الرئيسية / العلاقات الدولية / السياسة الخارجية / مأساة سياسة القوى العظمى – عرض الفصل العاشر – تحميل الكتاب
مأساة القوى العظمي
مأساة القوى العظمي

مأساة سياسة القوى العظمى – عرض الفصل العاشر – تحميل الكتاب

يختتم ميرشايمر كتابه سياسة القوى العظمى بفصل يحلل فيه بيئة السياسة الدولية في القرن الواحد والعشرين أو بيئة ما بعد الحرب الباردة، فيقدم توصيفًا واقعيًا لها، ولأهم قواها العظمى الفعلية والمتوفعة. ويُلاحظ على هذا التحليل أمران؛ أولهما: أنه تحليل بمنطق الواقعية الهجومية الذي يتبناه ميرشايمر، وثانيها: أنه فحص واختبار لواقع السياسة الدولية خلال العقد الأخير من القرن العشرين؛ لذلك فإن الفصل ذات قيمة تحليلة- نظرية عالية خاصة إذا وضع في ذلك السياق التاريخي الدولي الذي صدر فيه الكتاب، ولا شك أن تطورات عدة لحقت بهذه الفترة، ربما دعمت بعض من حجج ميرشايمر ودحضت أخرى.

ويدور تنظيم هذا الفصل حول إدعاء رئيس والرد عليه؛ فأما الإدعاء: هو أن بيئة السياسة الدولية شهدت تحولًا جذريًا في فترة ما بعد الحرب البادرة؛ حيث أضحى التعاون سمتها، والحرية والديمقراطية صبغت النظم السياسية الداخلية، وأن التنافس الأمنى والحرب قد غادرا بلا رجعة، وعليه لم تفقد الواقعية قدرتها التفسيرية وحسب، بل انقرضت كما انقرضت الديناصورات. وكأن هذا الإدعاء الليبرالي، هو ما حفز الكاتب للرد -المطول نسبيًا- في هذا الفصل، والذي يمثل كل جزء منه رد على “التحديات والانتقادات التي وجهت للواقعية”، ثم ينهي حديثه باستشراف لمستقبل القوى العظمى من منظور الواقعية الهجومية.

أما الرد -إجمالًا- فهو: أن بيئة السياسة الدولية لم يتغير حالها؛ فمنطق الفوضى لا يزال حاكمًا، والدول الكبرى لا ينفك تصرفها عن مقتضيات توازن القوى، ولا تزال الدول هي الفاعل الرئيس، حتى وإن ظهرت فواعل أخرى، والفوضى هو القوة الدافعة وراء سلوكها. والسلام -وإن عم-لن يكون سببه إلا توزيع القوى، وحالة التوازن اللراهنة، وطبيعة القوى الكبرى والنسق السائد في الإقليم. وعليه فالعالم الواقعي هو عالم النظرية الواقعية. وفيما يلي نستعرض بشيء من التفصيل هذه الإدعات والرد عليها.

السيادة والدول:

يُحاجج أنصار هذا الرأي، بأن زيادة عدد المنظمات الدولية، ونمو قدرتها في الضغط على الدول للتعاون فيما يبنها، تجعل الدول ترفض سلوك القوة وتعظيمه، وتقلل من الفوضي. كما أن العولمة، والرأسمالية، قد جعلا “الأسواق سيدة على الحكومات”، وهددت أدوار الشركات متعددة الجنسية بقاء الدول وفعالية منطقها.

لكن يسوق ميرشايمر عدد من الأمثلة التي تدحض تلك الحجة؛ فالأمم المتحدة لم تستطع وقف الحرب في البوسنة (1990- 1992)، ولم تقدر على مواجهة الولايات المتحدة في حربها ضد العراق 2003، رغم اعتراض العدديد من الدول، والدول الكبرى، كما رفضت الولايات المتحدة التجديد للأمين العام بطرس غالي، بعد أن نشر تقرير يدينها فيه. وعليه فالمنظمات الدولية الموجودة ليس ثمة دليل على أنها ترغم الدول على التصرف خلاف لمصالحها الاستراتيجية، كما أن فرضيات إصلاحها -زيادة عدد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن- لن يزيد من فعالية المنظمة، بل سيجعل صنع القرار فيها أصعب. فالموسسات وفق هذا الطرح، ما هي إلا صنيع الدول، خلقتها وشكلتها للحفاظ على مصالحها، وتضحى -في النهاية- ميادين لاستعراض القوة. والحديث عن العولمة، وزيادة التعاون الاقتصاد ودور الشركات، لا يقلل من حقيقة أن حجم التعاملات بين الدول كبير، وأن الدول قادرة على صد هذه الضغوط، والتماسك بفعل نزعاتها القومية. وحتى إذا اختفت الدول وحل مكانها كيانات أخرى، فلا يعني ذلك أن التنافس الأمنى والحرب سنتهي، فالفوضى موجودة حتى قبل ظهور الدول القومية، و“لا تتطلب الواقعية غير الفوضى”. وعلى كلٍ فلا يلوح في الأفق أي بديل معقول للدولة، فحتى الاتحاد الأوروبي لم يشكل كيان فوق قومي يلغي الدول، وحتى لو حدث ذلك فسيندرج تحت فئات الدول التي تتصرف بمنطق الفوضى.

القدرة الهجومة العسكرية:

لم تعد الدول بحاجة لقدرات عسكرية هجومية فائقة؛ فالحرب لم تعد أداة مفيدة لحسم النزاعات، وتحقيق المصالح، والأسلحة النووية جعلت الغزو مستحيلًا. ويأتي رد ميرشايمر على هذا الأدعاء -الذي سبق الرد عليه تفصيلًا في فصول أخرى- أن حروب القوى العظمى لا يُشترط أن تكون طويلة، كما يصورها أصحاب ذلك الإدعاء، فتكون تكون خاطفة كتلك التي استطاعت بها ألمانيا النازية اجتياح فرنسا، ودخول العاصة باريس في 1940.

نوايا الآخرين:

تؤكد نظريات السلام الديمقراطي، أن الدول الديمقراطية ذات نوايا ودية، ولا تحارب بعضها البعض. وطالما أن الدول العظمى ديمقراطية فلن يكون يكون هناك حروب أو سباقات تسلح. وتدعم البنائية ذلك أن هيمنة خطاب التشائم الواقعي هو الذي جعل عين الشك والريبة هي ما تنظر بها الدول لنوايا بعضها، وأن تطوير خطاب سلمي بديل يمكن أن يعزز الثقة والتعاون.

يرد ميرشايمر بأن الدراسات أثبتت أن كون الدول ديمقراطية أم لا يؤثر في قرار الحرب أو التراجع عنه، ولكن اعتبارات توازن القوى هي الحاكمة. كما أنه توجد مشكلة في هذه النظرية، يُسميها بمشكلة “الارتداد”: أي ماذا لو تحولت الدول لاستبداية؟ فما يحكم سلوكها حين إذ؟. ويواجه البنائين بأسئلة عدة، أهمها: كيف يمكن ولمن أن يغير طبيعة الخطاب الشكي الواقعي الذي ساد العلاقات الدولية أكثر من 700 عام؟. فمثلًا- لايوجد دليل على أن خطاب جورباتشوف قد أثر في توجهات روسيا، أو أن سياساتها لن تكون توسعية.

أهمية الحرب وجدواها:

يزعم أنصار العولمة، أن الدول تهتم بالرخاء أكثر من القلق حول بقائها، فشغلها الشاغل، هو الثروة ومراكمتها، لا القوة. كما أن الاعتماد المتبادل القائم سيلحق الضرر بالجميع؛ إذ ما اشتبك مع بعضهم البعض في صراع عنيف. ولم تُعد التهديدات الواقعية (التفليدية) هي التي تخشاها الدول الآن، لكن هناك طائفة أخرى من التهدديات (عير التقليدية) كانتشاؤ الإيدز، والنمو السكاني، والاحتباس الحراري..، وغيرهم، ولا يمكن حل هذه القضايا إلا بالعمل الجماعي. إذن، فقدت الواقعية، والحرب معها معناهما، ولن يحظى البقاء بالاهتمام الذي يتصوره الواقعيون.

ولكن خلاف ذلك -يرى الكاتب- أن ثمة أزمات اقتصادية قد تقوض الرخاء، وتحيي التنافس السياسي، وما غزو العراق للكويت إلا دليل على ذلك؛ حيث كان السبب الاقتصادي الظاهر أن الأخيرة تتجاوز في انتاج حصصها المحددة من منظمة الأوبك. كما أن الدول لا تحتفظ بنسب كبيرة من ثروتها مرتبطة بالتبادل مع الدول الأخرى. والاعتماد المتبادل لا يمنع الحرب، فحالة التبادل الاقتصادي في أوروبا كان كبيرًا في الفترة من 1900-1914 ومع ذلك قامت الحرب العالمية الأولى. ويرد -على زعم التحديات غير التقليدية- بأنه ليس أي منها يُهدد بقاء القوى العظمى، كما أن هذه المشكلات لن تخلو من التصرف الأناني، وقد تؤدي للحرب.

وخلاصة ما سبق من إدعاءات والرد عليها، أن التنافس الأمني لا زال موجودًا في معظم بقاع العالم، ومناطقه، وأنه بكل منطقه قوى عظمى، أو صاعدة، سيكون فيها تنافس سياسي وعسكري، قد يُفضي للحرب. ويستعرض ميرشايمر حالة التنافس الأمني في منطقتين من أهم مناطق العالم التي تؤثر في توزونات القوى العالمية من وجهة نظره، هما أوروبا، وشمال شرق آسيا، ويحلل القوى المحتملة وطبيعة التوزيع المستقبلي للقوة فيها.

حالة التنافس الأمني في شمال شرق آسيا ومستقبل القوى الصاعدة:

ينظر الليبراليون إلى هذه المنطقة بأنها يعمها السلام، وأنها انتقلت من سياسة القوة إلى الجيو إيكونومكس، أو التنافس الاقتصادي الجغرافي المحموم، وأن احتفاظ الولايات المتحدة بجنود فيها مثل إلى جانب ما سبق عامل استقرار في المنطقة.

لكن على العكس من ذلك يخبرنا ميرشايمر، فالمنطقة بالنسبة له تحمل في طياتها احتمالات، وأوجه التنافس. ففي يونيو 1994 اقتربت الولايات المتحدة من حرب ضد كوريا الشمالية لمنعها من حيازة السلاح النووي، واحتمالات الحرب بين الكوريتين لا زالت واردة. وتظل مشكلة تايوان عالقة، وفي الفترة يوليو 1995 – مارس 1996 أطلقت الصين قذائف صاروخية في المياه المحيطة بتيوان، وردت الولايات المتحدة بإرسال مجموعة من حاملات الطائرات. كما أن للصين وحدها حدود مشتركة مع 13 دولة، وتعتبر الولايات المتحدة، واليابان أعداءً لها، وأن العلاقات بين الثلاثة لم تتحسن بعد الحرب الباردة، بل ازدات سوء، إذ انقضى السبب الذي كانوا يتعانون لأجله. ومن ثم فالمنطقة تشتهد سباق للتسلح بين الصين من جانب التي تزيد من قدراتها العسكرية وصواريخها البالستية، ومنافسيها من جانب آخر -وعلى رأسهم تيوان- التي تعزز قدراتها الدفاعية بالنظم الدفاعية الأمريكية. أضف إلى ذلك ما تحتفظ بها الولايات المتحدة مما يقرب من 100 ألف جندي في هذه المنطقة.

ويحلل ميرشايمر طبيعة النسق القائم في هذه المنطقة ويصفه بأنه: “تعددية قطبية متوازنة”، تتسم بقدر من الاستقرار، مع تصاعد احتمالات تغيرها، ويُكتسب هذا النظام سمة التوازن بفعل ثلاثة عوامل: أولها: امتلاك القوى الكبرى الثلاثة فيها ترسانات نووية -بإضافة الولايات المتحدة-، وثانيها: لعب الولايات المتحدة دور فارض التوازن من وراء البحار، وثالثها: ضعف الجيشيين الروسي والصيني.

ويرى ميرشايمر أن “الصين هي مفتاح فهم التوزيع المستقبلي للقوة في آسيا”، لأن اليابان: دولة جزيرية، عدد سكانها صغير نسيبًا، ومن شبه المستحيل أن تبني جيشًا يفوق في قوته وتعدداه الجيش الصيني، كما أن وجود قوات أمريكية على أرضها، واعتمادها في أمنها على الولايات المتحدة الأمريكية، يجعلها دولة شبه مُحتلة. والأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة لروسيا، ويزداد عليها مخاوفها الأمنية من أوروبا. وبالتالي فكلاهما غير مؤهلين ليكونا قوة مُهيمنة كامنة.

أما الصين فتواجه باحتمالين؛ إما أن يستمر نموها، وتصبح أغنى من اليابان، وحتى الولايات المتحدة، فلن يكونا لدى اليابان وروسيا قدرة على احتوائها، وستحاول أن تصبح دولة مُهيمنة فعلية، وبالتالي فلن تفلح سياسات الإشراك التي تتبعها الولايات المتحدة، وستتصنع الصين “مبدأ منرو” ولكن على الطراز الخاص بها “مبدأ منرو الصيني”؛ وتمنع أي قوة من التدخل في شؤون شمال شرق آسيا، وأكثر من ذلك ربما تكون أقوى من الولايات المتحدة، وتصبح الأخيرة قد وقعت في خطأ “تعامل بعض الدول العظمى في العالم الفوضوي باستراتيجيات تتناقض مع منطق توازن القوة”. وإما أن يتوقف نموهما الاقتصادي،  فلن يصبح أي دولة مُهيمنة كامنة، وستعيد الولايات المتحدة جنودها إلى أراضيها، وتستمر التعددية القطبية المتوازنة.

التنافس الأمني ومستقبل توزيع القوى في أوروبا:

تعيش أوروبا في الفترة ما بعد الحرب الباردة ثنائية قطبية، أطرافها: الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا. ويتمتع بحالة من السلام والاستقرار النسبي، ولنفس الأسباب التي جعلت من النسق الآسيوي كذلك.

ولفهم التوزيع المستقبلي للقوة في أوروبا يرتبط بألمانيا، وروسيا. أما ألمانيا، والتي تمتلك خضائص الدولة المُهيمنة الكامنة، حيث هي الدولة الأغنى، والأكثر سكانًا، ومن أقوى الجيوش التي لديها ميزة عسكرية، وتتمتع في تعبئتها بالكفاءة والسرعة. ويمكن أن تتحول لقوة مُهينة فعلية في حالة واحدة إذا ما أضرت لحماية نفسها، وبناء ترسانة نووية، تخرجها من سماء المظلة الأمنية الأمريكية، ويعني ذلك ازيداد التنافس الأمني في أوروبا. أما روسيا فيرى الكاتب أن نموها كدولة مُهيمنة يمكن للدول الأخرى احتواءه وكبحه، سواء بمفردها أو بمساعدة الولايات المتحدة، ولكنها ستجعل من النسق نسقًا تعدديًا غير متوازنًا يستعر فيه سباق التسلح والتنافس السياسي.

وبناءً على ما سبق يؤكد ميرشايمر على أن النسق الدولي الراهن، ليس نسقًا أحاديًا، وأن الولايات المتحدة ليست هي القطب الوحيد، وإنما هي دولة مُهيمنة إقليمية في نصف الكرة الغربي، أي ليس من بين جيرانها ما يهددها أو يستطيع أن يدخل معها في تنافس أمني. وهي وإن كانت القوة المتفوقة في العالم، فإنه يوجد قوى أخرى عظمى: الصين -روسيا على سبيل المثال يمكنها صد الغزو الأمريكي، مع قدرة محدودة على إظهار القوة. كما لا توجد أدلة على أن الولايات المتحدة تسعى للهيمنة العالمية. وعليه فالولايات المتحدة هي دولة عظمى جزيرية تُهيمن على نصف الكرة الغربي، وتعمل كفارض للتوازن من وراء البحار وليس شرطي العالم. ولذلك فإن وجود قواتها خارج أراضيها لا يعمل على حفظ السلام والاستقرار بالمعنى الطوباوي، أو أنه لصالح الولايات المتحدة وقوتها المستقبلية، بل أثبتت الدراسات أن الأطراف البعيدة أو المحايدة تستفيد من الحروب النائية عنها، فهي تصب في صالح قوتها وثروتها، وأن انخراط هذه القوى البعيدة لا يكون إلا لسبب عجز القوى الأخرى عن صد القوى المُهيمنة، فإنها إذاك تكون أمام “التزام قاري”، كما فعلت الولايات المتحدة في 1917، 1942.

 

لتحميل الكتاب: مأساة سياسة القوى العظمى  

عن أحمد عبد الرحمن

باحث ماجستير علاقات دولية كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية جامعة الإسكندرية

شاهد أيضاً

الأمن القومي

الأمن القـومي: دراسة نظرية في المفهوم والنظريات ومنهجية التقييم 

الأمـــن الـقــومــــي دراسة نظرية في المفهوم والنظريات والمستويات ومنهجية التقييم  إعداد/ أحمد عبد الرحمن خليفة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *