الرئيسية / العلاقات الدولية / السياسة الخارجية / مأساة سياسة القوى العظمى – عرض الفصلين الثالث والرابع – تحميل الكتاب
مأساة القوى العظمي
مأساة القوى العظمي

مأساة سياسة القوى العظمى – عرض الفصلين الثالث والرابع – تحميل الكتاب

عرض

 الفصلين الثالث والرابع من كتاب: مأساة القوى العظمى

 

تقديم:

يُستعرض ميرشايمر في الفصلين الثالث والرابع من كتابه مأساة سياسة القوى العظمى مفهومه للقوة وعلاقتها وأنواعها، ومدى اهتمام القوى العظمى بتحصيلها، وكيف تتفاعل معطيات الثروة مع القوة بشكل عام، والقوة العسكرية بشكل خاص، وكيفية توظيف الدولة لاقتصادها ليتكيف مع مقتضيات الحرب وبناء القوة.

الثروة والقوة:

لا أحد ينكر أن القوة تقع في موقع القلب من الجسد بالنسبة للسياسة الدولية؛ فالقوة مصاردها وأنواعها تُعد محط نظر واهتمام بالنسبة لكل من دارسي وممارسي السياسة بشقيها الوطني والدولي على السواء. والقوة لدى ميرشايمر تعتمد على القدرات المادية بشكل أساسي. فقوة الدولة دالة في قوتها العسكرية؛ التي تلعب القوة البرية (الجيوش) فيها دور حاسم. وهذه القوة تُبنى على ما تمتلكه الدولة من مقومات للقوة (قوة كامنة) تتمثل في حجم ثروتها وعدد سكانها. وبين القوة الكامنة والقوة العسكرية علاقة ارتباط دائم؛ فالدول تهتم بتوازن القوة الكامنة بقدر اهتمامها بتوازن القوة العسكرية.

بهذه الادعاءات يلج بنا الكاتب إلى تفاصيل تعريف القوة ومقارنتها مع منظوران مختلفة.

تعريف القوة:

تعرف القوة – عن ميرشايمر – من منظورين: الأول يهتم بالنتائج، والثاني يركز على المقومات، فالقوة وفق الأول – يتفق مع روبرت دال- تتعلق بالقدرة على التأثير؛ أي بقدرة طرف (أ) على حمل طرف (ب) على القيام بشيء أو الامتناع عن شيء، لم يكن ليقم/ يمتنع عنه لولا دفعه الطرف الآخر لذلك. فالقوة هنا عُرفت بثمرة الفعل لا أسبابها. أما منظور المقومات: فهو يشير إلى القوة بوصفها جملة المقومات والقدرات التي تمتلكها الدولة في موجهة الغير (قوة الأسباب).

يعرج ميرشايمر إلى جدل مهم يتضح في ثنايا مناقشة مكونات القوة بين مادية وغير مادية، ويؤكد أن المقومات المادية رغم أهميتها الكبيرة إلا أن المقومات غير المادية، وقد تلعب أحيانًا أدوارًا حاسمة، لا سيما في الحروب التي قد يساهم فيها عوامل الروح المعنوية والاستراتيجية الذكية (الطريقة التي توظف يها القوة) في تحديد الفائز، فهذه العوامل تُعطي ميزة إضافية وحاسمة للمقاتلين، ويضرب مثال باستراتيجية الحرب الخاطفة التي اتبعها الألمان خلال عام 1940 وحققت لهم مكاسب جمة في الساحة الأوروبية. ومثال آخر على هذه العوامل هو الطقس والمرض الذي وقف إلى جانب الروس مرتين فمكنهما من هزيمة هتلر ونابليون.

وعليه لا يمكن التسوية أو التقريب بين توازن الأصول (القوة كأسباب ومقومات) وتوازن النتيجة (القوة كنتائج وغايات)؛ وذلك لعدة اعتبارات: أولها: العوامل غير المادية تؤثر في النتيجة، وثانيها: يتعلق باستحالة وجود تقييم موضوعي لتوازن القوة بين الطرفين قبل النزاع (وإلا لحسمت الفروق النزاع قبل بدءه)، وثالثها: ليس الأقوى –نظريًا- قبل النزاع هو الرابح دائمًا (فروسيا كانت الأضعف وهزمت نابليون 1812 وهتلر 1944، وكذلك فيتنام هزمت الولايات المتحدة 1965- 72)، ورابعها: لابد من التفريق بين الوسائل والغايات؛ فالقوة ليس إلا مجرد وسيلة لتحقيق غايات سياسية بعينها.

بناء القوة العسكرية:

يرى ميرشايمر في الثروة وعدد السكان أهم مقومات لبناء القوة العسكرية؛ ثم يختصرهما في الأولى فقط لكونها إلى جانب تضمنها للأبعاد السكانية والاقتصادية للقوة، فهي لا يُستغنى عنها في بناء الجيوش التي تحتاج للمال والتقنة، ولأن الحروب مكلفة جدًا فإن الثروة عامل أساس في تلك المعادلة.

لا يهتم ميرشايمر بالثروة على جملتها وبكل تفريعاتها، بل يهتم “بالثروة القابلة للتعبئة” أي تلك الموارد الاقتصادية التي تتمتلكها الدولة بناء قوتها العسكرية، أو بعبارة أخرى هي مقدار الثروة المتاحة للانفاق على الدفاع. ويتضمن هذا المفهوم ما يُسمى “بالقوة الصناعية أو القاعدة الصناعية”؛ فالصناعة تولد الثروة، وتسهم في زيادة انتاج كميات الأسلحة وتطويرها.

اشتق ميرشايمر مؤشره لقياس الثروة؛ فهو لم يهتم بالناتج القومي الإجمالي، ولكنها اهتم بالثروة الصناعية من خلال مقياس مركب يعتمد على (انتاج الدولة واستهلاكها للمواد الخام الرئيسية في الصناعة – كالحديد والصلب واستهلاك الطاقة خلال الفترة السابقة على القرن العشرين مثلًا). وبناءً على ذلك أشار ميرشايمر إلى أن “التغيرات في الثروة تفسر التغيرات في القوة العسكرية” كما يظهر الحال بين ألمانيا وفرنسا خلال القرن التاسع عشر. وهنا يُعطى الكتاب أهمية أخرى لما يُسمى “اقتصاد الحرب”، أي ذلك الاقتصاد الأقدر على التعايش والتكييف خلال فترات النزاعات، ويعطى مثالًا بأنه رغم أن السوفيت قد تضرر اقتصادهم كثيرًا خلال الحربين العالميتين إلا أنه سرعان ما تعافى كأقوى اقتصاد أوربي؛ وذلك بسبب قدرته على تكييف اقتصاده أثناء الحرب.

ورغم هذا التلازم بين الثروة والقوة، إلا أن الكاتب لا يثق في مقولة “أن الدول تترجم ثروتها إلى قوة عسكرية بالمعدل نفسه” تمام الإيمان؛ فهو يرى أن ثمة افتراقات بين الثروة والقوة تكمن أسبابها فيما يلي:

أولًا: أن الدول تحول أجزاء متفاوتة من ثروتها إلى قوة عسكرية.

ثانيًا: تختلف كفاءة التحويل من دولة لأخرى؛ فالدول تنوع مصادر قوتها العسكرية (بين بحرية وبرية وجوية) حسب طبيعتها، وما يحققه الزيادة في في أياً من هذه الأنواع من ميزة إلى قوتها العسكرية الإجمالية.

ثالثًا: لا يُشترط أن الدول الغنية تزيد من إنفاقها العسكري إذا كان ذلك لن يُعطيها مزايا استرايتيجة إضافية، فليس كل الانفاق قد يحقق التفوق للدولة.

رابعًا: درجة الانفاق تحدد على أساس مدى إضرارها باقتصاد الدولة؛ فإفراط الإنفاق قد يقوض في النهاية من قوة الدولة (بالإضرار باقتصادها الذي هو أساس القوة).

خامسًا: فقد تكون الدولة في حالات تحت الاحتلال أو موقعه لمعاهدات تحول بينها وبين زيادة نفقاتها العسكرية كحالة اليابان مثلا.

ويستخلص أن الثروة هي أساس القوة، لكن لا يمكن أن نساوي بين الثروة والقوة.

 

أسبقية القوة البرية:

اهتم ميرشايمر بالقوة عامة، والقوة العسكرية خاصة، وإيمانه الصلد بقوة الجيوش، ومن ثم أسبقية القوة البرية؛ وذلك توضيحًا لرأيه في سجال الجيوبولتيكا الشهير حول سؤال لمن تكون الغلبة/ الأسبقية؟ القوة البرية أم البحرية؟ ومن ثم يتبلور هدف الفصل في تأييد ادعاؤه حول أن “القوة البرية هي الشكل المُهيمن للقوة العسكرية”، وأن “الدول الأقوى هي التي تمتلك جيوشًا أقوى”؛ وهو لذلك يفند أنواع القوة العسكرية المختلفة (البرية والجوية والبحرية)، ويشرح مهاماتها الرئيسية والمساندة، ويقدم نقد لتلك المهمات من خلال الأسانيد التاريخية بالشكل الذي يوصل في النهاية إلى هيمنة القوة البرية، حتى في ظل وجود سلاح نووي قلل من حروب القوى العظمى، أو مساحات مائية شاسعة عملت على الحد من القدرة على إظهار القوة البرية، أو حتى تحقيق الهيمنة العالمية.

 

حول القوى الثالثة:

لكل قوة من القوات الثلاثة نوعين من المهمات التي تنفذها؛ أما الأولى: فتتمثل في المهام الرئيسية يمكن أن تنهض بها القوة بفردها دون مساندة من أخرى وتكون سببًا مباشرًا وحاسمًا في تحقيق النصر، أما الثانية: فتُعرف بالمهام المساندة؛ وهي الوظائف التي تؤديها القوة لتكون مساعدة لقوة أخرى؛ ومن ثم يكون دورها ثانوي وغير مباشر في تحقيق النصر. وبداية يشير ميرشايمر إلي أن الآلة الرئيسية للغزو هي الجيوش (ويقصد بها القوة البرية، فهو يستخدما الجيش والقوة البرية كمترادفان)، وأن باقي القوات تعمل مساندة لها، ولا تعمل باستقلالية عنها، ولذلك فقدرة الدولة الهجومية تكمن بالدرجة الأولى في جيشها.

وتبعًا لذلك؛ فإن للقوتين: البحرية والجوية مهمتين رئيسيتين هما الحصار والقصف الاستراتيجي وفق طبيعة كل سلاح تهدف في النهاية لتحقيق السيطرة إما الجوية أو البحرية، ومن ثم النصر. وللقوة البحرية مهام مساندة (للقوة البرية) ثلاث: الهجوم البرمائي، والإنزال، ونقل القوات. وللقوات الجوية مهمام مساندة ثلاث أيضًا: المساندة الجوية عن قرب، وقطع خطوط تموين العدو، وتوفير جسر جوي لنقل القوات. وفيما يلي موجز حول هذه المهمات ونقد أهيمتها في الحرب.

 

القوة البحرية، المهام الرئيسة والمساندة ونقدهما:

للقوة البحرية مهمتان رئيستان يمكن أن تعمل عليهما بمفردهما طلبًا للنصر؛ وتحت مُسمى “الحصار” تندرج المهمة الأولى، والتي تتحق بالسيطرة على البحار؛ فتمكن مستخدمها –أولًا– من التحكم في خطوط الاتصال التي تمر عبر البحر، وثانيا: السيطرة على الأجزاء المهمة (الاستراتيجية) واستخدامها لصالحه وحرمان العدو من ذلك (المضائق والقنوات..)، ونيجة على ذلك –ثالثًا- تمكنه من قطع تجارة العدو مع العالم الخارجي (تقييد صادراته ووارداته). أما المهمة الثانية وهي: “القصف البحري” فتعني قصف مدن العدو وأهداف مختارة بالمدافع المحمولة بحرًا لحمله على الاستسلام.

أما المهام المساندة وهي: الهجوم البرمائي فيُشير إلى نقل الجيش وإنزاله في أراضي تسيطر عليها دولة مُعادية ما ينتج عنه اشتباك بين القوات، وغالبًا ما يكون هذا الأمر جنونيًا إذا كان في مواجهة أراضٍ تسيطر عليها قوة عظمى. والإنزال البرمائي: يعني إنزال القوات البرية في أراضي معادية دون مقاومة أو في منطقة خارجة عن سيطرة العدو. ونقل القوات فيُقصد به إنزال القوات على أرض دولة صديقة. ويبدو أن المهتمين الأخيريتين الأكثر واقعية واحتمال.

ولكن هذه المهمات –الرئيسية منها والمساندة- تتعرض لانتقاد قوى من قبل المؤلف؛ فيعتبر القصف البحري لا يزيد عن “وخزة دبوس”؛ فأكثر الأحيان لا تصل نيران كافية لتدمير الأهداف تدميرًا كليًا، كما أن التطورات التي حدثت في القوة البحرية خلال القرن التاسع عشر واكبتها تطورات أكبر في القوة البرية مكنتها من العثور على القوة البحرية وإغراقها.

أما الحصار –والذي هدفه إنزال عقاب بالمدنين ومن ثم سحب الدعم الشعبي من النخب الحاكمة، وإضعاف اقتصاد العدو إلى درجة لا يستطيع معها القتال- فقد فقد فاعليته لعوامل عدة –هي ذاتها ستكون سبب عدم فعالية الحصار الجوي-: أول هذه العوامل: يتصل بالإدارة البيروقراطية الحديثة التي تطورت عبر الزمن وتمتلك زمامها القوى الكبرى والتي مكنتها من رفع كفاءة إدراتها للموارد وتكييف اقتصادها بدرجات كبيرة لمواجهة الظروف المختلفة (فالقوى العظمى لم تخل من أدوات كسر الحصار)، وثانيها: أن للسكان قدرة على امتصاص غضبها وتحويله لقوة عناد (حالة اليابان والعراق)، وثالثها: أن النخب لن تترك الحرب بسهولة؛ حتى لا تترك فرصة للانتقام منها وأو محاكتها بل يزيدها الحصار إصرارًا على استكمالها.

ويتقصى ميرشايمر عددًا من الحالات التي استُخدمت فيها القوات البحرية كقوة رئيسية –في العصر الحديث- ويكشف أنها لم تؤد سوى أدورًا هامشية منذ الحروب النابليونية وحصاره للمملكة المتحدة، مرورًا بحصار الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للنمسا والمجر في الحرب العالمية الأولى، انتهاءً بحصار الولايات المتحدة لليابان خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى سبيل المثال، أكد البعض دور الحصار البحري في إخضاع اليابان، فالرد –وفق ميرشايمر- أن ثمة حدثان أهم من ذلك دفعا اليابان دفعًا للاستسلام حدثا في أوائل أغسطس 1945 هما: استخدام الولايات المتحدة السلاح النووي ضد اليابان في السادس والتاسع من أغسطس، وإنضمام الإتحاد السوفيتي للحرب ضد اليابان في الثامن من الشهر ذاتها.

 

القوة الجوية: المهام والنقد:

يؤكد أن السيطرة على الجو (التفوق الجوي) كمهة رئسية تتحق من خلال القصف أو الحصار الجوي بهدف ضرب القاعدة الصناعية للعدو، أو عزل قيادته (عن طريق استراتيجية قطع الرأس) تتشابه مع مهام القوات البحرية، ويشتركا في نفس الأهداف تقريبًا، وإن اختلفت الأسماء. أما المهمات المساندة الثلاث: المساندة الجوية عن قرب، والتي فيها تطير المروحيات فوق ساحة المعركة لتقدم مساندة تكتكية للجيوش بضرب أهداف محددة تعمل فيها القوات الجوية كمدفعية طائرة. وقطع خطوط تموين العدو، من خلال ضرب المناطق الخلفية له ووسائل مواصلاته. وأخيرًا توفير جسر جوي لنقل القوات، وهي أيضًا وإن اختلفت قليلًا في الطبيعة فهي تتفق من حيث الهدف والفاعلية، مع تلك التي تقوم به القوات البحرية كقوات مساندة.

يخلص ميرشايمر من استخدام القوات الجوية إلى:

أولًا: القصف الجوي الخالي من النووي لم يُشكل نوعًا مهمًا من القصف بعد عام 1945. كما أن حالات استخدام القوى العظمى للقوة الجوية ضد أخرى عظمى لم تكن حاسمة في نتيجة الحروب.

ثانيًا: لأنها إما تُستخدم في أواخر الحروب لتكون مهماتها سهلة، أو أنها تضرب أهدافًا غير مؤثرة في التوازن العسكري بين الأطراف، فعلى سبيل المثال يرى ميرشايمر أن القصف الجوي استُخدم في الحرب العالمية الثانية ضد أعداء كانوا في طريقهم بالفعل للهزيمة. وفي الحالات التي وجه استعمال القوة الجوية فيها للدول الصغرى؛ لم يؤد فيها إلا مهام تابعة أو ثانوية.

يُشير ميرشايمر إلى أسباب فشل القوة البحرية في تنفيذ مهماتها كأسباب لضعف فعالية القوة الجوية حيث إن اقتصادات الدول الصناعية ليست أبنية هشة يسهل تدميرها، كما أن ضعف القاعدة الصناعية للقوى الصغرى لم يجعل للقصف كاستراتيجية معنى مؤثر على هذه الدول. كما أن استراتيجة قطع الرأس قد منيت بعدم التوفيق في معظم الحالات فلم تنجح ضد القذافي في 1986، ولا صدام حسين في 1991، كما أنه ليس من المتوقع حدوث انقلابات في الحروب بسبب تغير القيادة؛ فالنزعة القومية تقوى أثناء الحرب.

 

القوى العظمى القارية في مواجهة القوي الجزيرية:

الجدل المنطقى الناتج عن جدل سؤال لمن تكون الغلبة يدفعنا للخوض في هذا الجدل، حول سؤال من هي القوة العظمى الأكثر مناعة للغزو؟ ومن ثم الأكثر قدرة على البقاء والاستمرار في بناء وإظهار قوتها العسكرية؟

يجبنا ميرشايمر على هذا السؤال من خلال وقائع التاريخ؛ بأن المنعة دائمًا ما تتحقق للقوة الجزيرية، ويعرفها على أنها: القوة التي تكون عظمى وحيدة المسيطرة على كتلة من اليابسة يحيطها المياه من كل جوانيبها (ومثالها: الولايات المتحدة، واليابان، والمملكة المتحدة)، وعلى مر التاريخ لم تتعرض الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للغزو –خلال العصر الحديث- ومن هنا يسك الكاتب مفهومه “القوة المانعة للمياه”؛ أي القدرة الهائلة للمسطحات المائية على تأمين القوى العظمى وتقييد حركة العدو عامة والجيش خاصة.

أما القوى القارية فكانت دائمة التعرض للغزو؛ لكونها قوى تسيطر على يابسة تشاركها فيها قوى أخرى كبرى (ومثالها: فرنسا وألمانيا وروسيا). وتعرضت فرنسا مثلاً لسبع غزوات عن طريق البر ولم تتعرض لأي غزو عن طريق البحر، في حين أن روسيا تعرضت لخمس هجمات، أربعة منهم كانوا عبر البر، وواحدة فقط كانت عبر البحر.

 

الأسلحة النووية وتأثيرها على توازن القوة التقليدية:

أحدثت الأسلحة النووية ثورة في مستويات الدمار المُحققة خلال فترات قصيرة. وهنا برز تيياران أو رأييان، تبلور عنهما نتيجتان: الأول يؤكد أن الأسلحة النووية قضت على التنافس الأمنى بين القوى العظمى؛ ومن ثم أصبحت القوى العظمى آمنة في ظل النووي الذي أبطل فاعلية الحرب كوسيلة من وسائل السياسية (خلافًا لمقولة كلاوزفيتز الشهيرة)، وذلك خوفًا من التصعيد. والثاني يجادل بأن الأسلحة النووية لم تخف حدة التنافس الأمنى؛ وذلك لأن افتراضات العقلانية لا تسمح باستخدام تلك الأسحة في الحروب؛ ومن ثم لم يتأثر توازن القوى التقليدي؛ لأن الدول أصبحت تتنافس حوله وكأنها في عصر ما قبل النووي.

كلا الرأيين مردودٌ عليه؛ فتوازن الرعب النووي وتوزان القوة البرية، إنما يُشكلان معًا شبكة متصلة؛ فليس ثمة ما يمنع احتمال توسع الحرب التقليدية إلى حرب نووية، كما أن الأخير لم يلغ أهمية الأول كلية؛ وليس أدل من ذلك على تسابق القوى الكبرى على القواعد والتحالفات خلال الحرب الباردة.

ويخلص إلي.. الجيوش هي المكون الأساس للقوة العسكرية، وأن المساحات المائية الواسعة، والسلاح النووي قللت من إندلاع حروب القوى العظمى.

[1]  جون ميرشايمر، مأساة سياسة القوى العظمى، ترجمة: مصطفى محمد قاسم، قسم النشر العلمي، جامعة الملك سعود، المملكة العربية السعودية، 2015، 650 ص.

 

 

لتحميل الكتاب: مأساة سياسة القوى العظمى

عن أحمد عبد الرحمن

باحث ماجستير علاقات دولية كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية جامعة الإسكندرية

شاهد أيضاً

أدوات السياسة الخارجية - التفاعلات والتداخلات

أدوات السياسة الخارجية – التفاعلات والتداخلات

جامعة الإسكندرية كلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية قسم العلوم السياسية ماجستير علاقات دولية   أدوات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *