الرئيسية / النظم السياسية / الأحزاب والجماعات / إشكالية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي
إشكالية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي
إشكالية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي

إشكالية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي

إشكالية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي

 

أ.مصطفى بلعور

أشنين مصعب

جامعة قاصدي مرباح ورقلة(الجزائر)

الملخص:

يواجه عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي أدت إلى عرقلة نشاطها وظهور موجة من الخلافات بينها وبين الحكومات التي قامت بعضها بتعليق عمل هذه المنظمات تحت مجموعة من الذرائع أبرزها الدوافع الأمنية وغياب المصداقية من خلال اتهامها بالتبعية لبعض الجهات الغربية وتنفيذ أجندتها الخفية، مما طرح جدلا بين الأكاديميين ومختلف الفاعليين السياسيين حول طبيعة الأدوار التي تقوم بها المنظمات الدولية غير الحكومية في الدول العربية

الكلمات المفتاحية: المنظمات الدولية غير الحكومية – الحراك العربي-التمويل – الأجندة الغربية –الأنظمة السياسية

Résumé :

Les organisations non gouvernementales au niveau des pays de mouvements sociopolitiques rencontrent d’énormes difficultés d’ordre politique et économique , sociale et culturelle, ces difficultés a pu interromprent les efforts de ces organisations, par l’émergence de certains conflits et désacord entre celles-ci et les régimes politiques de ces pays, et ce par le gel des activités de ces organisations sous plusieurs pretextes en titre d’’exemple les intérets de  sécurité stratégique des pays et le manque de crédibilité de ces organisations d’après l’avis de  régimes des pays arabes, et ce par l’accusation des organisations de collaborations avec l’occident, et au-delà l’application et l’exécution des agendas occultes, ce différend entre les régimes et les organisations a fait apparaitre des divergeance d’avis entre l’élite et les différents acteurs politiques sur la nature et le role que doit jouer par ces organisations non gouvernementales dans les pays arabes

Les mots clefs : Les organisations non gouvernementales internationales- Le mouvement arabe- Le fincancement- Les agendas occidentaux- Les régymes politiques arabes

Summary:

The work of international non-governmental organizations in the Arab Movement countries face a range of political, economic, social and cultural challenges, which led to the obstruction of its activities and the emergence of a wave of disputes between them and the governments that have some of them to suspend the work of these organizations under a variety of pretexts notably security motives and lack of credibility by accusing extension for some Western agencies and implement the hidden agenda, which raised controversy among academics and various political actors, about the nature of the roles played by international non-governmental organizations in the Arab countries

Keywords: International non-governmental organizations – the movement of the Arab-funding – the Western agenda – political systems.

مقدمة:

شهدت العديد من الدول العربية منذ مطلع 2011،حراكا شعبيا مطالبا بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية، ولقد أدت تلك الانتفاضات الشعبية الى اسقاط بعض الأنظمة السياسية مما أثر على مصالح الكثير من الدول في المنطقة العربية نظرا لحالة عدم الاستقرار من جهة وطبيعة العلاقة التي تربط الدول الغربية، في سياق متصل بدا واضحا الدور البارز للمنظمات الدولية غير الحكومية، في المجالات السياسية ،والاقتصادية والإنسانية، اذ اضطلعت بالدفاع عن حقوق الانسان ودعم عمليات التحول الديمقراطي، بالإضافة الى عدة أدوارفي مجالات أخرى. وفي ظل التدهور الأمني والسياسي والاقتصادي في دول الحراك العربي، ظهرت بعض التحديات والعوائق تجاه نشاط وعمل المنظمات الدولية غير الحكومية في هذه الدول مما أثر على ممارستها لوظائفها ومهامها المختلفة.

تبحث هذه المقالة العلمية، التحديات التي تواجه عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي حيث قامت بعض الحكومات العربية بتعليق عمل هذه المنظمات نظرا لاعتبارات أمنية وسياسية مما انعكس سلبا على عملها، ومن هنا يمكن طرح الإشكالية التالية:

الى أي مدى أدى الحراك السياسي والاجتماعي العربي الى توسيع أو تضييق نشاط المنظمات الدولية غير الحكومية؟

وتندرج تحت هذه الإشكالية مجموعة من الأسئلة الفرعية:

– ماهي أبرز المجالات التي تنشط فيها المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي؟

– ماهي أبرز التحديات التي تواجه عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي؟

– ماهي أهداف عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي؟

تبرز أهمية دراسة تأثير الحراك السياسي والاجتماعي العربي على عمل المنظمات الدولية غير الحكومية ،في التعرف على نشاط تلك المنظمات من جهة و الأسباب المؤدية الى عرقلة بعض الحكومات العربية نشاطها من جهة ثانية، كما تبرز أهمية الدراسة في كشف الأهداف الخفية والأهداف المعلنة التي تسعى إليها المنظمات الدولية غير الحكومية، ونحاول في هذه المقالة  البحث في طبيعة عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي بصفة خاصة والدول العربية بصفة عامة، في ظل قلة الدراسات العربية الأكاديمية التي تناولت إشكالية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في الدول العربية.

منهجية الدراسة:

اعتمدت الدراسة على المنهج الوصفي من خلال الوقوف على طبيعة الأدوار التي تقوم بها المنظمات الدولية غير الحكومية، كما تم الاستعانة بالمنهج النظمي في تحليل ظاهرة الحراك العربي التي بدأت بمدخلات متمثلة في مطالب اقتصادية واجتماعية وسياسية و تحول الى مخرجات في شكل حروب أهلية وعدم استقرار سياسي وأمني في بعض الدول والى تحول ديمقراطي كما هو الشأن بالنسبة للحالة التونسية.

للإجابة على الإشكالية سنركز في هذه المقالة العلمية على النقاط التالية:

أولا: مفهوم المنظمات الدولية غير الحكومية.

ثانيا: دوافع الحراك العربي.

ثالثا: أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي.

رابعا:تحديات المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي.

خامسا:جدلية أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي.

أولا: مفهوم المنظمات الدولية غير الحكومية

تعود الجذور التاريخية للمنظمات الدولية غير الحكومية الى القرن التاسع عشر وتحديدا بعد مؤتمر فيينا سنة 1815، الذي مهد لظهور الكثير من هذه المنظمات1، حيث أعقبه ظهور مجموعة من المنظمات الدولية غير الحكومية كاللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تأسست سنة 1863 ومعهد القانون الدولي الذي تأسس سنة1873،وقد بلغ عدد المنظمات الدولية غير الحكومية سنة 1854،حوالي ستة منظمات ليرتفع بعدها عدد المنظمات الدولية غير الحكومية سنة 1945 الى أكثر من ألف منظمة2.

لعبت الظروف السياسية والاقتصادية الدولية دورا هاما في نمو وتطور المنظمات الدولية غير الحكومية وتزايد أعدادها، ولعل أبرز تلك العوامل هو حالات العنف التي شهدتها ولازالت تشهدها الكثير من دول العالم مما يتطلب انشاء كيانات تتولى الدفاع عن الشعوب المضطهدة خاصة في فترة الحروب، كما لعبت مجموعة التمويلات التي تحصلت عليها بعض المنظمات الدولية غير الحكومية دورا مهما في تشجيع انشاء المزيد من هذه المنظمات3،وفي هذا الصدد يعتبر كل من ” ميشال ادوارد (MICHEAL EDWARD)و”دافيد هولم”(DAVID HULME) أن صعود المنظمات الدولية غير الحكومية لم يكن مجرد استجابة للمبادرات المحلية والأعمال التطوعية بل هو نتاج للتطورات الأخيرة التي شهدها الفكر السياسي والاقتصادي خصوصا مع نهاية الحرب الباردة”4.

تتعدد تعريفات المنظمات الدولية غير الحكومية وتختلف من باحث لآخر ومن منظمة لأخرى.

$1-           عرفتها منظمة الأمم المتحدة بأنها”:” تنظيمات أو جمعيات خاصة ينشئها الأفراد بمبادرة خاصة منهم وبعيدا عن تأثير الحكومة، وتنشأ عادة كاستجابة تلقائية للشعور بالحاجة إلى تنظيم الصفوف من أجل ممارسة نشاط ما”5– يعرفها البنك الدولي بأنها:” هيئات خيرية عالمية تضطلع بجمع التبرعات من مجموعة متنوعة من المصادر، شاملة عموم الجمهور بهدف مساندة مشروعات في بلدان العالم النامية…” 6– يعرفها الباحث “مارسال ميرل” بأنها” كل تجمع أو رابطة أو حركة مشكلة على نحو قابل للاستمرار من جانب أشخاص ينتمون إلى دول مختلفة وذلك بغرض تحقيق أغراض ليس من بينها تحقيق الربح”7.

استنادا للتعريفات السابقة يمكن تعريف المنظمات الدولية غير الحكومية اجرائيا وهو التعريف الذي تتبناه هذه الدراسة، فالمنظمات الدولية غير الحكومية هي هيئات ومراكز ومؤسسات وجمعيات تطوعية اعتبارية دائمة ذات طابع دولي ومستقلة عن الحكومة يقوم بإنشائها مجموعة من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين من غير الحكومات والدول، من خلال مبادرة فردية حيث تتمتع بالشخصية القانونية وتسعى لتحقيق هدف عام.

من خلال التعاريف السابقة يمكن استنتاج مجموعة من الخصائص للمنظمات الدولية غير الحكومية أبرزها:

– التطوعية: فالمنظمات الدولية غير الحكومية لا تسعى للربح كما هو الحال بالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، فجل نشاط تلك المنظمات خيري تعاوني، وتطرح هذه الخاصية عدة إشكالات، حيث يرى بعض الباحثين أن هذه الخاصية ذات معنى نسبي، وما يبرر ذلك -في نظرهم-هو الأرباح الكبيرة التي حققتها بعض المنظمات، في حين يرى باحثون آخرون أن هذه الأرباح لا توزع على مجلس ادارتها أو أعضائها وإنما تستثمر فيما يحقق أهدافها ويدعم نشاطها9.

– غير حكومية: تشير هذه الخاصية الى استقلال المنظمات الدولية غير الحكومية عن الدولة من حيث التأسيس، فلا توجد علاقة هيكلية مؤسسية تربطها بالدولة، كما تشير هذه الخاصية بأن المنظمات الدولية غير الحكومية لا تتلقى الأوامر من الحكومة وانما تمارس نشاطاتها بشكل مستقل عن الأنشطة الحكومية10.

–  غير سياسية: بمعنى أن المنظمات الدولية غير الحكومية لا تنتمي الى أي اتجاه سياسي ولا تنخرط في أي نشاط سياسي حزبي ولا تؤيد حملات ترشيح سياسية11، وهنا تكون المنظمات الدولية غير الحكومية محايدة في تقديم رؤيتها للعديد من الخلافات السياسية دون تأييد أي طرف سياسي على آخر، ولعل هذا ما جعلها أحد الأطراف الدولية لمراقبة الانتخابات حول العالم استنادا لحياديتها.

–  الديمومة: المنظمات الدولية غير الحكومية وفقا لهذه الخاصية ليست وليدة قضية معينة في مرحلة محددة بل تتميز بالاستمرارية في عملها، فعلى سبيل المثال لا يمكن اعتبار جماعة غير رسمية نشأت لظروف طارئة او مؤقتة، منظمة دولية غير حكومية وفقا لهذه الخاصية بغض النظر عما تقدمه هذه الجماعة من مساهمات12.

– الدولية: ترتبط هذه الخاصية بطبيعة الأشخاص الناشطين داخل هذه المنظمات حيث ينتمي هؤلاء الأشخاص الى عدة دول مختلفة، كما ترتبط هذه الخاصية بطبيعة النشاط الذي تمارسه المنظمات الدولية غير الحكومية والذي يتعدى حدود الدولة الواحدة.

تضطلع المنظمات الدولية غير الحكومية بعدة أدوار وفي مجالات عديدة، حيث قدمت العديد من المساعدات الفنية والاستشارية الى الكثير من الدول والمنظمات الدولية ،ففي مجال الدفاع عن حقوق الانسان ساهمت المنظمات الدولية غير الحكومية وتحديدا منظمة العفو الدولية في صياغة بنود اتفاقية الغاء التعذيب من خلال ارسال مجموعة من خبرائها للمشاركة في صياغة هذه الاتفاقية13،كما ساهمت المنظمات الدولية غير الحكومية في الدفاع عن حماية البيئة من خلال تنظيم الحملات التحسيسية والضغط على الدول التي تمارس نشاطات مهددة للبيئة ،كما تشارك المنظمات الدولية غير الحكومية في العديد من المؤتمرات العالمية المتعلقة بحماية البيئة حيث تعتبر أحد أبرز الأطراف المؤثرة في قرارات وتوصيات هذه المؤتمرات والمنتديات العالمية، وبالتالي فقد شملت أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية -بالإضافة الى الأدوار الإنسانية والبيئية – عدة جوانب سياسية ،اجتماعية ،اقتصادية وثقافية مختلفة وهو ان دل على شيء فإنما يدل على التزايد الكبير لأهمية المنظمات الدولية غير الحكومية في ظل تراجع سيادة الدول وعجزها عن تلبية احتياجات مجتمعاتها السياسية والمدنية.

ثانيا: دوافع الحراك العربي:

منذ مطلع 2011 انطلقت موجة من الانتفاضات الشعبية في عدد من الدول العربية مطالبة بالديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وعلى الرغم من التشابه الكبير بينها من حيث الأهداف الا أن مخرجاتها اختلفت وتباينت، ففي الوقت الذي أسقطت فيه بعض الأنظمة السياسية -كما حدث في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن-لم يسقط النظام السياسي في سوريا، مما يطرح العديد من التساؤلات حول طبيعة هذه الحراكات وانعكاساتها على مختلف الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية في الدول العربية.

سبق انطلاق الحراك العربي مجموعة من الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أبرزها احتكار السلطة والثروة وانتشار البطالة والفقر وغيرهما من الأسباب، فبالنسبة للدافع الاقتصادي والاجتماعي أدت الأوضاع الاقتصادية المتردية في دول الحراك العربي، بفعل انتشار الفساد المالي والإداري من جهة وغياب سياسة اقتصادية قائمة على التوزيع العادل للموارد من جهة ثانية، الى وجود اختلالات هيكلية في كافة القطاعات الاقتصادية بالإضافة الى تراكم الديون والزيادة المفرطة في عجز الموازنات وانتشار البطالة بين أوساط الشباب14. لعل مازاد الأمور تعقيدا تنامي شعور لدى المواطنين بأن هناك فئات قليلة من الأثرياء وأصحاب النفوذ السياسي استحوذت على أغلب المقدرات الاقتصادية لدولهم15، مقابل انتشار الفقر والحرمان بين مختلف الطبقات الاجتماعية الدنيا داخل هذه الدول وفق ما يعرف بغياب العدالة الاجتماعية، وهو ما أدى الى انفجار الأوضاع المتردية في شكل احتجاجات ومظاهرات بدأت بمطالب تدريجية متمثلة في اجراء إصلاحات سياسية واقتصادية ومحاسبة الفاسدين وانتهاءا بالمطالبة بإسقاط الأنظمة السياسية.

بالنسبة للدافع السياسي لعبت العوامل السياسية دورا كبيرا في اندلاع الحراك العربي، فقد أدت سياسات الأنظمة التسلطية في الدول العربية الى احتكار السلطة و تهميش الكثير من أطياف المجتمع و تزوير العمليات الانتخابية، حتى تتمكن تلك الفئات الحاكمة من الفوز بعهدات انتخابية متكررة، كما شهدت دول الحراك العربي قمعا للحريات الإعلامية والشخصية عن طريق اغلاق القنوات الإعلامية الخاصة أو عدم الموافقة على انشائها، بالإضافة الى اعتقال الصحفيين أو المواطنين حال تعبيرهم عن استيائهم من السياسات الحكومية، وبالتالي فإن تسلّط الأنظمة السياسية في دول الحراك العربي وما انجر عنه من انعدام مظاهر التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة وحرية التعبير والاعلام كان سببا وجيها لانطلاق موجة الحراكات في هذه الدول16.

لعبت العوامل والدوافع الخارجية –بالإضافة الى الدوافع الاقتصادية والسياسية-دورا في اندلاع موجة الاحتجاجات التي شهدتها بعض دول المنطقة العربية، حيث تأثرت الكثير من شعوب الدول العربية بالسياسات التي انتهجتها بعض الدول الكبرى والمنظمات الدولية، خاصة السياسات الاقتصادية، فقد شهدت الكثير من الدول منذ سنة 2008 أزمة مالية عالمية بسبب عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في العديد من الدول النامية والذي أدى إلى هروب رؤوس الأموال من الدول النامية الى الدول المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية17

انعكست الأزمة المالية العالمية على اقتصاديات الدول العربية مما أدى إلى ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض المرتبات والأجور وانخفاض التحويلات المالية للدول العربية18،كما أدت الأزمة الى ارتفاع تدريجي لأسعار السلع والخدمات في بعض الدول العربية على مدار سنتي 2009-2010،وهو ماساهم في اندلاع الانتفاضات الشعبية، ويرجع بعض المحللين الاقتصاديين تأثر الاقتصاديات العربية بالأزمة المالية العالمية الى عدة أسباب أبرزها –حسب رأيهم- التبعية الاقتصادية الى الدول ذات الاقتصاديات الكبرى، ولذلك نجد أنه من المنطقي أن تتأثر اقتصاديات البلدان العربية باقتصاديات الدول الكبرى التي عصفت بها الأزمة.

ساهمت السياسة الأمريكية التي انتهجتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا- منذ أحداث الحادي عشرة من سبتمبر 2001 19– في توجيه الرأي العام العربي نحو الديمقراطية  والذي أتت نتائجها باندلاع الانتفاضات الشعبية في أكثر من قطر عربي ، حيث أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية مجموعة من المبادرات الموجهة الى دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا، حول الديمقراطية والإصلاح السياسي وتنص هذه المبادرات على مجموعة من البنود كمساعدة اللجان المستقلة للانتخابات، تعزيز قدرات البرلمانات الوطنية، ودعم مشاركة المرأة في مختلف المحالس و اللجان السياسية والاقتصادية، بالإضافة الى تشجيع حرية الرأي والتعبير و الاعلام و دعم الحكم الرشيد ومكافحة الفساد20.ساهمت المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية في كشف الفساد و التجاوزات من خلال التقارير التي رصدتها خاصة التقارير المتعلقة بالفساد السياسي والإداري وانتهاكات حقوق الانسان، والتي أظهرت للشعوب الكثير من انتهاكات الأنظمة السياسية العربية والغربية للحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الشعوب، وبالتالي كان لتلك المنظمات دور في نشر الوعي والحقيقة بين المواطنين.

يذهب فريق من الباحثين في تفسيرهم لاندلاع الانتفاضات الشعبية في الدول العربية الى ما اصطلح عليه بالعدوى والانتشار أو كرة الثلج، حيث امتدت وانتشرت موجة الاحتجاجات من تونس لتشمل البلدان الأخرى، فقد عزز الحراك التونسي الثقة في شعوب دول الحراك الأخرى خصوصا بعد اسقاط نظام “زين العابدين بن علي” الذي عزز من إمكانية اسقاط الأنظمة السياسية في الدول العربية الاخرى، كما يذهب البعض الآخر من الباحثين في تفسيرهم لدوافع الحراكات العربية الى الاعتماد على نظرية المؤامرة باعتبار أن المصالح الاستراتيجية للدول الكبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا، دفعت بهذه الدول الى إشعال المنطقة وإغراقها في مستنقع العنف تحت شعار الديمقراطية وحقوق الانسان، ومن وجهة نظرنا فقد تظافرت عدة عوامل مؤدية إلى ذلك الحراك العربي،سياسية كقمع العامة واقتصادية كتردي الأوضاع المعيشية للمواطنين وعجز الأنظمة السياسية العربية عن تحقيق التنمية والديمقراطية.

ثالثا: أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي.

تضطلع المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي بعدة أدوار مختلفة تحدد اختصاصاتها و أهدافها ، فهناك الأدوار السياسية والأدوار الاقتصادية والأدوار الاجتماعية، بالإضافة الى الأدوار الإنسانية والثقافية، ونظرا لتعدد أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية سنتطرق الى أبرز الأدوار معتمدين في ذلك على معيار درجة العلاقة والتأثير في الدول محل الدراسة.

شهدت أغلب دول الحراك العربي ظهورا لافتا لأدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في المجال السياسي من خلال مختلف النشاطات التي تقوم بها تجاه عدد من الفواعل السياسية في هذه الدول كتدريب الأحزاب السياسية والبرلمانيين على إدارة الحملات الانتخابية ومختلف الإجراءات البرلمانية، ففي اليمن على سبيل المثال عمل المعهد الوطني الديمقراطي21 على تطوير قدرات الأحزاب السياسية اليمنية لتعزيز قدرتها على التواصل والمشاركة في العملية السياسية، كما يقوم المعهد بتنظيم عدة لقاءات حزبية بين قيادات الأحزاب ومجموعات من الشباب بهدف وضع برامج تطرح القضايا التي تشغل المجتمع اليمني22، كما تساعد المنظمات الدولية غير الحكومية الحكومات في إدارة ومراقبة العمليات الانتخابية، ففي تونس قام مركز “كارتر” الأمريكي بمراقبة الكثير من الجولات الانتخابية خاصة بعد االتحولات التي شهدتاه تونس منذ 2011 والذي تم بموجبه اسقاط النظام السياسي للرئيس “زين العابدين بن علي”، ويصدر المركز عدة تقارير متعلقة بسير العمليات الانتخابية تشمل مجموعة من المجالات كتسجيل الناخبين، تقديم الترشحات23.

أما فيما يتعلق بالأدوار الإنسانية للمنظمات الدولية غير الحكومية تزايد نشاط هذه المنظمات في دول الحراك العربي، حيث رصدت تلك المنظمات عدة انتهاكات لحقوق الانسان كارتكاب المجازر وحالات الاختفاء القسري بالإضافة إلى سجناء الرأي وغيرها من الانتهاكات، ومع مطلع 2011 رصدت المنظمات الدولية غير الحكومية الكثير من الانتهاكات السابقة لحقوق الانسان فأصدرت بذلك العديد من التقارير، فعلى سبيل المثال رصدت منظمة العفو الدولية في أحد تقاريرها لسنة 2012 ،انتهاكات حقوق الانسان في سوريا -خصوصا من قبل النظام السوري- حسب تقرير المنظمة، و تعددت مظاهر الانتهاكات بدءا من قمع للمتظاهرين السلميين واستخدام القوة المفرطة المميتة، كما تضمن التقرير الانتهاكات المتعلقة بالسجناء والمعتقلين داخل السجون النظامية كالتعذيب القاسي بالإضافة الى عدة انتهاكات أخرى عددها هذا التقرير24،  كما أوفدت المنظمات الدولية غير الحكومية مجموعة من بعثاتها الى دول الحراك العربي لرصد حالة حقوق الإنسان فيها،حيث تعتمد استراتيجية المنظمات الدولية غير الحكومية على الضغط على الأطراف المنتهكة لحقوق الانسان من خلال إصدار التقارير والإعلام بشأن تلك الانتهاكات من أجل تحريك الرأي العام الدولي، وتجدر الإشارة أن الأدوار السياسية والإنسانية للمنظمات الدولية غير الحكومية غالبا ما شكلت وما زالت تشكل مصدر قلق للكثير من الأطراف السياسية -وعلى رأسها الأنظمة السياسية-في الدول العربية بصفة عامة ودول الحراك بصفة خاصة

تؤدي المنظمات الدولية غير الحكومية أدوار اقتصادية، اجتماعية والثقافية كتوفير فرص الشغل للشباب من خلال إدماجهم في مكاتب هذه المنظمات وتمويل المشاريع الاجتماعية والتكفل بذوي الاحتياجات الخاصة.

رابعا: تحديات المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي

تصطدم أدوار وأنشطة المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي بمجموعة من التحديات المختلفة والمرتبطة بطبيعة العلاقة بينها وبين الأنظمة السياسية ، وطبيعة الخصوصيات الثقافية والدينية والأيديولوجية ، وعدم الاستقرار السياسي والأمني ،فقد قامت بعض الأنظمة السياسية العربية بعرقلة عمل المنظمات الدولية غير الحكومية عن طريق مجموعة من الإجراءات والسياسات كاعتقال ناشطيها ومحاكمتهم واغلاق مكاتبها وفرض القيود القانونية التي تحد من نشاطاتها ،ففي مصر وبعد الحراك الذي شهدته مختلف المدن والمحافظات المصرية منذ 25 جانفي 2011، قامت مختلف الحكومات المتعاقبة بإصدار قرارات تم بموجبها إغلاق بعض مكاتب المنظمات الدولية غير الحكومية ومصادرة محتوياتها بالإضافة الى اعتقال الناشطين ،مما أدى ببعض المنظمات الدولية غير الحكومية الى اغلاق مكاتبها وإلغاء بعثاتها، كما حدث مع مركز كارتر بمصر الذي رأى في تعامل الشرطة المصرية مع مكاتب وناشطي المنظمات الحقوقية، بمثابة تقييد للحريات الديمقراطية وبرر المركز اغلاق مكتبه بأن “البيئة السياسية مستقطبة استقطابا حادا وأن الفضاء السياسي قد ضاق بالنسبة للأحزاب السياسية المصرية والمجتمع المدني والاعلام25،وفي خضم تعكر العلاقات بين المنظمات الدولية غير الحكومية والحكومة المصرية، برزت على الساحة السياسية المصرية قضية التمويل الأجنبي التي أثارتها المستشارة “فايزة أبو النجا”26، في ديسمبر 2011،وتعتبر قضية التمويل الأجنبي أحد أكثر القضايا الخلافية بين السلطة و منظمات المجتمع المدني الأجنبية والمحلية27،حيث ترى الحكومة المصرية ان منظمات المجتمع المدني المحلية تتلقى تمويلا أجنبيا مشبوها من حكومات أجنبية و منظمات دولية غير حكومية، حيث تم  اتهام 17 منظمة غير حكومية منها منظمات دولية غير حكومية أمريكية كالمعهد الجمهوري الدولي وفريدوم هاوس…الخ ،كما تم اعتقال اكثر من 42 عامل في هذه المنظمات بينهم 19 عامل أمريكي بالإضافة الى عمال مصريين وأجانب من جنسيات أخرى28.

في سوريا تعاني المنظمات الدولية غير الحكومية –خاصة الإنسانية منها-من غياب الأمن والسلامة الشخصية للموظفين والناشطين لديها حيث يتهدد هؤلاء الموظفين القتل في ظل الاشتباكات والمعارك التي تخوضها عدة أطراف على مختلف الجبهات والتي تستخدم فيها الأسلحة الثقيلة مما يشكل صعوبة أمام المنظمات الدولية غير الحكومية الإنسانية أثناء تقديمها للمساعدات الإنسانية للنازحين والمحاصرين، حيث شهدت الأزمة السورية مقتل عدد من الموظفين الدوليين الاغاثيين، كما حدث مع أحد موظفي الإغاثة البريطانيين والذي أعدمه “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام”، والموظف المحلي الناشط في مجال الإغاثة الإنسانية والتابع للهلال الأحمر العربي السوري، وقد وثقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مجموعة من أشكال الانتهاكات التي يتعرض لها موظفوا العمل الانساني في ليبيا واليمن والبحرين، أبرزها استهداف سيارات الإسعاف التابعة للهلال الأحمر واعتقال الناشطين بتهمة الانتماء لفصيل معين.

تعتبر الخصوصيات الثقافية والدينية والأيديولوجية أحد المؤثرات التي تقوض نشاط وعمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي خاصة على مستوى النخب ذات التوجهات الماركسية والقومية والاسلامية، حيث وجهت هذه النخب نقدا حادا للمنظمات الدولية غير الحكومية29، وفي هذا الصدد يرجع الدكتور “يسري مصطفى” نظرة النخب السلبية تجاه المنظمات الدولية غير الحكومية الى الأسباب السياسية والقيمية التي يختلط فيها العداء الايدلوجي والقيمي للغرب30، كما يرتبط تحدي الخصوصيات الثقافية والدينية بالنسبة للمنظمات الدولية غير الحكومية، برفض المجتمعات المحافظة لمجالات نشاط هذه المنظمات خاصة مجال التحول الديمقراطي وحقوق الانسان، فبالعودة الى تلك المجتمعات نجدها ترفض بعض نشاطات المنظمات الدولية غير الحكومية نظرا لتناقضها مع بعض القيم الثقافية و الإسلامية ،كمساواة المرأة بالرجل في المناصب القيادية، تحت غطاء الديمقراطية وحقوق الإنسان مما أدى بالكثير من هذه المجتمعات الى مقاطعة نشاط هذه المنظمات، الأمر الذي أدى الى عرقلته في هذه الدول.

تأسيسا على ما سبق فإن التحديات التي تواجه عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي تختلف وتتشابه من دولة الى أخرى حيث تعتبر طبيعة الحراك المحدد الأساسي لأنواع هذه التحديات، فالاعتقالات واغلاق المكاتب التابعة للمنظمات الدولية غير الحكومية، غالبا ما تكون في دول الحراك السلمي غير المسلح، بينما أعمال القتل التي تطال الناشطين غالبا ما تشهدها الدول التي انزلق فيها الصراع نحو العنف المسلح كسوريا وليبيا واليمن.

رابعا: جدلية أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي

طرحت أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي عدة قضايا وتساؤلات بشأن مصداقية وحيادية هذه المنظمات، حيث اختلفت رؤية الباحثين ومختلف الفاعلين في الحياة السياسية لهذه الأدوار-خاصة الأدوار السياسية والإنسانية-فهناك اتجاه مؤيد  لنشاط المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي يقوم بتثمين الدور الذي تقوم به المنظمات الدولية غير الحكومية في هذه الدول ، حيث تقوم هذه المنظمات بدور كبير في الكشف مختلف الانتهاكات داخل هذه الدول، بالإضافة الى مساعدة الشعوب في عدة نواحي ومجالات، خاصة تلك التي غفلت عنها الحكومات أو لم تستطع الإيفاء بها، ويذكر ان المنظمات الدولية غير الحكومية -وكما أشرنا سابقا-تضطلع بعدة أدوار في مجال التنمية السياسية وغيرها.

في سياق مختلف هناك موقف معارض لنشاط المنظمات الدولية غير الحكومية في الدول محل الدراسة والذي تطغى عليه النظرة السلبية تجاه هذه المنظمات، حيث يميل هذا الطرح الى اعتبار المنظمات الدولية غير الحكومية أحد أدوات الهيمنة التي تستخدمها الدول الكبرى -وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية- في اختراق الخصوصيات السياسية والثقافية والدينية في الدول النامية ومنها الدول العربية والإسلامية ، عن طريق جمع المعلومات(الوظيفة الاستخباراتيية) وتغريب المجتمع ،واستقطاب النخب ،وفي هذا الشأن ،يرى الباحث “صلاح الزرو” أن المنظمات الدولية غير الحكومية هي” أحد الأدوات الأساسية  للصراع الحضاري والسياسي التي يتم من خلالها  انتهاك السيادة الوطنية وتهديد النسيج الاجتماعي وتماسكه”31، يستدل الكثير من الباحثين في تبرير النظرة السلبية لنشاط المنظمات الدولية غير الحكومية بعدة أمثلة أبرزها مسألة التمويل حيث تتلقى أغلب المنظمات الدولية غير الحكومية تمويلها من الحكومات الغربية والمؤسسات التابعة لها مقابل الالتزام بشروط الحكومات والمؤسسات المانحة والتي تتعارض مع مصالح الكثير من الدول النامية وتتوافق مع السياسة الخارجية لتلك الحكومات، مما يضع المنظمات الدولية غير الحكومية بين تبعية التمويل للدول الغربية واستقلالية تقاريرها، و بالإضافة الى عنصر التمويل الذي يستدل به على تبعية المنظمات الدولية غير الحكومية الى الحكومات الغربية، يوجد عنصر التداخل والتنسيق بين أدوار كل من هذه المنظمات وهذه الحكومات، كما توجد العديد من الشواهد التي تثبت ارتباط بعض المنظمات الدولية غير الحكومية بالسياسة الخارجية للدول الكبرى، وأكبر مثال على ذلك تصريح مجلس الشيوخ الأمريكي في ديسمبر 2006  على أنه يوافق على استخدام المنظمات الدولية غير الحكومية في تحقيق السياسة الأمريكية مبررا ذلك بأنه يصعب في بعض الأحيان ممارسة السياسة الأمريكية مباشرة من قبل الحكومة32.

أدى التناقض الصارخ في نشاط المنظمات الدولية غير الحكومية وتحريكها للقضايا الإنسانية الى فقدان مصداقية هذه المنظمات لدى الكثير من شعوب العالم الثالث، بسبب تحيزها لبعض الدول الكبرى حيث أدى اختلاف تعامل بعض المنظمات الدولية غير الحكومية-خصوصا المنظمات الكبرى- من دولة الى أخرى وازدواجية المعايير في عملها، الى الاضرار بمصداقية هذه المنظمات وهو ما رسم صورة سلبية في أذهان الشعوب والأنظمة السياسية العربية الأخرى، ففي البحرين شهدت السنوات التي أعقبت 2011 تدهورا في العلاقة بين بعض المنظمات الدولية غير الحكومية والحكومة البحرينية، فلقد أثار هذه الأخيرة تقرير منظمة العفو الدولية حول حالة حقوق الإنسان في البحرين والذي حمل عنوان “ما وراء العبارات الجوفاء: انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين مستمرة بلا هوادة” حيث رأت بعض الأطراف البحرينية أن التقرير “كان حادا في لغته وبشكل غير معهود وبأنه غير محايد ويفتقر الى الدقة كما أنه لا يعكس الجهود الرسمية الحقوقية”33وفي نفس السياق اعتبر وزير الخارجية البحريني (أحمد بن محمد آل خليفة) أن بعض المنظمات الدولية غير الحكومية العاملة في البحرين تنتهج منهجا سلبيا يؤثر على مصداقيتها وانحياز تقاريرها لخدمة أطراف أجنبية، كما اعتبر ان بعضا من هذه المنظمات تحولت الى أداة تستخدمها جهات أجنبية لإثارة الفتن وتمزيق اللحمة الوطنية واختراق الوطن34.

استنادا إلى ما سبق فإن الجدل القائم بين الباحثين والفاعليين السياسيين حول مصداقية عمل المنظمات الدولية غير الحكومية يرجع الى العوامل الشخصية كطبيعة التوجهات الدينية والقومية من جهة وعامل المصلحة بمختلف مجالاتها من جهة أخرى، ولكن على الرغم من هذا الاختلاف الحاصل حول حيادية ومصداقية المنظمات الدولية غير الحكومية فإن هذه المنظمات تبقى أحد الإفرازات التي جاءت بها العولمة والتي جعلت الكثير من دول العالم النامي أسيرة للثقافات الغربية، وبالتالي فإنه من الطبيعي أن تتناقض بعض نشاطات ومطالب المنظمات الدولية غير الحكومية مع الخصوصيات الثقافية والدينية وحتى السياسية في بعض الأحيان ولكن هذا لا يمنع من وجود بعض الدوافع المختلَقة من قبل الباحثين والفاعلين السياسيين في تأييدهم أو معارضتهم لنشاط المنظمات الدولية غير الحكومية، والتي يحددها كل من عاملي المصلحة بالنسبة للفاعليين السياسيين والتوجهات الفكرية والثقافية بالنسبة للباحثين.

الخاتمـة :

تواجه المنظمات الدولية غير الحكومية مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والثقافية، أثناء عملها في العديد من الدول العربية، ومرد ذلك الى طبيعة الأنظمة السياسية من جهة وطبيعة الخصوصيات الثقافية للمجتمعات العربية من جهة أخرى، و قد شملت أدوار المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي مختلف المجالات السياسية، الاقتصادية ،الاجتماعية، كما طرحت أهداف هذه المنظمات خلافا بين مختلف الباحثين والفاعليين السياسيين حول مصداقية عملها، و ترتبط هذه التحديات بشبكة معقدة من المؤثرات الداخلية والخارجية، والمصالح الاقتصادية و الجيوستراتيجية في ظل غياب عدالة دولية، وهذا ما أدى الى اختلاف الرؤى حول هذه التحديات. تبرر بعض الاتجاهات تبرر توجهات الأنظمة السياسية للتضييق على عمل المنظمات الدولية غير الحكومية ،حيث ترى أن هذه الأخيرة ما هي الا أداة استراتيجية في يد الدول الكبرى لاختراق بعض الأنظمة السياسية ،في حين ترى اتجاهات أخرى أن المنظمات الدولية غير الحكومية هي أحد الفواعل الأساسية على الساحة الدولية، نظرا لما تقوم به من أدوار تنموية وانسانية، وبالتالي فان تقييم التحديات التي تواجه المنظمات الدولية غير الحكومية يجب أن ينطلق من معايير موضوعية، مستقلة، خصوصا وأن الكثير من التقييمات لهذه التحديات تنطلق من توجهات سياسية وثقافية معينة، فلا يمكن وضع جميع المنظمات الدولية غير الحكومية تحت حكم واحد وتتهم بالتحيز وخدمة الأجندة الغربية، وإغفال بعض الأدوار الإيجابية كتقديم المساعدات الإنسانية والتي عجزت الحكومات عن توفيرها، ومن هذا المنطلق فإنه من الضروري معالجة قضايا وإشكاليات عمل المنظمات الدولية غير الحكومية في دول الحراك العربي بالية تقوم على مساءلة  ومحاسبة قائمة على أساس موضوعي هدفه المصلحة العامة لتلك الشعوب.

الهوامش :

$11)        – ابراهيم السعدي، وسام نعمت، تطور وظائف المنظمات الدولية غير الحكومية وأثره في واقع المجتمع الدولي المعاصر: دراسة تأصيلية تحليلية مستقبلية. الطبعة الأولى، الإسكندرية: دار الفكر الجامعي، 2014، ص36.

$12)     Thomas Richad Davies،Transnational civil society: the evolution of international non-governmental organizations since 1839,working papers on transnational politics, London: Centre for international politics, ,2008,p 04.

$13)        – إبراهيم حسن ، معمر، دور المنظمات الدولية غير الحكومية في حماية حقوق الإنسان : حالة تطبيقية على المنظمة العربية لحقوق الإنسان  القاهرة : جامعة القاهرة، قسم العلوم السياسية، 2010-2011، ص 16.

$14)      Michael EdwardsDavid Hulme,Non-governmental Organisations: Performance and Accountability Beyond the Magic Bullet . Britain: Earihscan Publications,1995,p 13.

$15)        –  عمر، سعد الله، المنظمات الدولية غير الحكومية في القانون الدولي بين النظرية والتطور. الطبعة الأولى، الجزائر: دار هومة ، 2009، ص17.

$16)        – المنظمات غير الحكومية الدولية :  http://web.worldbank.org/WBSITE ، 10/09/2014

$17)        – معمر، إبراهيم حسن ، مرجع سابق، ص 17.

$18)                 – أماني، قنديل ، «المنظمات الدولية غير الحكومية متعددة الجنسية تفاعلات فاعل دولي جديد وآثاره المنعكسة على العالم العربي»  (في كتاب سمعان بطرس، فرج الله وآخرون ، موقع النظام العربي من النظام العالمي في القرن الواحد والعشرين) . الطبعة الأولى، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية ، 2000 ص72.

$19)        – سعد الله، عمر، مرجع سابق، ص24.

$110)    – قنديل، أماني، مرجع سابق، ص72.

$111)    – سعد الله، عمر، مرجع سابق، ص28.

$112)    Kerstin ,Martens, » mission impossible ?Defining Nongovernmental Organizations«. Voluntas, N:03, September 2002,p 02.

$113)    -عبد اللطيف، أحمد حلمي، «اقتصاديات دول الربيع العربي …الواقع والافاق»  من الموقع:

http://arb.majalla.com/2012/12/article55241203  ,02/03/2016.

$114)    -نفس المرجع،

$115)    -ماجد، أحمد الزاملي «ثورات الربيع العربي: الأسباب و النتائج »  . الحوار المتمدن، العدد(4105)،27/05/2013، ص01.

$116)    -محمد السعيد، محيي، المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العالم العربي (ثورات الربيع العربي). الطبعة الأولى، الإسكندرية: المكتب الجامعي الحديث،2013، ص242.

$117)    -فتيحة، فرطاس وصورية، صدقاوي، «   تداعيات الأزمة المالية العالمية على العمالة في الوطن العربي ». (الملتقى الدوليحول: استراتيجية الحكومة في القضاء على البطالة و تحقيق التنمية المستدامة) ،كلية العلوم الاقتصادية والتجارية، جامعة المسيلة، نوفمبر 2011.

$118)    – تعتبر أحداث11 سبتمبر 2001 أحد محطات التحول في السياسة الخارجية الأمريكية ، حيث أعطت الضوء الأخضر للولايات المتحدة بالتدخل المباشر في شؤون الدول العربية والإسلامية تحت مبرر القضاء على (الإسلام المتطرف) الذي تعتقد أن مصدره الشرق الأوسط ،كما تعتقد الولايات المتحدة الأمريكية أن نشر الديمقراطية في دول منطقة الشرق الأوسط سيخفف من خطر الجماعات (المتطرفة) حسب تعبيرها.

$119)    – وآخرون، التحولات الراهنة ودورها المحتمل في إحداث التغيير في العالم العربي. الطبعة الأولى، أبو ظبي: مركز الامارات للدراسات والبحوثالاستراتيجية،2007، ص 46-47.

$120)    المعهد الوطني الديمقراطي (National Democratic Institute): منظمة دولية غير حكومية أمريكية تقوم بدعم الديمقراطية والإصلاحات السياسية حول دول العالم.

$121)    -المعهد الديمقراطي في اليمن: من الموقع الرسمي للمعهد:

05/03/2016.https://www.ndi.org/yemen-arabic

$122)    -للمزيد حول الموضوع انظر :

http://www.cartercenter.org/resources/pdfs/news/peace_publications/election                reports/tunisia-091914-arabic.pdf    , 05/03/2016.

$123)    -للاطلاع على المزيد من المعلومات راجع التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لسنة 2012، من الرابط التالي:

http://www.amnestyalgerie.org/rapports/Rapport%20Annuel%202012_ar.pdf

$124)    -مركز كارتر ينهي متابعة التحول الديمقراطي في مصر، من الموقع:

http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/10/17/egypt-carter-center ,08/03/2016

$125)    – مستشارة الأمن القومي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي .

$126)    -عوض، شحاته، « نحو مزيد من السلطوية: السلطة والمجتمع المدني في مصر». مركز الجزيرة للدراسات،11/ديسمبر 2014، ص06.

$127)    -عبد العاطي، عمرو،أزمة التمويل الخارجي لمنظمات العمل المدني في مصر، من الموقع:

http://www.siyassa.org.eg/NewsQ/2165.aspx ,08/03/2016

$128)    -مصطفى، يسري، المنظمات غير الحكومية. الطبعة الثانية، القاهرة: مركز القاهرة لحقوق الانسان،2007، ص 59.

$129)    -نفس المرجع

$130)    -صلاح، الزرو،« الاختراق الصامت :الوجه الآخر للمنظمات الدولية غير الحكومية في مناطق الصراع ،فلسطين نموذجا».مجلة العلوم الاجتماعية، العدد(04)،المجلد(42)،2014،ص147.

$131)    – محمد علي، مخادمة، واجب التدخل الإنساني. الطبعة الأولى، اربد: دار المتنبي،2011، ص164.

$132)    – المرصد البحريني لحقوق الإنسان، من هي العفو الدولية؟، من الموقع الرسمي للمرصد:

http://www.bahrainmonitor.com/mojtamaa/m-044-01.html ,15/03/2016

$133)    -وكالة أنباء البحرين، مساعد وزير الخارجية يشارك في ندوة المؤسسات والمنظمات الدولية غير الحكومية بين المهنية والتسييس، من الموقع الرسمي للوكالة:

http://www.bna.bh/portal/news/691008 15/03/2016  

عن admin

شاهد أيضاً

الجامعة الصيفية أكادير

استكتاب دولي: الهوية وأسئلة الديمقراطية والتحديث في شمال افريقيا – أكادير 2021

الهوية وأسئلة الديمقراطية والتحديث في شمال افريقيا الندوة الدولية 16 الجامعة الصيفية أكادير :28/31 يوليوز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *