على الثقافة الغربية التي قامت على المذهب النفعي، وتحاول من خلال- المواثيق والاتفاقيات- تعميمه على شعوب العالم، فينشأ الطفل متمحورًا حول ذاته منذ نعومة أظفاره ويشب على الأخذ دون العطاء.

بينما يوازن الإسلام بين الحق والواجب، ويربي أطفاله على أنهم لبنات في جسد واحد هو المجتمع، ولا قيمة للبنة وحدها وإنما قيمتها في الدور الذي تقوم به هي وباقي اللبنات، وأنه إلى جانب قيم العدل توجد قيم الفضل والإحسان.

وليس فقط المذهب النفعي هو ما تقوم عليه الثقافة الغربية، بل أيضًا تقوم على المتعة والفردية،  فالجنس في الثقافة الغربية كالطعام والشراب والهواء، لا يمكن حرمان الجسد منه، وبدلاً من تقييده بالأطر التشريعية والدينية، يُعترف به كحق مكفول للجميع، بل ويجب على الحكومات تلبية (الاحتياجات الخاصة) حتى لا يضطر المراهقون على الأخص إلى الدخول في علاقات دون (معلومات) بما قد يؤدي إما إلى حدوث حمل (غير مرغوب فيه) ومن ثم اللجوء الى الإجهاض (الذي تبيحه تلك المجتمعات الغربية من باب الحقوق والحريات المطلقة)، أو الإصابة بالأمراض الجنسية وبخاصة الإيدز.. ولا ذكر مطلقًا لمنع ارتكاب الفواحش كحل جذري وطبيعي لتلك البلايا.

ونحن نتساءل .. هل تحويل النساء والفتيات إلى أوعية يتم ملئها وتفريغها دون أي قيود .. هو حق لهن؟ وهل هذا هو مفهوم الحق؟ أن تتحول المراهقة إلى (شيء) يتمتع به الرجل، ثم يلقي به في قارعة الطريق، دون أدنى كرامة، وأدنى حق سواء لها أو للجنين ثمرة هذه العلاقات غير الشرعية؟ هل في هذا أي ميزة تتمتع بها المرأة، ويجوز المطالبة بها كحق من حقوقها؟

أهم التوصيات:

1-ضرورة تعريف الطفل تعريفًا صحيحًا نابعًا من شريعتنا الإسلامية فالتعريف الدولي الذي يدمج بين الطفولة الفعلية والمراهقة وبداية الشباب تعريفًا غير مقبول وإن استظل بمظلة الأمم المتحدة.

2-تأييد الحكومات في تمسكها بالتحفظات الموضوعة على الاتفاقيات والمواثيق الدولية المعنية بالأسرة بشكل عام والطفل بشكل خاص، وعدم الخضوع للضغوط الدولية التي تطالب برفعها، احترامًا لثوابتنا وقيمنا النابعة من الأديان السماوية.

3-ضرورة عرض المواثيق الدولية والاتفاقيات الدولية على علماء الشريعة المتخصصيين لإبداء الرأي فيما يُستجد من قضايا وبيان ما يتفق مع أحكام الإسلام وما يخالفها.

علينا أن نهيئ للطفل المسلم المناخ الصالح الذي ينشأ فيه، من أسرة مستقرة ومجتمع ملتزم بقيم الإسلام ومبادئه حتى لاتؤخذ  بعض المظاهر السلبية تكأة يستند اليها البعض فى الممطالبة باستيراد حلول ثبت فشلها فى معالجة الواقع الذى نبتت منه ،فما بال واقع لايمت له بصلة.

4-العمل على وضع برامج عاجلة لإصلاح الأوضاع المتردية لكثير من الأسر لما لهذه الأوضاع من آثار سلبية خطيرة على الأطفال، وذلك من خلال برامج إعلامية هادفة ودورات تدريبية لإعداد المقبلين على الزواج، ودورات لإعادة تأهيل الآباء وتدريبهم على كيفية التعامل مع الأبناء بمقتضى الشريعة حتى لا يتخذ ذلك الواقع المؤلم ذريعة لفرض الأجندة الغربية التي ثبت فشلها في معالجة الواقع الذي نبتت منه، فما بال واقع لا يمت لها بصلة.

5-تنقية القوانين الوضعية الخاصة بالأسرة بوجه عام، وبالطفل بوجه خاص من كل ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية.

 

[1] – والتي تبدو في الخطاب السياسي العربي ما اسموه بالنظام العالمي الجديد) أو (نهاية التاريخ)، أي أن قيم الغرب وأفكاره ومناهجه أصبحت- في زعمهم-  الحلقة الأخيرة من حلقات التاريخ البشري وأن الأنظمة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية غير الغربية، ما عليها إلا الامتثال لهذه المناهج الغربية، وفي ضوء هذا تولد (صراع الحضارات) أي صراع الغرب الديمقراطي ضد الإسلام الذي يمثل الخطر الأساسي على النظام العالمي.

انظر :

أ‌-فرانسيس فوكوياما، نهاية التاريخ وخاتم البشر، ترجمة حسن أحمد أمين، مركز الأهرام للترجمة والنشر، القاهرة 1993م.

ب‌-صموئيل هينتجتون، صراع الحضارات، ترجمة طلعت الشايب، القاهرة، 1998.

[2] – التزايد السكاني الهائل لسكان العالم الثالث والذي من المتوقع أن يصبح 81 % من سكان العالم عام 2010 بعد أن كانت هذه النسبة 75% من الستينات من القرن العشرين، ولا يخفى أن العالم الإسلامي يشكل مساحة كبيرة من العالم الثالث.

انظر المثني أمين الكردستاني، تحرير المرأة من المساواة إلى الجندر، دا القلم، الكويت، 2004.

[3] – هي جهاز معاون للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وتختص بإعداد التقارير وتقديم توصيات خاصة بتحقيق المساواة التامة بين الرجل والمرأة في كافة الميادين، ومن ثم إعداد البرامج والاتفاقيات الدولية ورصد تنفيذ التدابير اللازمة لتحقيق تقدم مع تقييم ما تم انجازه للمرأة على المستوى الوطني والإقليمي والعالمي. عصام محمد أحمد الزناتي ، حماية حقوق الإنسان في إطار الأمم المتحدة ، دار النهضة العربية ، 1998، ص 133.

[4] – أول من أطلق هذا المصطلح الروائية سارة جراند سنة 1894 تأثرًا بفكرة (فتاة العصر) المتمردة التي ابتدعها اليزالين لينتون سنة 1868 وهذه (المرأة الجديدة) تتطلع إلى التخلص من حياة البيت التقليدية بأدوارها النمطية من زواج وأمومة دون الخضوع (للهيمنة الذكورية). المعجم النقدي ص 426

وهذا لن يتم إلا من خلال استقواء المرأة اقتصاديًا وسياسيًا، والاستغناء جنسيًا عن الرجل (عن طريق السحاق)، فالجنس يستغله الرجل لإذلال المرأة فضلاً عن المخاطر المترتبة عليه بالنسبة لصحة المرأة (وفقا للفكر الأنثوي)، لمزيد من التفاصيل عن التصورات حول هذه المرأة الجديدة انظر مجموهة إصدرات مركز دراسات المرأة الجديدة، نولة درويش.

[5] – وهو الرجل الذي يتأثر بالفكر النسوي ومن ثم يمنح الأيدويولوجية النسوية تأييدًا ضمنيًا على الأقل، فنجده يتعاون في إعادة توزيع الأعباء المنزلية وواجبات رعاية الأطفال، المعجم النقدي ص425. بحيث يقبل اقتسامها مع المرأة أو تبادلها إن لزم الأمر.

[6] – دان سيمور من اليونيسيف، حماية الطفل (دليل البرلمانين ) ، لبنان ، 2004 ، ص 11 .

[7] – رشدي عبده حسنين، سيكولوجية النمو”الطفولة”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1980م.

[8] -زيدان عبد الباقي، الأسرة والطفولة، مكتبة النهضة، 1980، ص 177 من رسالة دكتوراه محمد رمضان أبو بكر، الطفولة في المواثيق الدولية والمحلية، جامعة الأزهر، كلية الدعوة الإسلامية،2003. ص4.

[9] – لمزيد من التفاصيل الفقهية حول أدلة الجمهور انظر رسالة دكتوراه محمد رمضان أبو بكر، مرجع سبق ذكره ، ص 5: 13.

[10] – محمد قطب، دراسات في النفس الإنسانية، دار الشروق، ط 10، 1993، ص 351.

[11] – الفصل 3، وعد حقوق الإنسان، حالة سكان العالم 2005، ص22.

[12] – http://www.unicef.org/say_yes/

[13] – هذا ما قالته كارول بيلامي في إحدى الجلسات التحضيرية لوثيقة “عالم جدير بالأطفال”، مارس 2001م.

[14] – وثيقة عالم جدير بالأطفال، بند 33، 2002

[15] – وثيقة عالم جدير بالأطفال، بند 40/ 10، 2002.

[16] – وثيقة القضاء على جميع أشكال العنف  والتمييز ضد الطفلة الأنثى، الاجتماع 51 للجنة مركز المرأة بالأمم المتحدة، 2007، البند: ألف/ 14/2/هـ.

[17] – الفصل 2: الاستثمارات الاستراتيجية: عائد المساواة، حالة سكان العالم 2005، ص 12.

[18] – باول شمتز، ترجمة د/ محمد شام، الإسلام قوة الغد العالمية،مكتبة وهبة، ص185.

[19] – محمد رمضان أبو بكر، الطفولة في المواثيق الدولية والمحلية، جامعة الأزهر، كلية الدراسات الإسلامية بالقاهرة، رسالة دكتوراه، 2003.

[20] – عالم جدير بالأطفال، مرجع سبق ذكره، المادة الرابعة والأربعين – الفقرة التاسعة.

[21] –  رمضان أبو بكر، مرجع سبق ذكره، ص 283، 284.

[22] – رمضان أبو بكر، مرجع سبق ذكره، ص 286.

[23] – تقرير لجنة الخبراء، القضاء على كافة أشكال التمييز ضد الطفلة الأنثى، قسم الارتقاء بالمرأة DAW، 2007م.

[24] – ظاهرة الزواج المبكر  في ريف محافظة أسيوط (مصر)، المجلس القومي للسكان، عام 2000، ص 45.

[25] – مها الأبرشي، الأمومة ومكانتها في الإسلام في ضوء الكتاب والسنة، ط 1، جامعة أم القرى، 1996، ص 183.

[26] – اليكسيس كاريل، الإنسان ذلك المجهول، ط مكتبة المعارف، بيروت، 1983، ص 215.

[27] – فهمي هويدي، مملكة النساء ليست حلاً، مركز الأهرام للتنظيم وتكنولوجيا المعلومات، الأهرام، 29- أغسطس- 1995، الملف الوثائقي للمؤتمر العالمي الرابع للمرأة، بكين، ص 35.

[28] – المؤتمر الدولي المعني بالسكان، مكسيكو، 1984، الفصل الأول (ب) / ثالث، الفقرة (20)، التوصية 13.

[29] – المؤتمر الدولي للسكان والتنمية، القاهرة، 1994، الفصل الخامس (أ)/ 5- 2/ أ.

[30] – مباهج الفلسفة ص 235، 236 نقلاً عن: محمد قطب، جاهلية القرن العشرين، دار الشروق، 1981م، ص 176، 177.

[31] – محمد سعيد الدقاق، الحماية القانونية للأطفال في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، المؤتمر القومي حول مشروع اتفاقية حقوق الطفل ، الإسكندرية، 1988، ص2 .

[32] – مصطفى فؤاد ، ملاحظات على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل لعام 1989، مؤتمر حق الطفل في أمومة آمنة ،11-13/2003، جمعية الطب والقانون، المؤتمر السنوي العشرون، ص8.

[33] – فاطمة زيدان، مرجع سبق ذكره، ص 84.

[34] – UN. DOC. CRC /c /2/Rev.op.cit.,p.42

[35] – وقد ورد تقرير هذا بالجريدة القومية الأهرام مايو 2003.

[36] – عالم عربي جدير بالأطفال، اليونيسيف وجامعة الدول العربية، مرجع سبق ذكره، ص 146 .

[37] – عصام الزناتي ، مرجع سبق ذكره، ص 184.

[38] –  عصام الزناتي ، مرجع سبق ذكره، ص 184.

[39] –  عصام الزناتي ، مرجع سبق ذكره ، ص 185.

[40] – مصطفى سلامة حسين ، تأملات دولية في حقوق الإنسان ، المجلة المصرية للقانون الدولي ، عدد40، السنة 1984، ص211.

[41] – عالم عربي جدير بالأطفال، منظمة اليونيسيف وجامعة الدول العربية، دار الشروق، 2004، ص151.

ونجد صدى هذا واضحًا في الامثتال التام لأحد الدول الأطراف وهي مصر في التعديلات الأخيرة على قانون الطفل لعام 2008 بشأن سن الزواج، والقانون الجنائي، وبعض قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بالطفل، وقد ورد  في المذكرة التفسيرية للقانون أن هذه التعديلات ضرورية ليتوائم القانون مع اتفاقية حقوق الطفل الدولية والتي صدقت عليها مصر.

لمزيد من التفاصيل: انظر الجريدة الرسمية ، العدد 24 مكرر فى 15 يونية سنة 2008 .

[42] -14 November 1991,p.23.‚   UN. Doc. CRC/ C/ 4

[43] – وهذا مثال صارخ، فإذن لايترك تفسير الاتفاقيات للدول بما يوائم كل دولة، وإنما لابد من الالتزام بالمعايير الدولية والحكم بالامتثال التام للبنود.

[44] – UN. Doc.E/ CN. 4/ 2002/ 81, P.7.

[45] – فاطمة زيدان، مرجع سبق ذكره، ص390.

[46] – UN. Doc. CRC/ GE/ 2/ 2002/ 2.

ونجد صدى هذا أيضًا واضحًا على قانون الطفل المصري والذي أعطى للمجلس القومي للطفولة والأمومة صلاحيات واسعة لم تكن له، حيث كان مجلسًا استشاريًا فقط، أما بعد صدور هذا القانون صار له حق النظر في الشكاوى بل والضبطية القضائية وحق إقصاء الطفل عن أسرته إذا ما حدث انتهاك لحقوقه

لمزيد من التفاصيل حول الاختصاصات الجديدة للمجلس انظر:

أميمة إبراهيم، لجان تقصي الحقائق تمارس عملها، جريدة الأسبوع 19/ 4/ 2008.

وكذلك انظر:

انظر الجريدة الرسمية ، العدد 24 مكرر فى 15 يونية سنة 2008.

[47] – د.محمد السعيد الدقاق، الوسيط في التنظيم الدولي، 1991، ص 164.

[48] – أ.د. جعفر عبد السلام، دور المعاهدات الشارعة في العلاقات الدولية، المجلة المصرية للقانون الدولي، المجلد 27، 1971، ص 67- 68.

[49] – أ.د. عبد العزيز سرحان، المرجع السابق، ص 201، وما بعدها، أ.د. عبد الواحد الفأر، القانون الدولي العام، دار النهضة العربية، 1994، ص 328.

[50] – أ.د. عبد الواحد الفأر، المرجع السابق، ص 420، د. الصادق شعبان، المعاهدات في القانون الداخلي للدول العربية، حقوق الإنسان، المجلد الثالث، ص 164.

[51] – آيات الجبل، المجلس القومي للطفولة والأمومة، ملخص نص مشروع تعديل قانون الطفل المصري  , 27/ 3/ 2008www.islamonlime.net

[52] – أ.د. عبد الواحد الفأر، المرجع السابق، ص 420

 

عن admin

شاهد أيضاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي - محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي – محمد أركون نموذجاً

إشكاليات الخطاب العلماني فى قراءة التراث الإسلامي ة الحداثية للتراثمحمد أركون نموذجاً                    م.د سامي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *