الرئيسية / علوم بينية / الاقتصاد السياسي / اقتصادات تنزف عرقاً
اقتصادات تنزف عرقاً
اقتصادات تنزف عرقاً

اقتصادات تنزف عرقاً


اقتصادات تنزف عرقاً[1]

المحاضرة الملقاة بمعهد البحوث والدراسات العربية (القاهرة/2017)

الدكتور/ محمد عادل زكي

——————————————————-

يمكن تحميل المحاضرة كاملة بصيغة الـ pdf من الرابط التالي: اقتصادات تنزف عرقاً

مدخل(*)

من المؤكد أن ثورات الربيع العربي، بصفة خاصة في تونس ومصر وسوريا وليبيا، أدت إلى العديد من التغيرُّات السلبية في مجمل قطاعات الهيكل الاقتصادي، ويصبح من الخطأ نسبة هذه التغيرُّات، وربما الانعطافات الحادة، كلياً إلى ثورات الربيع العربي. فالاقتصادات العربية، بحكم تكونها التاريخي، ولأنها تعاني من تخلف مزمن لم تكن في حاجة أكثر من لكز الهيكل الهش حتى يأخذ في طريق نحو (المزيد من) التضخم الزاحف، والركود التضخمي، والازدياد في نسب البطالة، والانخفاض في قيمة العملة، والارتفاع في فاتورة الاستيراد، والغذاء بوجه خاص،… إلخ، ولا يمكن، منهجياً، فهم طبيعة أزمة الاقتصادات العربية، التي تعمقت مع حركات الرفض الشعبي، بالاعتماد فقط على أرقام تعكس مجرد تلك التغيرات بمعزل عن طرح هيكلي يهدف إلى تحليل ما هو آني في إطار الكل التاريخي الذي يحدد شكل الأول ومستويات تطوره.

وعليه، سوف نقسم بحثنا إلى ثلاثة فصول، نبيّن في الفصل الأول الإطار النظري الَّذي نقدم من خلاله طرحنا الهيكلي، والمرتكزات الفكرية الَّتي نستند إليها في هذا السبيل. على أن نعالج الاقتصاد المصري في الفصل الثاني، ونخصص الفصل الثالث لمعالجة الاقتصادات العربية.

 

الفصل الأول 

الإطار النظري والمرتكزات الفكرية

(1)

     من العبارات المألوفة والَّتي عادة ما يتم تداولها في الندوات والمؤتمرات وعلى المنصات الاحتفالية للمؤسسات المهتمة بمشكلات الوحدة العربية، وللعجب نجد العبارات نفسها يتم تداولها في بعض الندوات والمؤتمرات والفعاليات الفكرية والثقافية الَّتي تنظمها الأنظمة السياسية الحاكمة، والمؤسسات الرسمية في الأقطار العربية، تلك العبارات الَّتي تقول: أنه يحق لكل عربي مؤمن، بل وحتّى غير المؤمن، بالقومية، ووحدة المصير، والهدف المشترك، أن يندهش، بل ويسخر حزيناً متألماً، حينما يجول ببصره على خريطة عالمنا المعاصر، ومهما أن كانت الخريطة الَّتي ينظر إليها، سياسية، جغرافية، طبيعية،… أو حتى صماء؛ فلسوف يدرك على الفور أن هناك شيئاً مستنكراً غريباً يحدث على أرض الواقع؛ إذ أن تلك المساحة الشاسعة الهائلة على الخريطة والَّتي تحتل نحو 10% من يابسة الكوكب؛ وتُسمى العالم/ الوطن العربي، لا ينقصها أي شيء من الموارد البشرية والإمكانات الطبيعية والمادية، حتى تنطلق نحو التقدم… نحو حياة أفضل… نحو خلق حياة كريمة للأجيال القادمة. ومع ذلك لم يزل وطننا العربي (متخلّفاً) (تابعاً) على الرغم من أن الاستعمار، الَّذي كان حجة المتحججين، قد انقشع منذ عشرات السنين، ولم يزل الوطن العربي مكبلاً بقيود التخلف! فلماذا؟ وإلى أي حد؟ وكيف الخروج من هذا الأسر؟ وهل هذا من الممكن إنجازه؟ وتزداد تلك الأسئلة إلحاحاً ثورات الربيع العربي.

أظن أن الإجابة على هذه الأسئلة، وغيرها من الأسئلة المرتبطة بوجودنا الاجتماعي ذاته كعرب، بل كبشر، تتعلق بمدى وعينا بالملاحظات الخمس الآتية:

أ– إن غالبية المساهمات، وهو ما يعرف بـ (التراكم المعرفي) في حقل تحليل ظاهرة التخلّف الاقتصادي العربي، بوجه خاص، لم تستطع أن ترى ظاهرة التخلّف إلا من خلال بيانات المرض وأرقام الفقر وأحوال الجوع، وإحصاءات الدخل والناتج والتوزيع والتضخم،… إلى آخره. ومن ثم يصير الحل لدى هذه المساهمات، وهي المعتمدة رسمياً، للخروج من الأزمة، أزمة التخلّف، هو التركيز على النداء، وأحياناً الصراخ، باتباع السياسات “الرأسمالية/الحرة” الَّتي تتبعها الدول الَّتي لا تعاني من الفقر والمرض والجوع؛ لكي تخرج البلدان المتخلفة من الفقر والمرض والجوع!

ب- إن غالبية المساهمات إنما تنتهي حيث يجب أن تبدأ، إذ عادةً ما نرى مئات الكتابات في هذا الصدد تقترح للخروج من أزمة التخلّف سياسات اقتصادية ذات مدخل آدائي/ خطّي، دون محاولة إثارة الكيفية، الجدلية، الَّتي تكون بها التخلّف تاريخياً على الصعيد الاجتماعي في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر بوجه عام، وعالمنا العربي، الَّذي هو أحد تلك الأجزاء، بوجه خاص. وأفضل ما أمكن تحقيقه هو الإشارة إلى الاستعمار، كتاريخ ميت، ثم القفز البهلواني، بعد الجهل بالتاريخ أو تجاهله بجهل، إلى اقتراح سياسات السوق الحرة!

ج– عادةً ما يتم تناول إشكالية التخلّف الاقتصادي العربي بمعزل عن إشكالية التخلّف على الصعيد العالمي، أي دون رؤية الاقتصاد العربي كأحد الأجزاء المتخلّفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، وربما كان هذا ترتيب منطقي لتناول الإشكالية من منظور أحادي، يفترض التجانس بين الاقتصادات العربية ولا يرى سوى الطرح “التكاملي” والمنادة “المثالية” بالتكامل الاقتصادي العربي. وكأن بلداننا العربية تعيش خارج الكوكب! على الرغم من ارتباط (إنجاز) مشروع التكامل الاقتصادي العربي بالخروج من الرأسمالية؛ كنظام عالمي، باستبدال علاقات اجتماعية رأسمالية الطابع بعلاقات ذات طابع اجتماعي/ إنساني. علاقات ترتكز على فك الروابط مع الإمبريالية العالمية من خلال مشروع حضاري لمستقبل آمن.

د– السؤال الأهم، وغالباً ما لا تتم الإجابة عليه، هو: لماذا بعد أن خرج الاستعمار، الَّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف، لم تزل بلدان العالم العربي متخلفة؟ هذا السؤال من المعتاد تجاهله من قبل النظرية الرسمية، والانتقال “الكوميدي” إلى كيف نخرج من التخلف بالتكامل؟ وهنا نرى سيلاً من المقترحات (المدرسية/الرسمية) الَّتي لا تعرف ما الَّذي تقترحه للخروج من الأزمة، لأنها في الغالب لا تعرف ما الَّذي تبحث عنه؛ وذلك أيضاً أمر منطقي حينما لا تعرف هذا المقترحات ماهية التخلف ذاته، على الرغم من أن الحديث عن التكامل الاقتصادي يكون عديم المعنى والفائدة معاً إذ لم يقترن بالبحث الموازي في ظاهرة التخلّف الاقتصادي والاجتماعي في بلدان العالم العربي، وإنما، وهذا ضروري فكرياً وواقعياً، كأحد الأجزاء المتخلفة (وغير المتجانسة) من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، من جهة درس ماهية ظاهرة التخلف ومحدداتها وكيفية تجاوزها التاريخي؛ فلن يمسي مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي من دون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلف نفسه، وإنما ابتداءً من إعادة النظر في التراكم المعرفي(1) في حقل نظرية التخلف ذاتها.

هـ- ولأن النظرية الرسمية (النيوكلاسيكية في مجملها) هي المعتمدة للتلقين في المدارس والمعاهد والجامعات في عالمنا العربى؛ فالنتيجة هي الإعدام اليومي لمئات الآلاف من الطلاب، الَّذين يتم تلقينهم صباحاً ومساءً بيانات الفقر وعدد المرضى والجوعى، ويقال لهم أن هذا هو التخلف بعينه، وإذ ما أردتم الخروج ببلادكم من هذه الحالة فلتنظروا إلى ما يفعله صنّاع القرار السياسي الاقتصادي في الغرب الرأسمالي، وأفعلوا ما لا يفعلون! لأنهم حقاً يستحون! كونوا أكثر طموحاً. افتحوا الأسواق. حرروا التجارة. عوموا العملة. لا تدعموا الفلاح واتركوه نهباً للرأسمال المضاربي. سرحوا العمال. قلصوا النفقات العامة. ارفعوا أيديكم عن الأثمان. ساندوا كبار رجال المال. تخلصوا من القطاع العام. رحبوا بالرأسمال الأجنبي، وافعلوا ما يمليه عليكم البنك والصندوق الدوليين. قدسوا نموذج هارود/دومار. لا تقرأوا إلا للنيوكلاسيك. اتبعوا جيفونز، ومنجر، وفالراس، وفيلبس، وصامويلسون، وجوارتيني، وفريدمان، وكروجمان، وصولو، وغيرهم من الحديين والكينزيين والنقديين؛ حتماً بعد أن يقال لهؤلاء الضحايا الَّذين يتم إعدامهم فكرياً يومياً في المؤسسات التعليمية في العالم العربي أن”الاقتصاد” هو ذلك الكم المكدَّس من الأرقام والمعادلات والرموز فى مؤلفات هؤلاء فقط، أما غيرهم فهم إمَّا تاريخ مقبور، أو كفار ملحدون… ولكي تكون المحصلة النهائية، حينما يكون بأيدي هؤلاء الطلاب/الضحايا صنع القرار السياسي في بلادهم المتخلفة، هي المساهمة الأكثر فعالية في تعميق التخلف، وربما تسريع وتيرة تجديد إنتاجه!

(2)

    ابتداءً من الوعي بالملاحظات أعلاه، وفي سبيل تقديم طريقة، منهجية، للإجابة على أسئلتنا المطروحة، فلنفترض أن المجتمع، في لحظة تاريخية معينة، وفي إطار ظروف اجتماعية محددة، يدخل العملية الإنتاجية على صعيد “الكل” الاقتصادي بــ 27 مليار وحدة من النقد (بالمفهوم الواسع للنقود) موزعة بين القطاعات الإنتاجية الثلاثة الَّتي يتركب منها الهيكل الاقتصادي (الزراعة، والصناعة، والتجارة) بواقع 9 مليارات وحدة لكل قطاع، ويتم توزيع هذه المليارات التسعة كالآتي: 3 مليارات وحدة لشراء الرأسمال الأساسي”س”، كالمباني والآلات، و3 مليارات وحدة لشراء الرأسمال الدائر”د”، مثل المواد الآولية والخام والمساعدة، و3 مليارات وحدة لشراء الرأسمال المتغير”م”، وهكذا الأمر في كل قطاع من قطاعات الهيكل. مع افتراض أن السلع تباع بثمن إنتاجها. ومن ثم سيكون لدينا الآتي على صعيد “الكل” الاقتصادي:

قطاع الزراعة: 3 الرأسمال الأساسي  + 3 الرأسمال الدائر + 3 الرأسمال المتغير = 9 مليارات.

قطاع الصناعة: 3 س + 3 د + 3 م = 9 مليارات.

قطاع التجارة: 3 س + 3 د + 3 م = 9 مليارات.

 

ولكن لدينا هنا مشكلة، وكأن جزء من النص مفقود، لقد بدأ المجتمع بـ 27 مليار وحدة، وفي نهاية الفترة لم يزل لدينا نفس الـ 27 مليار وحدة! فالمجتمع هنا لم يستفد من عملية الإنتاج، فلم يحقق أي قطاع من قطاعات الهيكل أي ربح، بل ولربما خسر المجتمع طاقة إنتاجية قائمة، وأهدر ثروة اجتماعية، وأقصى ما أمكن تحقيقه، اجتماعياً، في المثل أعلاه هو تداول الـ 27 مليار وحدة بين أعضاء المجتمع منتجين ومستهلكين، بائعين ومشترين. فالعمال في القطاعات الثلاثة سيشترون، بـ 9 مليارات، السلع والخدمات الَّتي أنتجتها القطاعات الثلاثة. وبذلك هم يعيدون قيمة قوة عملهم إلى الرأسماليين الَّذي اشتروا منهم السلع والخدمات. كما سوف يشتري الرأسماليون بـ 18 ملياراً باقي السلع  والخدمات وقيمتها 18 ملياراً. أي أن النقود (27 ملياراً) = السلع (27 ملياراً).

 

المجتمع إذاً ، وكما ذكرنا، لم يستفد أي شيء(2). بل مثل هذه الطريقة قد تؤدي إلى إفقاره وليس نموه؛ فعدد السكان يتزايد وكمية السلع والخدمات والنقود والرأسمال ثابتة! ولا يتم تحقيق أي ربح! وكما افترضنا أن المثل يخص اقتصاد مجتمع ما، فيمكننا أن نفترض أن المثل يصدق على اقتصاد العالم بأسره، فهو يبدأ السنة الإنتاجية بعدد معين من وحدات الرأسمال، وفي نهاية السنة يجد بين يديه نفس العدد من الوحدات! فلا تجديد إنتاج، ولا أرباح،… إلخ. فكيف يمكن حل هذه المشكلة على صعيد المجتمعات المحلية أو على الصعيد العالمي؟ أولاً، وقبل أن نفترض طريقة للإجابة، تتضمن إجابة، يتعين أن نتفق على أن الحل الَّذي يقول: أن المنتجين يبيعون السلعة بأغلى مما كلفهم إنتاجها(3)، إنما يصدر عن رؤية آنية تغفل الهيكل الَّذي يعمل في إطاره الآداء اليومي للمبادلات اليومية؛ لأن الربح بهذا الشكل يعني، في نهاية المطاف، أي على صعيد تحليل “الكل” الاقتصادي، أن هؤلاء الَّذين ربحوا اليوم، سوف يخسرون غداً! إذ سوف يفعل آخرون نفس الأمر، أي البيع بأغلى مما كلفهم الإنتاج؛ من أجل استرداد ما سلبه منهم الأولون، وهكذا! إذ سوف تظل كمية النقود المتداولة 27 مليار وحدة، وكل طرف من أطراف المجتمع: طبقة، فئة، شريحة، قطاع،… إلخ، سوف يكون عليه أن ينتزع ما سبق أن انتزعه منه الآخرون؛ بأن يبيع سلعته أو خدمته هو أيضا بأغلى مما كلفه إنتاجها. إذاً ما العمل؟ كيف ينقذ المجتمع، المحلي أو العالمي، نفسه؟ كيف يزيد السلع؟ ومن ثم: كيف يزيد كمية النقود المتداولة اجتماعياً على أساس إنتاجي حقيقي؟ على ما يبدو أنه يتعين، من أجل تقديم طريقة للإجابة، أن نعيد صياغة المثل كي يكون كالآتي: نفترض أن المجتمع يدخل العملية الإنتاجية على صعيد”الكل“الاقتصادي بــ 27 مليار وحدة من النقد موزعة بين القطاعات الإنتاجية الثلاثة الَّتي يتركب منها الهيكل الاقتصادي، بواقع 9 مليارات وحدة لكل قطاع، ويتم توزيع هذه المليارات التسعة على النحو التالي: 3 مليارات لشراء الرأسمال الأساسي “س”، و3 مليارات لشراء الرأسمال الدائر “د”، و3 مليارات لشراء الرأسمال المتغير “م”، وهكذا الأمر في كل قطاع من قطاعات الهيكل. وحينما يفكر الرأسمالي فسيجد أنه لا يستطيع أن يغير من قيمة الآلات أو المواد؛ فهو يشتريهم بقيمتهم ويدفع بهم إلى حقل الإنتاج دون أن يتمكن من اعتصار قيمة أكبر من قيمتهم(4). إذ سوف تخرج الآلات والمواد، محاسبياً، في نهاية عملية الإنتاج بنفس القيمة الَّتي دخلت بها دون أن تغير من قيمتها. فماذا يفعل الرأسمالي؟ الواقع أنه لا يوجد أمامه سوى النظر إلى هذه السلعة الَّتي يبيعها العمال، قوة العمل، فهي السلعة القادرة على تغيير قيمتها، فيدفع لها الرأسمالي أجراً معيناً ويأخذ منها عملاً يفوق هذا الأجر! فالرأسمالي، وفقاً لعقد العمل، يشتري من العامل قوة عمله ولكنه في الواقع يأخد منه العمل. عمل يفوق قيمة قوة العمل. أي أن الرأسمالي يدفع لقوة العمل 3 مليارات وحدة ويتلقى مقابلها عملاً يساوي 9 مليارات وحدة؛ وبالتالي سيستأثر الرأسمالي بـ 9 مليارات وحدة قيمة زائدة “ق ز”. الآن المشكلة تم حلها، إنما ابتداءً من الدور الَّذي يؤديه القسم المتغيّر من الرأسمال، وصار بالإمكان تحقيق الربح، ومن ثم أمكن للمجتمع تجديد إنتاجه؛ إذ لدينا الآن:

 

قطاع الزراعة: 3 س + 3 د + 3 م + 9 ق ز  = 18 ملياراً.

قطاع الصناعة: 3 س + 3 د م  + 9 ق ز  = 18 ملياراً.

قطاع التجارة: 3 س + 3 د + 3 م  + 9 ق ز  = 18 ملياراً.

 

     ووفقاً لمثلنا أعلاه، زادت القيمة اجتماعياً، أي أن المجتمع بدأ  بـ 27 مليار وحدة، وفي نهاية الفترة الإنتاجية صار لديه 54 مليار وحدة. أي أن المجتمع حقق، في اللحظة الَّتي اتصلت فيها قوة العمل بوسائل الإنتاج، 27 مليار وحدة كزيادة.(5)

ولقد قرر علم الاقتصاد السياسي صراحة أن هذه الزيادة نتاج العمل الإنساني.(6) ولكن، الَّذي يجب أن ننشغل به، بخاصة نحن أبناء الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي، هو الاتجاه الَّذي سوف تسلكه هذه الوحدات الَّتي زادت على الصعيد الاجتماعي، وحتى المدَّخر منها. أي: أين ستذهب الـ 27 مليار وحدة الزائدة الَّتي حققها العمل الاجتماعي؟ هل يعاد ضخها في مسام نفس المجتمع المنتج لها؟ أم تتسرب إلى خارج المجتمع من أجل شراء السلع والخدمات الَّتي تنتج في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي، وتتوقف عليها عملية تجديد الإنتاج الاجتماعي في الأجزاء المتخلفة؟ نحن نعرف أن توزيع القيمة الزائدة التي تحققت في حقل الإنتاج سوف يتم على هيئة دخول للمشاركين في العملية الإنتاجية، وربما غير المشاركين، حيث يتم التوزيع إلى ربح وريع وفائدة، إذ سوف يحصل الرأسماليون على الربح، والملاك العقاريون على الريع، والرأسماليون الماليون على الفائدة على الرساميل الَّتي أقرضوها للرأسماليين الصناعيين. نحن هنا نفترض، كما نفترض دوماً بغية رؤية الصورة الأكبر أوضح، أن الأرض مستأجَرة، والرأسمال مقترض. أما إذ لم تكن الأرض هكذا، أو الرأسمال كذلك، فسوف تذهب القيمة الزائدة بأكملها إلى الرأسمالي. ولكن، أين الأجر؟ هل نقصد أن منتجي القيمة الزائدة، الشغيلة، لا يحصلون على جزء منها حين توزيعها؟ نعم نقصد ذلك. ولكن، ما نقصده على هذا النحو لم يتضح إلا بناءً على اقتراح ماركس؛ فقد كان الكلاسيك يرون أن القيمة الَّتي يضيفها العمال إلى الناتج تنحل، بافتراض: إما الاكتناز، وإما ديناميكية التحليل، ابتداءً من مساوة الناتج بالقيمة المنتجة مجدداً، إلى أجور وقيمة زائدة، ومن ثم يحصل العمال على الأجور، والرأسماليون يحصلون على الربح. بيد أن ماركس افترض، ابتداءً من استبعاد الاكتناز وفقاً لتحليل ساكن، أن القيمة الزائدة لا يعاد توزيعها على هيئة أجور وربح، إنما تنحل إلى ربح وفائدة وريع، إذ ينتج العامل معادل قيمة قوة عمله (الأجر) ولا يشارك في القيمة الزائدة الَّتي يستحوذ عليها الرأسماليون وملَّاك الأراضي. اللهم إلا إذ ما أراد الرأسمالي زيادة عدد العمال لديه واستخدم جزء من القيمة الزائدة المتحققة في فترة إنتاجية سابقة من أجل ذلك، وهذا كما نعرف لا يحدث كل يوم، بل الَّذي يحدث كل ساعة هو تقليص عدد هؤلاء العمال!

(3)

     حسناً، علمنا أن القيمة الزائدة المنتجة اجتماعياً تذهب، للتبسيط، إلى الرأسمالي الصناعي. ويأخذ حكم الرأسمالي الصناعي، في نموذجنا للتحليل، ملَّاك العقارات والأراضي (الريع) والرأسماليون الماليون (الفائدة). فما هو إذاً اتجاه القيمة الزائدة، الَّتي قد تتجسد في أحد تلك الصور بعد ذلك؟ كي نجيب على هذا السؤال المركزي، أي أين تذهب هذه الـ 27 ملياراً وحدة التي انتجها المجتمع؟ يتعين أن نتخذ من الاقتصاد المصري، والاقتصاد العربي نموذجين للتحليل، وذلك في الفصلين التاليين.

 

الفصل الثاني

 الاقتصاد المصري

(1)

وضع البنك الدولي ستة معايير لمعرفة مدى اندماج دولة ما في السوق الدولية، وبالتبع مدى اندماجها في المنظومة الرأسمالية على الصعيد العالمي، وهذه المعايير هي: (1) نسبة التجارة السلعية إلى الناتج المحلي الإجمالي. (2) نسبة التجارة السلعية إلى الناتج المحلي السلعي الإجمالي. (3) نسبة صادرات الخدمات إلى صادرات السلع. (4) النمو في التجارة الحقيقية مطروحاً منه النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. (5) نسبة التدفقات الرأسمالية الخاصة إلى الناتج المحلي الإجمالي. (6) نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

ووفقاً لهذه المعايير(1)، بالتحديد وفقاً لأربعة منها، كما سنرى، يبدو الاقتصاد المصري في الفترة من عام 1990 حتى عام 2012 أقل اندماجاً في الاقتصاد العالمي. فبالنسبة لمعيار نسبة التجارة السلعية إلى الناتج المحلي الإجمالي، فقد انخفضت هذه النسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 36,8% في عام 1990 إلى 22% في عام 2011. وبالنسبة لمعيار التجارة السلعية إلى الناتج المحلي السلعي الإجمالي؛ فقد انخفضت أيضاً هذه النسبة من 50% إلى 46%. أما بالنسبة إلى المعيار الثالث وهو معيار نسبة صادرات الخدمات إلى صادرات السلع، فلقد أشارت الأرقام إلى تحقيق الاقتصاد المصري نسبة أعلى من الاندماج، حيث ارتفعت النسبة من 138% في 1990 إلى 155% في 2011. وبالنسبة إلى النمو في التجارة الحقيقية مطروحاً منه النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فإن هذا المعيار يعكس الفارق السلبي (2,4%) بين حجم التجارة المصرية بالأسعار الثابتة ونمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي. ويشير المعيار الخامس، وهو نسبة التدفقات الرأسمالية الخاصة، إلى ازدياد درجة اندماج الاقتصاد المصري في الاقتصاد العالمي، حيث ارتفعت النسبة من 6,8% في 1990 إلى 8,6% في 2003. وأخيراً، وهو معيار نسبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الناتج المحلي الإجمالي. فلقد انخفضت نسبة إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الناتج المحلي الإجمالي من 1,70% في عام 1990 إلى 0,47% في عام2012.

 

(2)

     معنى ما سبق أن الاقتصاد المصري، وفقاً لمعايير البنك الدولي، أقل اندماجاً في الاقتصاد العالمي، وأقل انفتاحاً على السوق الرأسمالية العالمية، على الأقل من جهة التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية المباشرة! ولكن، هل يعد هذا الوضع إيجابياً أم سلبياً؟ أتصور أن الَّذين يحذروننا ليلاً ونهاراً من الرأسمالية وخطورة الاندماج في النظام الرأسمالي العالمي؛ أظن أنهم في ورطة فكرية!

فالبنك الدولي يقول لهم أن الاقتصاد المصري يعد من الدول غير المندمجة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي؛ بل ولديه ميل تاريخي لعدم الاندماج وعدم الانفتاح على السـوق الدولية، على الرغم من هذا الكم الهائل من التشريعات القانونية واللوائح والتعليمات الوزارية والمصلحية الَّتي سُنت وصدرت بقصد تشجيع الاستثمار واجتذاب المستثمرين الأجانب ورساميلهم دولية النشاط! فكيف الخروج من هذه الورطة الفكرية؟

اتصور أن السبيل هو إعادة النظر في معايير البنك الدولي ذاتها، ابتداءً من كون البنك الدولي نفسه أحد أدوات الرأسمال الدولي الَّتي يستخدمها استقداماً واستبعاداً في سبيل تحقيق مصلحته. ونحن من جانبنا نستبدل هذه المعايير بمعيار آخر هو معيار”مدى التبعية” أو (مدى الاعتماد على الرأسمالية العالمية، من أجل تجديد الإنتاج الاجتماعي، بل ومن أجل الحياة اليومية المعيشة) وحاصل معيارنا المقترح، الَّذي يعتمد على قانون القيمة، هو معرفة مدى اعتماد المصريين على الرأسمالية العالمية إنتاجاً واستهلاكاً، من خلال التعرف على نسبة متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية، الَّتي تلتهم القيمة الزائدة، إلى نسبة متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي السلعي الإجمالي، وهو معيار يقيس مدى التبعية الاقتصادية للخارج بقياسه لمقدار التسرب في القيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد الشغيلة الأجراء في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي.

(3)

     وقد توصلنا، وفقاً لمعيارنا المقترح أعلاه، إلى أن تبعية المجتمع المصري في الفترة (2000-2015)، وكما سنوضح ببعض التفصيل بعد قليل، مقدارها  34,46% أي أن متوسط استخدام المواطن المصري لسلع السوق الرأسمالية العالمية، ومن ثم اعتماده عليها في حياته اليومية، يقدر بأكثر من الثلث من جملة استخدامه للسلع المختلفة؛ فأكثر من ثلث السلع الَّتي يستخدمها المصرى في حياته اليومية هي سلع السوق الرأسمالية العالمية. بل في بعض سنوات الفترة المذكورة تجاوزت نسبة “التبعية” هذا المتوسط بكثير وحققت، في عام 2008، نحو63% تقريباً. فهل صار الآن واضحاً أكثر أين اتجهت الـ 27 ملياراً في مثلنا التقليدي؟

قطاع الزراعة: 3 س + 3 د + 3 م  + 9 ق ز = 18 ملياراً.

قطاع الصناعة: 3 س + 3 د + 3 م  + 9 ق ز = 18 ملياراً.

قطاع التجارة: 3 س + 3 د + 3 م  + 9 ق ز = 18 ملياراً.

 

هل علمنا الآن أين اتجهت القيمة الزائدة المنتَجة بفضل سواعد الشغيلة في مصر؟ وهل اتضح ما نعنيه بالتبعية؟ لقد اتجهت الـ 27 ملياراً، في مثلنا التقليدي، لتمويل متوسط “مدى التبعية” ونسبته (40% تقريباً) من خلال شراء السلع المنتجة في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي. أي أن ما ينتجه الشغيلة في مصر، وبالمثل باقي الشغيلة في بلدان الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي، إنما يذهب لتدعيم صناعات معقدة ومتطورة في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي!

(4)

     ومعيارنا الَّذي نقترحه لقياس التبعية، ابتداءً من قانون القيمة، على أساس نسبة متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية، الَّتي تلتهم القيمة الزائدة، إلى نسبة متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي السلعي الإجمالي، من أجل قياس مقدار تسرب القيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد الشغيلة في الأجزاء المتخلفة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، إنما يختلف جوهرياً عن المساهمات الَّتي ادعت انشغالها بقياس التبعية، على الرغم من أن بعض هذه المساهمات، مثل مساهمة د. إبراهيم العيسوي على سبيل المثال، تعتد ضمن عشر مجموعات، بنسبة الواردات إلى الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن هذا الاعتداد إنما ينبني، مثل جل المساهمات(3)، بعيداً عن قانون القيمة، ومن ثم تمسي النتائج مختلفة؛ فعلى الرغم من أن المعيار الَّذي نقول به هو، ظاهرياً، نفس المعيار تقريباً، من ضمن معايير أخرى، الَّذي تقول به المساهمات المختلفة، إلا ان النتيجة مغايرة؛ لأننا نخلص، وفقاً لمعيارنا المرتكز على قانون القيمة، إلى أن الاقتصاد تابع لأنه يعتمد على الرأسمالية العالمية في سبيله لتجديد إنتاجه الاجتماعي، ومن ثم فهو فاقد للسيطرة على الشروط الموضوعية الَّتي تمكنه من هذا التجديد دون اعتماد على الخارج. في حين أن المساهمات الأخرى لا تستطيع أن تضع يدها على بيت الداء، لأنها في الواقع لا تستهدفه بالأساس، وتنطلق، بكل حرية، ربما مفرطة، على صفحات النيوكلاســيك والكينزيين والنقديين كي تدرس مفردات الاقتصاد القومي ككل(4). وفي المنتهى لا تقول لنا إلا ما نعلمه، كأُناس عاديين أو باحثين، من أن الاقتصاد سيء الآداء، مشوه الهيكل، والشعب فقير جاهل، والعملة الوطنية متدهورة القيمة، والتضخم مستشر، والاستثمار متراجع، والركود متزايد. بل ربما قالت لنا أن درجات الحرارة غير مستقرة… إلخ! فإن أفضل ما لدى جُل المساهمات في حقل التبعية، وكما تراها هي، كي تقوله هو: أن الاقتصاد واهن سقيم. ونحن نعلم ذلك! يجب أن تتكاتف الجهود الوطنية المخلصة كي تنقذه وتقيله من عثراته. ونحن نعلم ذلك أيضاً ولا جديد! وعلى الفور نقرأ ونسمع السيل من المقترحات (من خارج علم الاقتصاد السياسي، العلم المنشغل بظواهر النظام الرأسمالي المتمفصلة حول قانون القيمة) توصي أولاً بمسح شامل للاقتصاد (تقريباً وفق مؤشرات البنك الدولي!) فإذ ما وجدت، وحتماً ستجد، الاقتصاد القومي المتخلف يعاني من التضخم والكساد والبطالة والركود،… إلخ، انتقلت إلى المرحلة الثانية الَّتي توصي فيها، ولو ضمناً، بالنظر إلى ما هو متبع من سياسات اقتصادية في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي والمناداة، ربما العُصابية أحياناً، بتطبيقه حتى يمكن إصلاح الاقتصاد! ويكون من لوازم هذا النداء، النداء الموازي بضرورة الاندماج في السوق الرأسمالية العالمية على الرغم من أن نفي التبعية مرتهن بمدى رفض الاعتماد على هذه السوق العالمية من أجل تجديد الإنتاج الاجتماعي في الاقتصاد المتخلف، التابع. أي أن نفي التبعية يكون بالتنمية المستقلة المعتمدة على الذات. بيد أن ما نستنتجه من المساهمات الَّتي تعتنق التصورات الحدّية، أو الكينزية في أفضل الأحوال، هو أن الخروج من التبعية يكون باتباع سياسات الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر!

إن التبعية، كما نفترضها، هي أن يفقد المجتمع الاستقلالية الاقتصادية. يفقد القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي. والمجتمع يفقد الاستقلالية الاقتصادية حينما تتسرب القيمة الزائدة المنتجة بفضل عرق الشغيلة في الأجزاء المتخلفة صوب الأجزاء المتقدمة.

كما يفقد المجتمع القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي حينما يمسي عاجزاً عن الإنتاج دون أن يعتمد على السوق الرأسمالية العالمية الَّتي تحتكر إنتاج وسائل الإنتاج الَّتي يعتمد عليها المجتمع المتخلف، التابع، في سبيله إلى تجديد إنتاجه السنوي، بل وفي سبيله إلى تحقيق وجوده الإنساني اليومي. الأمر الَّذي يجعلنا نسأل سؤالاً واحداً محدداً هو: ما مقدار اعتمادنا، نحن أبناء الأجزاء المتخلفة، على الرأسمالية العالمية في سبيلنا إلى تجديد إنتاجنا الاجتماعي السنوي، وتحقيق وجودنا الإنساني والاجتماعي اليومي؟

هذا السؤال هو ما نعتبره “سؤال التبعية”. وهو السؤال الَّذي لا يمكن، في تصوري، مناقشته إلا ابتداءً من قانون القيمة. وربما قانون القيمة فقط. أما البحث في مفردات الاقتصاد القومي ككل، وفقاً لنظريات البنك الدولي، والمؤسسة التعليمية الرسمية، فنحن في الواقع لا ننكره ولا نرى مبرراً لإهدار نتائجه، وإنما لا نتجاوز به حدوده الَّتي لا ينبغي له أن يتعداها كبحث ينتهج التصورات الحدية ولا يرى الاقتصاد القومي إلا من خلال معدَّلات التضخم، وبيانات البطالة والفقر، ونسب الجوعى والمرضى، وإحصاءات الدخل والناتج… إلخ، لأن هذه الابحاث تنشغل بعمل بحث، إنما حدي/ آني، في مشكلات مفردات الاقتصاد المعني ككل. ودون أن تثير الكيفية التاريخية الَّتي شكلت الواقع. الواقع الَّذي تبحثه!

(5)

         إن دراسة الاقتصاد (بوجه عام جداً) من الأمور السديدة منهجيًا بلا شك (إنما بشكل جزئي) بل من الواجب علميًا، في مرحلة منهجية أولى، أن يدرس الاقتصاد القومي، آنيًا، من جوانبه كافة، إنما من غير الصحيح، في تصوري، هو أن نسمي هذا البحث (العام جدًا) بحثًا في التبعية، لأن التبعية كمقياس لظاهرة تجديد إنتاج التخلف الاقتصادي والاجتماعي إنما يتعين أن تقيس مدى اعتماد الاقتصاد القومي على الرأسمالية العالمية في سبيل تجديد المجتمع لإنتاجه السنوي. تقيس مدى فقد المجتمع للسيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي. تقيس مدى فقد المجتمع للقدرة على الإنتاج المستقل المعتمد على الذات. تقيس مدى تسرب القيمة الزائدة المنتجة بفضل سواعد العمال في الاقتصاد القومي المتخلّف إلى خارجه صوب الأجزاء المتقدمة من أجل شراء وسائل الإنتاج اللازمة لتجديد الإنتاج. وحينئذ يمكننا تكوين الوعي بالأزمة المركزية، وبالتالي طرحها على نحو صائب يمكّن من تجاوزها.

أما البحث في مفردات الاقتصاد القومي، ابتداءً من تصورات حدّية/ آنية، وفقًا لمؤشرات البنك الدولي، والنظرية الرسمية الَّتي يعدمون بها الطلبة في الجامعات، كي نصل إلى أن الاقتصاد واهن كاسد متصدع الهيكل، ثم نسمي ذلك تبعية! فهذا ما نتصور أنه في حاجة إلى مراجعة، على الأقل من أجل تصحيح فهم التبعية نفسها، وفهمها فهمًا ناقدًا بقصد الخروج منها. وهو ما يتطلب فهمها فهمًا متجاوزًا للرؤى الخطية والتصورات الميكانيكية. فهمها ابتداءً من قانون القيمة. فقانون القيمة بمفرده، ودون ادعاء امتلاك ناصية الحقيقة الاجتماعية، هو القادر على أن يشرح التبعية بمعناها المفترض صحته، وبالتالي يمكننا من النفي التاريخي لها كمقياس لتجديد إنتاج التخلف الاقتصادي والاجتماعي.

 

الميل العام لتبعية الاقتصاد المصري للسوق الرأسمالية الدولية في الفترة من 2000 إلى 2016

السنة متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي السلعى الإجمالي معدل التبعية
2000 0,76 2,6 29,23
2001 0,77 2,67 28,83
2002 0,84 2,93 28,66
2003 0,94 3,32 32,12
2004 1,15 3,65 31,50
2005 1,62 4,11 39,41
2006 1,62 4,70 34,46
2007 2,08 5,9 35,25
2008 3,86 6,1 63,27
2009 3,28 6,72 53,77
2010 3,82 7,67 49,80
2011 4,61 8,52 54,10
2012/2015 (متوسط) 4,80 9,4 36,53
المتوسط العام للتبعية الاقتصادية في الفترة 2000 / 2015  = 34,46%

 

المصدر: حسبت بالاعتماد على المقارنة والمقاربة والترجيح بين الأرقام الواردة في التقارير الآتية:

Report of the World Development (1993) (1998) (2010) (2011) (2012) (2013). CIA-The world fact book (2008) (2009) (2010) (2011) (2012) (2013). Human Development Report (2010) (2011) (2012). Report of the World Social Situation (2009) (2010) (2011) (2012) (2013). World Economic Outlook (2010) (2011) (2012) (2013). International Financial Statistics (March 2010) (May 2011) (May 2012) (March 2013) Education for All by 2015. Will we make it? (2008). Yearbook of Labour Statistics (2009) (2010) (2011) (2012).

 

 

الفصل الثالث: الاقتصاد العربي

وليكن عالمنا العربي نموذجنا الثاني المتخذ للتعرف إلى خط سير القيمة الزائدة المنتجة في داخل الاقتصاد القومي. والجدول التالي يوضح مقدار التسرب. تسرب القيمة الزائدة الكلّية في قطاع واحد، ربما الأهم، من القطاعات الثلاثة الَّتي يتركب منها الهيكل الاقتصادي لبلدان العالم العربي، وهو القطاع الزراعي (أرقام 2015) لتكوين تصور أكثر وضوحاً عن الاتجاه العام.

 

البلد

 

عدد السكان 

(بالمليون نسمة)

القوة العاملة في قطاع الزراعة (%) من إجمالي العاملين، وما بين القوسين هو عدد العاملين في القطاع الزراعي منسوباً إلى عدد السكان  

الناتج الزراعي    

(بالمليون دولار)

 

الصادارت 

(بالمليون دولار)

 

الواردات 

 (بالمليون دولار)

الأردن 6,200 8,8 (0,545) 730 606 2500
الإمارات 8,264 5,2 (0,429) 2,655 1790 4700
البحرين 1,30 2,4 (0,0312) 93 257 590
تونس 10,500 16,2 (1,701) 3,175 2900 2449
الجزائر 35,800 13,1 (4,690) 13,485 260 7585
جيبوتي 923 74,9 (691,330) 36 22 150
السعودية 27,522 4,1 (1,130) 11,204 2800 18822
السودان 41,160 44,5 (18,320) 22,785 171 480
سوريا 20,125 13,9 (2,780) 12,215 2265 3254
الصومال 10,490 35,5 (3,723) . . . . . 22 590
العراق 33,408 14,0(4,677) 7,298 10 2000
عمان 3,415 20,5 (0,70008) 857 350 2589
فلسطين 7,900 . . . . . . . . . . 72 354
قطر 1,699 1,6(0,02718) 281 10 415
القمر 700 . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الكويت 3,554 1,8(0,06397) 262 180 1920
لبنان 4,018 2,2 (0,0884) 1,963 360 2265
ليبيا 7,774 4,9(0,38093) 1,632 7 2069
مصر 91,682 29,9(23,525) 29,135 3600 6940
المغرب 31,589 42,6 (13,456) 12,510 3800 4233
موريتانيا 5,7 46,5 (26,505) 575 64 95
اليمن 23,154 36,9 (8,543) 3,492 389 2256

المصدر: نفسه.

 

وعلى هذا الجدول لنا الملاحظات الآتية:

– من العبث أن يدرس الاقتصاد العربي ككل واحد، إذ الواقع يؤكد عدم تجانس الاقتصادات العربية، وإن الأخذ بالمتوسطات الحسابية، الَّتي تخفي أكثر مما تظهر، يعد خطأً علمياً فادحاً إذ ما تم استخلاص نتائج (نهائية) بناء عليها؛ فثمة بلدان تحقق فائضاً نسبياً، وأخرى لديها نقص شديد. وثمة بلدان تعداد سكانها يفوق عشرات المرات تعداد سكان بلدان أخرى. وثمة بلدان يكون نصيب الفرد فيها مرتفعاً، وأخرى منخفضاً للغاية. وثمة بلدان يعمل جُل سكانها بالزراعة، وبلدان أخرى يندر بها النشاط الزراعي. فكيف يتم درس اقتصادات غير متجانسة بهذا الشكل وافتراض تجانسها؟ إذ الشائع في درس الاقتصادات العربية هو درسها ككل. كوحدة واحدة. والاعتماد على الأرقام الإجمالية الَّتي قد تقدم صورة وردية في بعض القطاعات والبنود، وإنما عبثية في مجموعها!

 بعد خصم قيمة الواردات، في قطاع الزراعة، فإن الناتج الزراعي الكلّي لا يفي بحاجات السكان في غالبية بلدان العالم العربي! ربما باستثناء، وبشكل نسبي: بلدان الإمارات المتحدة، والبحرين، وجيبوتي، والسعودية، وعمان، وقطر، والكويت، ولبنان، وليبيا، وموريتانيا.

 الفوائض الزراعية المنتجة في بعض بلدان العالم العربي مثل: السودان، ومصر، ولبنان، والعراق، وسورية، تتمثل غالبيتها في الأسماك، وبعض أنواع الفواكه، وبعض أنواع الخضروات. مع نقص، أحياناً شديد، في المنتجات الزراعية الرئيسية: الحبوب، والدقيق، والأرز، والشعير، والبطاطس، والبقوليات، واللحوم، والزيوت، والألبان ومنتجاتها.

 ثمة بلدان مثل جيبوتي يعمل بها نحو 74,9% من السكان بالزراعة والأنشطة المرتبطة، ومع ذلك تستورد طعامها من الخارج!

 توجد بلدان تتوقف عملية إطعام السكان فيها على ما يحدث في النظام الرأسمالي العالمي مثل: الأردن والإمارات والبحرين والسعودية وعمان وقطر والكويت ولبنان وليبيا، فهي بلدان تستورد طعامها من الخارج بنسبة كبيرة؛ إذ لا يفي إنتاجها بحاجات السكان. وتلك البلدان إنما تمول عملية الاستيراد من خلال القيمة الزائدة المنتجة بسواعد العرب، ربما في قطاعات أخرى، مثل الصناعة، الاستخراجية عادةً، والخدمات، الرديئة نسبياً. وذلك بالنظر إلى إجمالي الصادرات والواردات للهيكل ككل، كما سنرى لاحقاً.

 تفاوت مستوى الإنتاجية، مع الأخذ في الاعتبار عنصر الجغرافيا، من الخصائص اللصيقة بالدراسات المقارنة للاقتصادات العربية؛ فعلى سبيل المثال: ما ينتجه مزارعو وفلاحو الأردن ينتج في الإمارات ضعفه تقريباً. وما ينتج في تونس ينتج ثلاثة أضعافه في المملكة السعودية، وما ينتج في العراق ينتج ضعفه في الجزائر. وما ينتج في موريتانيا ينتج في مصر ستة أضعافه تقريباً!

 يؤدي كل من: اختلاف سعر صرف العملة، والإنتاج من أجل السوق، وإنما السوق الرأسمالية الدولية، الدور المحوري في هيكل الزراعة العربية، فالرأسمال المستثمر في قطاع الزراعة لا يهمه سوى الربح، سواء تحقق بإطعام أهل البلد الَّذي يستهلك أرضه، أو خارجه. ومن هنا كان الإنتاج دائماً من أجل السوق، وليس من أجل تأمين الاكتفاء الذاتي للمجتمع، أو تنمية معتمدة على الذات، وفك الروابط مع الإمبريالية العالمية. إذ في بعض البلدان، تونس مثلاً، يكون إجمالي الإنتاج الزراعي قادراً على تأدية دوره النوذجي في خلق الشخصية الوطنية المستقلة في مواجهة الرأسمالية الدولية في توسعها المستمر، إذ يقدر الإنتاج الزراعي، وفقاً لأرقام 2011، بنحو 3,175 مليار دولاراً، يصدر تونس منهم 2,900 مليار دولاراً، ويستورد في المقابل نحو 2,449 مليار دولاراً! يتعين هنا الوعي بعلاقات الملكية العقارية، وتركيبة الطبقات المهيمنة وتكونها التاريخي في ركاب الرأسمال الأجنبي!

 ثمة بلدان، مثل: السعودية (يتعين هنا الوعي بتفاصيل عقود التخصيص الَّتي تحصلت عليها المملكة في الأراضي السودانية) قدر ناتجه الزراعي، وفقاً لأرقام 2011، بنحو 11,204 مليار دولاراً، كما قدرت قيمة صادراته بنحو2,800 مليار دولاراً، في الوقت الَّذي قدرت قيمة الواردات بما يقارب 19 مليار دولاراً. أي أن المجتمع السعودي يحصل على جُل غذائه من السوق الدولية!

– بلد أخر مثل السودان، قدر ناتجه الزراعي في عام 2011، بنحو 22,785 مليار دولاراً، وبعد خصم الصافي الزراعي، وقدره 301 مليون دولاراً، فيكون السودان قد حقق نحو 22,484 مليار دولاراً! ولم يزل السودان يجدد يومياً تخلفه! لماذا؟ لأن جُل هذا الناتج لصالح رأسمال خاص أجنبي يستهلك أرضه (سعودي، إماراتي، كوري جنوبي، حتى الآن!) هذا من جهة. ومن جهة أخرى، لأنه يعد مثالاً نموذجياً للتسرب، ليس للفائض، كما هو شائع، وإنما لتسرب القيمة الزائدة الَّتي تم إنتاجها بداخله؛ من أجل استيراد كل ما هو ضروري من أجل تجديد الإنتاج على الصعيد الاجتماعي!

 وللانتقال خطوة أكثر تقدماً، يتعين أن نعاين هيكل الصادرات والواردات ( أرقام 2015) في ضوء الناتج المحلي الإجمالي، أي ننتقل إلى جدول يبين لنا قيمة الصادرات والواردات، والتركيب السلعي. وذلك من خلال تكوين الوعى بإجمالي ما أنتج بداخل الاقتصاد القومي.

ولسوف نعتد في الجدول أدناه بالناتج المحلي الإجمالي في قطاعات الإنتاج السلعي (أي: الزراعة والصيد، والصناعات الاستخراجية، والتشييد، والكهرباء، والغاز، والماء) من دون الاعتداد بقطاع الخدمات مثل التجارة والمطاعم والفنادق والتمويل والتأمين والمصارف، وقطاع الخدمات الاجتماعية (الإسكان والمرافق، والخدمات الحكومية) إذ يعكس الإنتاج المادي، السلعي، صورة أوضح نسبياً تسعفنا في سبيل شرح فرضيتنا، لتسرب القيمة الزائدة.

 

 

 

البلد

 

الناتج المحلي الإجمالي من السلع (من دون الخدمات

بالمليار دولار)

 

الدين الخارجي

بالمليار دولار

 

الصادرات بالمليار دولار

 

 

أنواع  السلع المصدرة

 

الواردات بالمليار دولار

(تسرب)

 

أنواع  السلع الواردة

الإنفاق

العام

بالمليار دولار

(تسرب محتمل)

 

 

 

الأردن

 

 

 

7,905

 

 

 

8,345

 

 

 

 

 

8,218

 

 

 

ملابس، أسمدة، بوتاس فوسفات، خضروات، فواكه، مواد صيدلانية

 

 

 

17,73

 

 

نفط خام، آلات، معدات النقل، اتصالات سلكية ولاسلكية، حديد، حبوب، مواد غذائية، سلع رأسمالية  

 

 

8,051

 

 

 

 

 

تونس

 

 

 

14,768

 

 

 

24,50

 

 

 

 

17,87

 

ملابس، سلع نصف مصنعة، منسوجات، منتجات زراعية، فوسفات، مواد كيميائية، هيدروكربونات

 

 

 

23,49

 

منسوجات، آلات، معدات نقل وأجزائها، مواد هيدروكربونية، مواد كيميائية، مواد غذائية، ألكترونيات، سلع رأسمالية، مواد لصناعة الورق  

 

 

13,466

 

 

 

جيبوتي

 

 

 

 

 

 

 

 

124

مليون

 دولار

 

 

 

802,9

مليون دولار

 

 

 

101,7

مليون

 دولار

 

 

 

جلود، بن

 

 

 

465,1

مليون

 دولار

 

أطعمة، مشروبات، معدات النقل وأجزائها، آلات، كيماويات، منتجات بترولية، أسلحة، زخائر وأجزاؤها  

 

 

424

مليون

 دولار

 

 

 

 

سوريا

 

 

 

 

 

 

 

 

32,280

 

 

 

8,890

 

 

 

4,981

 

نفط خام، معادن، منتجات نفطية، فواكه، خضروات، ألياف، قطن، منسوجات، ملابس، لحوم حية، قمح

 

 

 

17,6

آلات، معدات النقل، آلات الطاقة الكهربائية، مواد غذائية، ثروة حيوانية معادن، منتجات معدنية، كيماويات، مواد كيماوية،بلاستيك، غزل، أسلحة  

 

 

15,196

 

 

الصومال

 

 

 

 

5,896

 

 

3,254

 

 

 515,8

مليون

دولار

ثروة حيوانية، معادن الخردة، موز، جلود،

أسماك، فحم

 

 

 

1,263

آلات، معدات، منتجات نفطية، مواد غذائية، أسلحة، زخائر وأجزاؤها،  

. . . . .

 

 

 

لبنان

 

 

 

 

 

9,543

 

 

 

 

 

32,64

 

 

 

 

 

5,655

 

مجوهرات، معادن، موادكيميائية، فواكه، خضروات، تبغ، ألياف النسيج، جلود وفراء

ومنتجاته، نسيج

 

 

 

20,73

 

منتجات بترولية، سيارات، آلات معدات نقل، منتجات طبية، ملابس، لحوم، سلع استهلاكية، مواد صناعة الورق، أقمشة،  

 

 

11,308

 

 

 

 

مصر

 

 

 

 

 

 

 

 

107,132

 

 

 

 

 

34,889

 

 

 

 

 

28,37

نفط خام، منتجات نفطية، قطن،منسوجات، منتجات معدنية،

مواد كيميائية، أغذية المصنعة، جلود، حيوانات حية

 

 

 

 

69,84

آلات، معدات، مواد غذائية، مواد كيميائية، منتجات خشبية، ألكترونيات، مواد صيدلانية، ملابس، منسوجات، منتجات معدنية،  

 

 

 

66,272

 

 

 

المغرب

 

 

 

 

 

 

37,315

 

 

 

 

29,42

 

 

 

 

 

22,23

 

ملابس ومنسوجات، معادن خام، منتجات نفطية، حمضيات، أسماك وخضروات  

 

 

42,49

 

 

بترول خام، نسيج، معدات وآلات إنتاج، اتصالات سلكية ولاسلكية، قمح، غاز، كهرباء  

 

 

29,920

 

 

 

موريتانيا

 

 

 

 

 

 

2,047

 

 

 

 

2,942

 

 

 

 

2,878

 

 

خام الحديد، أسماك، منتجات سمكية، ذهب، نحاس، نفط

 

 

 

4,152

 

آلات، معدات، منتجات بترولية، سلع رأسمالية، مواد غذائية، سلع استهلاكية، سلاح

 

 

 

 

1,030

 

 

اليمن

 

 

13,298

 

 

 

6,724

 

 

7,958

 

 

نفط خام، غاز طبيعي، أسماك جافة ومملحة

 

 

12,893

 

مواد غذائية،

منتجات بترولية، أسلحة، زخائر

وأجزاؤها

 

 

10,288

المصدر: نفسه.

 

 

 

وعلى هذا الجدول بعض الملاحظات:

 لقد تعمدنا الاعتداد بالأرقام التقريبية (2015)، مع مقارنة للسنوات العشر السابقة على سنة التحليل، للتعرف إلى الاتجاه العام للحركة في المدى القصير والَّذي يعكس خلاصة الاتجاه الطويل في الفترة السابقة وفي نفس الوقت يعطي مؤشرات واقعية إلى حد كبير على الاتجاه العام في الفترة التالية على سنوات التحليل.

 لم تزل بلدان العالم العربي، حتى بعد خروج الاستعمار الأجنبي، تمثل بالنسبة للأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي المصدر العام للمواد الأولية والخام، غير المصنعة غالباً. كما يظهر في بند نوعية السلع المصدرة.

 لم تزل بلدان العالم العربي، وحتى بعد خروج الاستعمار الأجنبي، تعتمد على السلع الإنتاجية والاستهلاكية الَّتي تنتج في مصانع الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي العالمي. وخطورة هذه السلع تكمن في كونها السلع الَّتي تتوقف عليها عملية تجديد الإنتاج الاجتماعي نفسه في داخل الاقتصاد القومي، مثل الآلات والمعدات عالية التقنية، كما يتضح من بند نوعية السلع الواردة.

 يتضح من الجدول أعلاه أن الواردات تلتهم جُل قيمة الناتج المحلي الإجمالي، الواهن أساساً، مع الأخذ في الاعتبار أن قيمة ما تنتجه الطبقة العاملة في داخل الاقتصاد القومي عادة ما تكون أحد أجزاء قيمة استيراد هذه الواردات.

 ومن ثم تمثل الواردات أزمة حقيقية لغالبية بلدان العالم العربي أمام القدرة على الوفاء بالديون الخارجية، من جهة، والقيام بالدور الاجتماعي للدولة، المتمثل في الإنفاق العام، من جهة أخرى. والإنفاق العام يمثل في نفس الوقت مثالاً للتسرب المحتمل في القيمة المنتجة في داخل الاقتصاد القومي إلى خارجه نحو الأجزاء المتقدمة من أجل استيراد السلع والخدمات الَّتي تقوم الدولة بتوفيرها، مدعمة غالباً، للمواطنين في المجتمع! ومع الأخذ في الاعتبار تحفظنا على التحليل الاقتصادي للعالم العربي وفقاً للنظريات المبنية على المتوسط الحسابي. فإذ ما أردنا التعرف إلى مدى تبعية البلدان العربية، غير النفطية، للأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي، وفقاً لقانون القيمة، في عام واحد فسوف نجد أن تبعية هذه البلدان تعكس صورة واضحة لعملية التخلف الاقتصادي والاجتماعي كعملية اجتماعية قوامها تسرب القيمة الزائدة المنتجة بفضل عرق العمال في تلك البلدان العربية. فإذ ما قمنا، وفقاً لمقترحنا، بحساب متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية، المنتجة غالباً في الأجزاء المتقدمة من النظام الرأسمالي، ونسبته إلى متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي السلعي الإجمالي، في بعض البلدان غير النفطية، فسنجد أن معيار”مدى التبعية” يسجل متوسطاً مقداره 67,61%، وفقاً للجدول أدناه.

 

 

 

 

البلد متوسط نصيب الفرد من الواردات السلعية متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي السلعي الإجمالي
الأردن 3 1,27
تونس 3 1,40
جيبوتي 1 0,13
سوريا 1 2
الصومال 0,12 1
لبنان 6 2,23
مصر 5 8,19
المغرب 1,33 1,18
موريتانيا 1 0,35
اليمن 1 1
المجموع 22,45 29,75
نسبة متوسط مدى التبعية (%) 75,64%

المصدر: نفسه.                                                                                  (تم تقريب الأرقام لأقرب وحدة)

 

 

 

خاتمة

والآن يمكننا أن نقول، وبلا تحفظ من أي نوع، أننا بصدد اقتصادات تعاني من تخلف مزمن؛ وهي ليست بحاجة إلى اضطرابات سياسية أو قلاقل اجتماعية كي تثبت ذلك. ولسوف تظل هذه الحالة من التخلف، والتبعية، طالما بقيت تلك الحالة الجهنمية من التسرب في القيمة الزائدة المنتجة بفضل عرق الشغيلة في داخل الاقتصادات العربية المتخلفة إلى خارجها من أجل شراء السلع والخدمات المنتجة في الأجزاء المتقدمة، والتي تعتمد عليها الأجزاء المتخلفة في سبيلها إلى تجديد إنتاجها الاجتماعي، بل وتحقيق وجودها الاجتماعي اليومي.

 

 

 

 

——————————-

الهوامش

——————————-

(*) يمثل هذا النص ملخص المحاضرة الملقاة بمعهد البحوث والدراسات العربية (القاهرة/ نوفمبر/2017) بعنوان: اقتصادات تنزف عرقاً: مصر والعالم العربي، في مؤتمر: الاقتصادات العربية بعد عام 2010: تداعيات الركود وتطلعات النمو، تحرير شريف قاسم، ومحمد الطناحي.

——————————-

هوامش الفصل الأول

——————————-

(1) لتكوين الوعي بشأن النظريات الأساسية في حقل نظرية التخلف، بمفهومه التقليدي، انظر، على سبيل المثال:

Benjamin Higgins, Economic Development: Principles, Problems, Policies (London: Constable and Co, 1959). Ragnar Nurkse, Problems of Capital Formation in Underdeveloped Countries (Oxford: Basil Blackwell, 1960).

Gunnar Myrdal, Economic Theory and Underdeveloped Regions (London: Gerald Duckworth Co, 1957). Joseph A. Schumpeter, The Theory of Economic Development (Cambridge University press, 1967).

Walt Whitman Rostow, The Stages of Economic Growth, A Non-Communist Manifesto (Cambridge, University press, 1960).

(2) لقد افترضنا هنا، دون الواقع، أن التشغيل كامل، وأن المجتمع يخلو من الفئات العاطلة، أو التي لا تعمل، لسبب أو آخر، وبالتالي لا تحصل على أجور، كالأطفال وكبار السن ومَن في حكمهما، ولا شك في أن إدخال هؤلاء في التحليل سيجعلنا أمام مجتمع من المستحيل وجوده بالأساس! وفي أفضل تحليل يصبح في طريقه إلى الفناء!

(3) بغض الطرف هنا عن آراء النيوكلاسيك في هذا الأمر، والتي تؤكد نفس القول أي أن الرأسمالي يجني ربحه يبيع السلعة بأغلى من تكلفة إنتاجها، فمن الذين قالوا بهذه الفكرة، الفرنسي دستوت دي تراسي، في مؤلفه: عناصر الأيديولوجياالإرادة وتصرفاتها (باريس: 1826) حيث كتب:”لو سئلت كيف يجني أصحاب المشاريع الصناعية هذه الأرباح الهائلة، لكانت إجابتي أنهم يحققون ذلك ببيع كل ما يقومون بإنتاجه بأغلى مما كلفهم إنتاجه…”. ولقد قام ماركس، في الفصل العشرين من الكتاب الثاني من رأس المال، بالرد على هذه الفكرة وحاول أن يبين مدى فسادها، انظر: ماركس، رأس المال، الكتاب الثاني، الفصل العشرون.

(4) على الأقل نعتبر تلك القاعدة العامة.

(5) وهو ما سوف يستتبع ضخ 27 ملياراً وحدة إضافية من النقود كوسيط في التبادل، وحينئذ فقط تتشكل (إمكانية) للرأسمالي بأن يبيع سلعته بأعلى من تكلفة إنتاجها، أو حتى بأعلى من ثمن إنتاجها، محققاً، عبر حركة الأثمان، أرباحاً استثنائية/إضافية من حقل التداول إنما مصدرها حقل الإنتاج. وحينئذ أيضاً، بالتبع، يمكننا فهم وتحليل تأرجحات ثمن السوق حول ثمن الإنتاج. كما يمكن فهم كيف يجني الرأسماليون المزيد والمزيد من الأرباح الاستثنائية/الإضافية حينما تزيد كمية النقود المتداولة عن كمية السلع. وبناء عليه، يخلو تحليلنا هنا من افتراض التضخم، والمضاربات المالية، وكل ما من شأنه زيادة كمية النقود عن كمية السلع والخدمات المتداولة؛ إذ سوف ترتفع الأثمان من أجل امتصاص الزيادة في النقود، وبالتالي يمكن للرأسماليين وكما ذكرنا، في إطار من العلاقات المتناقضة، جني المزيد من الأرباح الاستثنائية/الإضافية، بيد أن ذلك يحدث في حقل التداول وهو يأتي في مرتبة ثانوية في نموذج التحليل لدينا، إذ يتحدد انشغالنا بحقل الإنتاج والتوزيع. إنتاج القيمة وتوزيعها.

(6) انظر، على سبيل المثال:

Richard Cantillon, Essay on the Nature of Trade in General, ed. and Trans Henry Higgs (London: Frank Cass and Co., Ltd 1959).”The Land is the Source or Matter from whence all Wealth is produced. The Labour of man is the Form which produces it: and Wealth in itself is nothing but the Maintenance, Conveniences, and Superfluities of Life. Land produces Herbage, Roots, Corn, Flax, Cotton, Hemp, Shrubs and Timber of several kinds, with divers sorts of Fruits, Bark, and Foliage like that of the Mulberry-tree for Silkworms; it supplies Mines and Minerals. To all this the Labour of man gives the form of Wealth”.p.38. Adam Smith. The Wealth of Nations. New York: Barnes& Noble. 2004.”The greatest improvement in the productive powers of labour, and the greater part of the skill, dexterity, and Judgment with which it is anywhere directed, or applied, seem to have been the effects of the division of labour…”.p.12.”The real value of all the different component parts of price, it must be observed, is measured by the quantity of labour which they can, each of them, purchase or command. Labour measures the value not only of that part of price which resolves itself into labour, but of that which resolves itself into rent, and of that which resolves itself into profit…”. p.195. “The manufacturer has his wages advanced to him by his master, he in reality, costs him no expense, the value of those wages being generally restored, together with a profit”.p.298. David Ricardo, The Principles of Political Economy and Taxation. New York: Barnes & Noble. 2005.”The value of a commodity, or the quantity of any other commodity for which it will exchange, depends on the relative quantity of labour which is necessary for its production, and not on the greater or less compensation which is paid for that labour”.p.7. Malthus, Definitions in Political Economy. London: John Murray, 1827. “Land, labour, and capital The two original sources are land and labour; but the aid which labour receives from capital is applied so very early, and is so very necessary in the production of wealth, that it may be considered as a third source”.p.29. Dugald Stewart Lectures on Political Economy (London: Macmillan & Co, 1875). “Indeed, as Mr. Hume in his Essay on commerce has remarked, trade, artisanship, and manufactures, are nothing more than the public storehouses of labour”.p.97. G. Ramsay, An Essay on the distribution of wealth. Edinburgh: Adam and Charles Black, 1836.. It would appear then… that quantity of labour regulates the value not of those commodities only which has been produced by it alone, but of those also which have been raised or fabricated after the creation and co-operation of capital; that it is, in short, the sole regulator of value”.pp.42-3.

 

——————————-

هوامش الفصل الثاني

——————————-

(1) تعد معالجة د. إبراهيم العيسوي من أفضل المعالجات التي ظهرت بشأن تحليل هذه المعايير، انظر: إبراهيم العيسوي، الاقتصاد المصري في ثلاثين عاماً (القاهرة: المكتبة الأكاديمية، 2007)، ص45-76. وقد لاحظ، د. العيسوي أن:”البيانات المتاحة تعاني حالة من الضعف والهشاشة والاضطراب تجعل البحث في واقع هذا الاقتصاد وتطوره عبر الزمن من الأمور العسيرة”. ومن ثم فقد تعين الحرص، والابتداء من نقد الرقم المعطى والشك في صحته.

(2) من هذه المساهمات على سبيل المثال: ابراهيم العيسوي، قياس التبعية في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية: جامعة الأمم المتحدة، مشروعات المستقبلات العربية البديلة، 1989) نادر فرجاني، هدر الإمكانيةبحث في مدى تقدم الشعب العربي نحو غاياته (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2001) ط5. ص81، وما بعدها. محمد محمود الإمام، في: الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة، أعمال المؤتمر الثالث للجمعية العربية للبحوث الاقتصادية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،1997)، ص17-35. يوسف صايغ، موجبات البحث في موضوع الوطن العربي ومشروعات التكامل البديلة، المصدر نفسه، ص43-65. سمير أمين، حول التبعية والتوسع العالمي للرأسمالية، في: التنمية المستقلة في الوطن العربي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، ص149-189.

(3) من هذه المفردات على سبيل المثال: درجة التركز الجغرافي للصادرات، نسبة الواردات الوسيطة إلى الاستهلاك الوسيط، ونسبة الواردات الاستهلاكية غير الضرورية إلى الواردات، ونسبة واردات الطاقة إلى جملة الواردات، ومدى قوة العلاقة القائمة بين الدول المعنية وهيئات التمويل الرأسمالية الدولية، ومدفوعات خدمة الدين الخارجي كنسبة من حصيلة الصادرات، ونسبة مساهمة الموارد غير المتجددة والقطاعات الحساسة في النمو الاقتصادي، ودرجة التركز الجغرافي للدين القائم، ونسبة استثمارات الدولة في الخارج إلى جملة ايراداتها الجارية من النقد الأجنبي، ودرجة التركز القطاعي لمساهمة الأجانب في رساميل الشركات العاملة في الدولة. إبراهيم العيسوي، قياس التبعية في الوطن العربي، المصدر نفسه، ص66-73. وهي جميعها “وسائل وصفية ذات قدرة تحليلية محدودة”. سمير أمين، حول التبعية والتوسع العالمي للرأسمالية، المصدر نفسه، ص157.

(4) للمزيد من التحليل لظاهرة تجديد إنتاج التخلف ابتداءً من قانون القيمة، راجع مؤلفنا: الاقتصاد السياسي للتخلف (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2012)، ص49-60.

 

 

[1] يمثل هذا النص ملخص المحاضرة الملقاة بمعهد البحوث والدراسات العربية (القاهرة/ نوفمبر/2017) بعنوان: اقتصادات تنزف عرقاً: مصر والعالم العربي، في مؤتمر: الاقتصادات العربية بعد عام 2010: تداعيات الركود وتطلعات النمو، تحرير شريف قاسم، ومحمد الطناحي.

يمكن تحميلها من الرابط التالي: اقتصادات تنزف عرقاً

عن admin

شاهد أيضاً

الهيمنة والمساواة في السيادة

تحميل كتاب: الهيمنة والمساواة في السيادة

الهيمنة والمساواة في السيادة بقلم: إم. جي. بالون ترجمة: أحمد سعود حسن تاريخ الإصدار: ٢٠١٦ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *