الرئيسية / النظم السياسية / الأحزاب والجماعات / القبيلة والربيع العربي
القبيلة والربيع العربي
القبيلة والربيع العربي

القبيلة والربيع العربي

القبيلة والربيع العربي

د/ نور الدين بكيس

قسم علم الاجتماع جامعة الجزائر(2)

مخلص:

يتناول هذا المقال بالتحليل موقع القبيلة مما يسمى بالربيع العربي أو الحراك الاحتجاجي الحاصل بالمجتمعات العربية منذ نهاية سنة 2010. وكيف تفاعلت القبيلة مع مختلف التجارب بحسب طبيعة المجتمعات و آليات سير أنظمتها السياسية؟.و من أجل تفادي السقوط في الأفكار المسبقة و القراءات الجاهزة، خاصة ما تعلق منها بالصور النمطية التي يسوقها الإعلام وفقاً لأجنداته في ظل الصراعات المحلية والإقليمية الدائرة ،بين التضخيم و التقزيم و التشويه التبس على المواطن العربي حدود مسؤولية القبيلة في الأحداث الدائرة،لذلك تعرضنا في المقال لمفهوم القبيلة من نموذج ابن خلدون وما قبل إلى المفاهيم الحديثة التي تتماشى و التحولات الحاصلة على مستوى بنية القبيلة وحدود نفوذها في ظل التحولات المتسارعة سياسياً واقتصادياً و ثقافياً.وحاولنا الوقوف على جملة التحديات التي تعترض القبيلة ومن أهمها التوظيف السياسي للقبيلة انطلاقاً من المرحلة الاستعمارية إلى مرحلة بناء الدولة الوطنية و إشكالية التعامل مع الاستحقاقات الانتخابية وصعوبة الاستفراد بالشأن الداخلي بسبب تداخل وتقاطع المصالح الدولية و إشكالية التواجد في المؤسسات الأمنية و انخراط القبيلة في تحالفات طائفية بحثاً عن البقاء و الاستمرارية.هذه الإشكاليات و أخرى سنحاول التعرض إليها في هذه الوقفة الموجزة لنحاول رفع جزء من اللبس عن الدور الفعلي للقبيلة في الواقع الحالي للمجتمعات العربية لتحديد حدود مسؤولياتها.

 

Résumer :

Cet article analyse la position de la tribu du soi-disant mouvement de Printemps arabe ou des protestations qui ont gagné les sociétés arabes depuis la fin de 2010. Et Comment a réagi la tribu envers les différentes expériences, selon la nature des sociétés et la nature de leurs systèmes politiques? et afin d’éviter de tomber dans les préjugés et les lectures préfabriqués, et d’éviter les scenarios relatives aux stéréotypes entraînées par les médias, selon ses agendas dans les conflits locaux et circuit régional, entre amplification et désinformation et distorsion , la confusion gagne le citoyen arabe sur les limites de la responsabilité des tribus dans les conflits actuels, et pour cela j’ essaierai d exposer la notion de la tribu du modèle d Ibn Khaldoun aux concepts pré-modernes cohérente avec les transformations qui ont lieu au niveau de la structure de la tribu et les limites de son influence dans le cadre des changements politiques et économiques et culturelles rapide qui traverses les sociétés arabes.

The purpose of this article is to analyzes the status of the tribe of so called Arab Spring as movement protest which is made by Arab societies since the end of 2010. How tribe interacted with various tests, according to the nature of societies and their the managing of political systems mechanisms? in order to avoid falling into the prejudices and prefabricated readings, those relating to the picture types that driven by the media, according to local conflicts callonder and regional circuit, between amplification and stunting and distortion confused the Arab citizen liability limits of the tribe in the circuit events, therefore we are exposing in this article to the tribe conception of Ibn Khaldun thinking and it pre-modern leading by a transformations taking place at the level of the structure of the tribe and the limits of its quick influence change under the politically , economically and cultural.

 

مقدمة:

تمر المجتمعات العربية اليوم بظروف صعبة للغاية قد تعيد رسم حاضرها و مستقبلها خاصة في ظل ما اصطلح على تسميتها بثورات الربيع العربي و كل ما أحدثته من تغيرات ازداد تفاقمها يوميًا، و أمام هذا الوضع تبرز الحاجة لتحليل هذه الأوضاع و قراءتها أكاديميا بعيدا عن الإثارة الصحفية و المزايدات السياسية، و بحكم أن المغلـوب مولـع باتبـاع الغـالب كما يرى ابن خلدون فإننا أحيانـا نسقط في فخ التبعية والتقليد و نتبنى للأسف الشديد في كثير من المواقف قراءات مخالفة لما نعيشه واقعيا، تعبر عن موقف بعض الإدارات الغربية و على رأسهـا الولايـات المتحـدة الأمريكيـة تتماشى مع أهدافهـا الإستراتيجية فـي المنطقـة و تحاول إقناعنا بها كي يسهل عليها تمرير مشاريعها المستقبلية في بلداننا لكي تؤمن مصالحها، لذلك نجد الكثير من مثقفينا يتبنون أدوات تحليل غربية و يرون الواقع بعيون غربية تحجب جزء مهم من حقيقة ما نعيشه و تعوضه بواقع افتراضي تحت إخراج سينمائي هوليودي.

و أول مـا يستوقفنـا عنـد دراسة أية ظاهرة اجتماعية الإقرار بخصوصية المجتمعـات و أن لكـل مجتمـع تجـاربه الخاصـة يتكيف و يتفاعـل معهـا حسب مكوناته و موروثه الثقافي و قيمه، لذلك فإن إسقاط تجارب المجتمعات على المجتمعات الأخرى أحيانا يفضي إلى خطيئة معرفية تعيب تلك القراءة و تسيء فهم الظاهرة. صحيح أن هناك جوانب عدة مشتركة بين المجتمعات الإنسانية لكن معاشها يصقلها بحسب التعاطي مع الأحداث.

لذلك مهم جدا فهم خصوصيات المجتمعات بالاضطلاع على موروثها الثقافي و التاريخي قبل تحليل تفاعلها الحالي خلافا لما يحاول الغرب تسويقه من تطابق تجارب المجتمعات الإنسانية.

و نظرا لأهمية أحداث الربيع العربي على حاضر و مستقبل المجتمعات العربية، سأحاول في هذه الورقة التعرض إلى عنصر من أهم عناصر تكوين الفعل الثوري في المجتمعات العربية في السنوات الأخيرة و هو موقع القبيلة و العشيرة مما يحدث ، و أهم الأدوار التي قامت بها، وكيف كان تعاطيها مع مجمل التطورات لحد الآن؟ و كيف تحاول إيجاد مكان مستقبلي في ظل هذه التطورات؟، فأحداث الربيع العربي لا يمكن فهمها دون الفاعلين الأساسيين بحسب كل مجتمع لأن الحراك الاجتماعي الثوري الحاصل في تونس يختلف عما هو عليه في ليبيا ومصر وسوريا و اليمن، و كل مجتمع تفاعلت فيها القبيلة مع الأحداث بحسب واقعها الخاص بناء على درجة الولاء و النفوذ و التوزيع الجغرافي والارتباط بالنزاع و حدثه…الخ.

مجتمعات تقليدية بواجهة حديثة:

فالملاحظ أن”العلاقات الاجتماعية في المجتمع العربي ما تزال في غالبيتها(وحتى المدن)علاقات أولية،أي علاقات شخصانية،وثيقة،حميمة،غير رسمية،تعاونية،مشحونة بالعواطف لكثرة ما نتوقّع من الآخرين الأقرباء و المقرّبين منهم و ما يتوقّعون منا،وهي علاقات فئوية يستمد منها الفرد اكتفاءًا و دفئاً و طمأنينة نفسية.و لأن أفراد الجماعة ملزمون بعضهم بالبعض الأخر،تكون الصداقة و المحبة في حال الالتزام،و يكون العداء و البغض و العتب عند تخلي أو التنكر للالتزامات التي تنبثق من روح الجماعة”1هذا النمط من العلاقات الاجتماعية يطرح فشل الدولة القطرية في إيجاد مؤسسات بديلة تسمح بالانتقال إلى مستوى العلاقات التعاقدية .لأن” الانتشار الواسع اليوم للعلاقات الحميمية و الشخصانية و الوثيقة في المجتمعات العربية،و كذا الإفريقية و الأسيوية بشكل خاص،يدل على ازدواجية الأداء الاجتماعي.و هذا ما يفسر بأن الهياكل المدنية لم تستطع بعد أن تلغي الهياكل الأهلية بشكل نهائي أو تحل محلها،بالنسبة إلى بعض الوظائف على الأقل.لا يزال الفرد رغم تغير وضعيته في التعليم و العمل و المكانة الاجتماعية محكوماً بسلطة الجماعة الأولية.إن ظاهرة الاستنجاد بالقرابة و التوسط بالمعارف في الحصول على العمل أو المنصب، بل حتى ضمان الحقوق المعيشية الأساسية لا تختفي عن أي وسط اجتماعي عربي.كما أن التنافس لا يتحقق دوما وفق القوانين والضوابط الرسمية،و إنما ضمن شبكة خفية أو شبه علنية من الأعراف والتوسطات”2.ومما يعمق من أزمة العلاقات الاجتماعية في المجتمعات العربية تعدد الانتماءات التي تزخر بها و تنوعها، فالملاحظ أنه يوجد ” في المجتمع العربي،إضافة إلى الانتماءات الطبقية،انتماءات دينية و طائفية و إقليمية و قطرية وعرقية شديدة التنوع و تشابك المصالح.و قد تنسجم هذه الانتماءات المتقاطعة و المتراتبة في علاقات عمودية أو أفقية مع الحس القومي العام أو قد تتعارض معه،و كثيراً ما تشكل بعض هذه الانتماءات في المجتمع العربي بديلاً للقومية العربية فتقوم بينها خلافات ظاهرة و خفية”3. بالتالي المجتمعات العربية تشكل بيئة حاضنة للإنقساميات و الصراعات الداخلية بفعل هذه الانتماءات المتعددة. لذلك كانت الحاجة ملحة للوقوف عند دور القبيلة في المجتمعات العربية كأحد مكوناتها الرئيسية. فمن المهم جدا أن تتم دراسة القبيلة في هاته الأوضاع كي نقف وقفة تحليلية لما آلت إليه القبيلة في ظل التطورات، على الأقل في العقود الأخيرة و خاصة مرحلة ما بعد الاستقلال، لكن علينا قبل ذلك عدم السقوط في فخ المفاهيم الجاهزة والتسليم للأفكار المسبقة.

دور القبيلة بين التضخيم الإعلامي و التقزيم

و لعل من بين أهم التحديات التي تعترض تحليلنا هو توظيف القبيلة في الصراع و الحراك الحاصل مما استلزم التلاعب بهذا الدور إعلاميا، فنجد أنفسنا أمام تضخيم مبالغ فيه لتواجد القبيلة و تأثيرها في الأحداث و تارة أخرى يتم تقزيم ذلك التأثير تماشيا مع الحاجة لتوجيه الصراع أو صناعة مآلاته.

فالإعلام اليوم ليس محايدا و تجاوز مرحلة توجيه الأحداث و التأثير فيها إلى مرحلة صناعة الأحداث و فبركتها. فإذا كان الإعلام لم يصبح له هامش كبير للكذب عند نقل المعلومة فإنه يعمل على توجيه الأحداث على مستوى قراءة و تقديم تلك المعلومة بحثا عن إنتاج ردود أفعال نتجاوب مع استراتيجياته. و عادة ما يستعين الإعلام ببعض المثقفين و الساسة الذي اختاروا التخندق وراء مواقع طائفية و إثنية و جهوية أو تعبر عن الرغبة في تحقيق أهداف مادية و مصالح شخصية، لذلك الحذر من تتبع الدلالات السياسية التي عادة ما تكون مغالطة و تخلط الأوراق أكثر مما تقدم الحقيقة، و لطالما أنتجت هاته القرارات واقعًا مزيفا لم تظهر حقيقته إلا بعد عشرات السنين أو أزيد، و كمثال على ذلك لقد تم تقديم إعلاميا و سياسيا الحرب ما بين إيران و العراق في ثمانينات القرن الماضي على أنها حرب بين الشيعة والسّنة، ثم تبين بعد سقوط نظام صدام حسين أن المجتمع العراقي شيعي المذهب في غالبيته، و بالتالي يجب أن نتعامل مع مجتمعاتنا العربية بذهنية الباحث المكتشف.

ضرورة تجاوز الأفكار المسبقة

دأبت الأنظمة السياسية الحاكمة و النخب النافدة في المجتمعات العربية على تسوِيق صورا زائفة عن مجتمعاتها، وتحاول تقديم صوراً نمطية تتماشى مع مخططاتها للرأي العام الداخلي والمجتمع الدولي . بمجرد سقوط بعض الأنظمة أو رؤوس تلك الأنظمة في البعض من تلك المجتمعات بدأ يتجلى واقع لم نكن نتصوره مثل أن يقبل المجتمع التونسي على انتخاب إسلاميين بأغلبية في انتخابات المجلس التأسيسي رغم كل ما تعرض له المجتمع من طمس للهوية في ظل نظام بورقيبة و بن علي، و لم نكن نعلم أن الشعب اليمني المسالم كان لديه قرابة ستون مليون قطعة سلاح بمعدل ثاني أكثر مجتمع مسلح بعد الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة 88 قطعة سلاح لكل مائة أمريكي.

كما يجب علينا عندما نريد تفسير حراك المجتمعات أن لا نقع في فخ القراءات السريعة و المتسرعة. فحراك المجتمعات يقاس بالأجيال فلا يمكن الحكم على حراكها في فترات زمنية ضيقة. فمن يعتبر أن الحراك الاجتماعي الثوري الذي انطلق مع انتحار محمد البوعزيزي في تونس قد أفضى إلى مآلاته، فهو مخطأ لأن الحراك لازال في بداياته و لم يقدم كل أسراره، فالأوضاع قد تتغير في أية لحظة طالما أن الأحداث أسست لنوع من القطيعة لا يمكن أن تسمح بالرجوع إلى الوراء. فالمواطن منتوج اجتماعي يختلف من مرحلة لأخرى، و أدوات بناء و حراك المجتمع تغيرت بشكل كبير جدا، لذلك يجب إعادة قراءة حراك تلك المجتمعات بشكل أدق و أعمق و علينا أن نتفادى جزئيا الدراسات الكلية قبل بحث عناصر و أدوات و آليات حراك المجتمعات العربية و منها القبيلة كمكون اجتماعي قوي حاضر في شتى مناحي الحياة الاجتماعية و تتكيف مع المستجدات وفق الموارد الذي يكتنزها و يرتبط ارتباطا كليا بدراسة توزيع السلطة بكل تمظهراتها في هذه المجتمعات و الوقوف على الحجم الفعلي للسلطة الذي تتمتع به القبائل و العشائر عموما.

و سنحاول في هذه الوقفة تقديم طرح متسلسل ينطلق من محاولة بناء مفهوم للقبيلة يجمع بين الاصطلاح التقليدي و كل ما ارتبط بالتصورات و الأدوار الحديثة للقبيلة، لننتقل لاستعراض تطور القبيلة إلى نموذج القبيلة المعاصرة، مرورا بجملة التحولات و التغيرات والأحداث التي أثرت في تطور القبيلة و نركز على تطور أدوار القبيلة خاصة مرحلة ما بعد الإستعمار، لنستعرض حال القبيلة بين الزعامة و التوظيف السياسية، لنصل في الأخير إلى تفكيك حضور القبيلة في النزاعات و الصراعات العربية الحاصلة اليوم و دور الحامل القبلي فيها.

القبيلة من نموذج ابن خلدون إلى القبيلة المعاصرة:

تطور مفهوم القبيلة لدى الباحثين بحسب تطور دور و وظيفتها تماشياً مع التطورات التي اعترضتها لذلك لن نحاول التوسع في هذا الشأن بل سنقتصر على بعض التعاريف المختصرة

ففي “قاموس علم الإجتماع فإننا نجد ثلاث مفاهيم:

– هي نسق في التنظيم الاجتماعي يتضمن عدة جماعات محلية،مثل القرى و البدنات و العشائر،و تقطن القبيلة عادة إقليماً معيناً ويكتنفها شعور قوي بالتضامن و الوحدة يستند إلى مجموعة من العواطف الأولية.

– هي تجمع كبير أو صغير من الناس يستغلون إقليماً معيناً و يتحدثون اللغة نفسها و تجمعهم علاقات اجتماعية خاصة متجانسة ثقافياً.

– هي وحدة متماسكة اجتماعيا ترتبط بإقليم،ونعتبر في نظر أعضائها ذات استقلالية سياسية.” 4

“من حيث المفهوم ، فالقبيلة مفهوم متداول و ذو دلالة جلية في التعبير العربي عن التنظيم الاجتماعي القائم على القرابة و العصبية،لكن هذه الرابطة بين أعضاء المجموعة القبلية العربية لم تتحدد بالقرابة الدموية فقط،بل كثيراً ما حددتها”الرابطة السيكولوجية”كما سماها الجابري تفسيراً لابن خلدون،و تحكم فيها”التضامن الألي”كما صوره دوركهايم”5

و”لا تتحدد القبيلة بالنسبة لابن خلدون بكونها جماعة متفرعة عن جد أول،كما لا تتحدد فقط بما يجمع بين أعضائها من روابط الدم،كما حدد ذلك الأنثروبولوجيون الكلاسيكيون.إن النسب في معناه الضيق لا يعدو أن يكون معطى وهمياً لا يصمد أمام واقع الاختلاط و علاقات الجوار و التعايش في المكان.أما الإطار الحقيقي للقبيلة عند ابن خلدون فهو النسب في معناه الواسع و الرمزي و ما يمثله من أشكال التحالف و الولاء و الانتماء”6.”و لا يكفي فهم القبيلة كأنها نواة تاريخية غير متغيرة يجري حولها التطور الاجتماعي والتاريخي كأنه غلاف يحتويها دون أن تتبدل.و هذا هو في الحقيقة افتراض من يعودون إلى ابن خلدون لكي يفهموا أي شيء و ليجيبوا على أي سؤال حول الحاضر العربي…..ونرى أن القبيلة قد تغيرت بتحولها إلى عشيرة غير متنقلة في المكان،كما ندعي أنه في الكثير من حالات التاريخ المدني الطويل اضمحلت العشيرة.ومن ناحية أخرى فإنها حيث بقيت قد غيرت ملامحها و وظائفها بشكل جعلها متأثرة ببنى اجتماعية و سياسية غير عشائرية بقدر ما هي مؤثرة فيها”7. الشيء الذي أثر على معنى و مفهوم القبيلة فلم تعد تتحدد بذلك الحيز الجغرافي، فاليوم أصبحت”القبيلة في نظر البدوي وطن.لقد انتسب إلى القبيلة و ليس إلى المكان.لقد تنقل في المكان بحثا عن مصادر الحياة،أما القبيلة فهي وطنه الذي يتنقل فيه.ولكن بعد التوطن الحضري و الزراعي فإن القبيلة لم تعد هي الوطن، بل باتت نسقاً ذهنياً وشكل التنظيم الاجتماعي في الوطن.وكان أول محاولات الحفاظ عليها في المدينة رغم غياب أساسها الاجتماعي الاقتصادي الرعوي الذي هو تأسيس الوقف العائلي، وتخصص عائلات كاملة بمهن مثل التجارة أو الفقه أو العسكرية أو غيرها.وعندما انفصل التنظيم السياسي في الدولة عن القبيلة والعشيرة و برزت انتماءات سياسية من نوع القومية(وحتّى الدين عندما تمّ تسييس الدين و أدلجته)وحتّى الحزب السياسي،فقد قاومت القبيلة هذه النزعة لمصادرة ولاء الأفراد منها لصالح بنى اجتماعية و سياسية أخرى.ثمّ صمتت و بقيت ملجأً فردياً لمن يرغب بالعودة،و بخاصة أن الانتماءات الأخرى لم تطور مواطنة حقيقية،أو ما لبثت أن تحولت إلى أداة تستخدم كمصدر قوة شخصي داخل الانتماءات الأخرى مثل الدولة والحزب”8.

القبيلة في مواجهة سرعة التحولات:

تأثرت القبيلة كسائر مكونات المجتمع بجملة التغيرات الحاصلة في المجتمع. فقد تغير دورها تأثرت صورتها النمطية لدى المجتمع بشكل متفاوت بحسب طبيعة كل مجتمع.

فقد ساهم انتشار التعليم لدى كل فئات المجتمع في إحداث ثورة كبيرة في كل مناحي الحياة و أول انعكاس لانتشار التعليم كان على مستوى مراجعة القيم و المعايير التقليدية التي كانت سائدة في المجتمع، و انعكس ذلك بالضرورة على تغيير أدوارها الاجتماعية و إعادة ترتيب توزيع السلطة و على رأس تلك التغيرات تحول الأسرة من نمط الأسرة الممتدة المكونة من الجد و الجدة و الأعمام و الأبناء إلى استحداث نموذج لأسرة نواتية تتكون من الأم و الأبناء و هذا ما أحدث تحولا كبيرا في حراك المجتمع بحيث تراجعت سلطة العائلة الممتدة على سائر الأفراد و أصبح الأبناء يستفردون بالقرارات المصيرية التي كانت حكرا على كبار الأسرة الممتدة و التي كانت في غالبيتها تعيد إنتاج القيم التقليدية و تكرس الولاء لمنظومة البنى التقليدية و على رأسها القبيلة و العشيرة، و قد كان لهذا التحول في نمط الأسرة دور كبير في تعديل دور المرأة حيث خرجت إلى العمل بعد أن تميزت في التعليم و أصبحت تزاحم الرجال في شتى مجالات العمل مما أحدث زلزالاً في نمط العلاقات الاجتماعية في مجتمعات ذات ثقافة ذكورية في غالبيتها، و مما ساعد على تغير الأدوار الاجتماعية تعقد الحياة الاجتماعية وتطور الفضاء المهني بشكل سريع جدا بفضل تقسيم العمل و التطور التكنولوجي الحاصل و إرتفاع عدد السكان مما أدى إلى زيادة حاجياتهم. فكان لابد للمجتمع من مسايرة هذه التطورات و إلا أنعكس على انسجامه و توازنه و عاش اضطرابات و نزاعات قد تؤدي إلى التصادم و الصراع، فازدادت التحفظات و احتاج المجتمع لاستحداث مهن جديدة و توزيع اقتصادي مغاير و أصبحت السلطة المركزية مطالبة بإيجاد آليات لتسيير هذا التعقيد المتزايد في الحياة الاجتماعية و اضطرت القبيلة للتنازل عن جزء من المعايير و القيم التي كانت تعتمدها، فإذا كان شيخ القبيلة و الأعيان في السابق يشكلون مرجعية دون منازع فقد ظهر الفاعلون جدد نافسوا شيخ القبيلة و سحبوا منه في كثير من الأحيان مرجعيته و جزء من سلطته مثل رجال السياسة و المقاولون و رجال الأعمال و بعض الشيوخ و الأئمة و المراجع الدينية، و قادة المؤسسات الأمنية و خاصة مؤسسة الجيش و أعضاء المجالس المنتجة مثل البرلمانيين و غيرهم من المراكز القيادية المستحدثة والتي تتمتع ببعض الصلاحيات الواسعة النفوذ و لو على مستويات قطاعية محدودة، إذن لم يعد شيخ القبيلة مرجعا لكل الفئات بل أصبح نفوذه متنازعا على كل المستويات.

و قد كان للاستقرار و الأمن دور رئيسي في التقليل من دور القبيلة في المجتمع أو على الأقل الإضعاف من نفوذها، لأن الحاجة للقبيلة تزداد كلما كان هناك خطر خارجي فيحتاج أفراد القبيلة للاحتماء بها، أما عند استتباب الأمن في المدينة و القرية و الريف فإن المواطن تتراجع لديه النزعة نحو البحث عن الاحتماء بالقبيلة، و قد أشار ابن خلدون لهذه النقطة عندما ذكر بأن رجل المدينة لا يمكن أن نصنع به حضارة أو ملك لأنه يعتمد في تأمين نفسه على الغير خلافا لرجل البادية الذي يتمتع بخشونة تنسجم مع أدواره الاجتماعية مما يجعله أهلا لتحقيق الغلبة و بالتالي تحقيق الملك للقبيلة الغالبة التي تتمتع بعصبية قوية، و سنعود لهذه النقطة بشيء من التفصيل عندما نتحدث عن التوظيف السياسي للقبيلة في الصراعات و النزاعات.

هذا الوضع ترافق مع استحداث آليات لتنظيم المجتمع عن طريق منظومة إدارية تخضع لجملة من التعديلات بانتظام كلما كانت الحاجة لذلك فانتقلت الإدارة من الطابع المركزي إلى اللامركزية و ظهرت الإدارة المحلية بكل تجلياتها و استحدث النظام الفيدرالي ليكرس اللامركزية في اتخاذ القرار، لتظهر مفاهيم جديدة مثل الالتزام بالمنظومة القانونية و الاحتكام للمنظومة القضائية و جملة العقوبات القانونية الجزائية التي أصبحت تحد من العقوبات المادية و المعنوية التي كانت تعتمدها القبيلة، و لم يقف الأمر عند هذا الحد بل أدى التوزيع الجغرافي للأفراد إلى إعادة ترتيب سلطة القبيلة، فقد انتشرت ظاهرة الهجرة الداخلية و الخارجية لدى أفراد القبيلة و أصبح الكثير منهم يقيمون خارج جغرافية القبيلة مما يسمح بالتخلص أو على الأقل التقليل من سطوتها على هؤلاء الأفراد، بل لم يقتصر الأمر على هذا الحد فقد امتد لظاهرة الزواج المختلط بحيث أصبح أفراد من القبيلة يتزوجون من خارج القبيلة و بالتالي اختلطت الأنساب و امتزجت الدماء و أصبح من الصعب المحافظة على الانتماء الأصيل للقبيلة، و قد ساعد على تنامي ظاهرة اختلاط الأنساب وجود فضاءات جامعة لمختلف الفئات الاجتماعية و مختلف العرقيات و الإثنيات و الجهويات مثل الجامعات و المؤسسات التعليمية عموما، و كذلك الشأن بالنسبة للمؤسسات الأمنية وخاصة مؤسسة الجيش أين انصهرت الو لاءات و ظهر الولاء للوطن و الدولة على حساب الولاء للقبيلة، خاصة مع تقدم الأجيال فكلما جاء جيل جديد وجد نفسه يعايش آليات ضبط أقل شدة و بالتالي ينشأ في بيئة أكثر تفتحا و أقل التزاما نحو القبيلة، و قد لعب تطور وسائل الاتصال دورا محوريا في تسهيل عملية الانتقال عبر المجال الجغرافي بحيث سهولة التواصل ساهمت في التقليل من أوجاع الغربة والاغتراب و أصبحت هناك إمكانية الاطمئنان على أحوال ذوي القربى و الأصدقاء دون الحاجة للتنقل المادي أو الفعلي، لذلك شاعت عملية المطالبة باللجوء السياسي كوسيلة مساعدة على التخلص من أنواع الضبط و الإكراه و الاستبداد حتى من القبيلة نفسها فأصبحت على الأقل المدن الكبرى ملجأ للخارجين عن المنظومة القيمية و المعيارية للقبيلة طالما أنها توفر الحماية الكافية من أي تدخل أو عقوبة، خاصة العقوبة المعنوية التي قلت بكثير وسائلها، و كلما انتشرت ثقافة المواطنة و ترسخت شرعية مؤسسات الدولة القانونية شعر الفرد بمزيد من الاستقلالية عن القبيلة و سلطتها ،و أصبح الأفراد لا يهابون الهجرة و لا التنقل بحكم توفر وسائل النقل المريحة و تعرفهم على منظومة القوانين المطبقة في كل مجال جغرافي يريدون الاستقرار فيه، لكن أعتقد أن من أهم العوامل التي أدت إلى تراجع سلطة القبيلة و ساهمت في التقليل من سطوتها هو الانتشار الهائل لوسائل الإعلام مع كل ما تزرعه من قيم و أفكار و معايير، فإذا كان بإمكان القبيلة أن تتدخل في تسيير محيطها و فرض تعطيل أثر بعض التحولات الحاصلة فإنها لا تستطيع مواجهة هذا الكم الهائل من المواد الإعلامية التلفزيونية والسنيمائية و الإذاعية، فقد أصبح اليوم للإعلام قدرة كبيرة على صناعة الرأي العام و صناعة السياسات و لم يعد الأمر يقتصر على تعطيل بعض المشاريع السياسية كما كان في السابق بل أصبحنا اليوم بصدد الهيمنة و السيطرة على إدراك المواطن و تغيب عقله.

خطورة الإعلام على مستقبل القبيلة

أصبح الإعلام اليوم لا يكتفي بتوجيه الأحداث بل يصنعها و يفتعلها و الأمثلة على ذلك كثيرة: فالإعلام اليوم أصبح يتحكم في الذوق و يقدم صور نمطية لكل مناحي الحياة، و يستغل حالة الارتخاء التي يكون فيها المتلقي بعد أوقات متعبة للتسلية، و يوجه رسائل صريحة و قوية للمتلقي و يكرر ذلك حتى تغرس في ثقافته عادات و أخلاقيات جديدة تنسجم مع ثقافة البلد المصدر لتلك القيم، فانتشرت الفردانية و ثقافة الاستهلاك و تبني الحلول الفردية مع استبعاد الحلول الجماعية و تغيرت نظرة الفرد للكثير من الصور النمطية التقليدية مثل معنى الرجولة و الأنوثة و السن و الاحترام و التضحية و صلة الأرحام و التعاون… و غيرها من القيم التي كانت تشكل صمام أمان للقبيلة، لدرجة أن الشعور يتغير و صراع الأجيال و تناقضاتها باتت فجوته الزمنية يتقلص باستمرار فبعد أن كان التحول من جيل لآخر يتطلب على الأقل خمسة و عشرون سنة (25) أصبح الواحد منا اليوم يشعر بالاختلاف عن الجيل الذي يبعده ربما بأقل من 10 سنوات، لأن كثافة القيم التي يتلقاها الأفراد غزيرة جدا و لا تنقطع إطلاقًا و تستعين بالتطور التكنولوجي الهائل و المستمر الذي ساهم في عن تطوير تأثير المشاهد و الإخراج ليبقي هذا الفرد رهينة للواقع الافتراضي الذي تسوقه إلى غاية تحول هذا الواقع الافتراضي إلى واقع ملموس عندما يتشبع الأفراد المتلقون بتلك القيم و الرسائل و لا أحد يستطيع أن ينكر بأن الإعلام عموما و المواد السنيمائية و التلفزيونية ذات الطابع الترفيهي أصبحت تشكل العدو الأول لانسجام المجتمع و تماسكه خاصة و أن المجتمعات العربية ليس لها إعلام يستطيع مواجهة هذا الخطر طالما أن هذا الإعلام في غالبيته إن لم نقل مجمله يساهم في تكريس هذا القيم الغريبة في مجتمعاتنا و بحجة مسايرة التطور و التقدم و حق الأفراد في التسلية و الترفيه.

القبيلة و الثروة:

و مما زاد من متاعب القبيلة اكتشاف الثروات الباطنية في مجمل البلدان العربية، فقد كان و لازال اكتشاف الغاز و البترول و المعادن الطبيعية عنصر مهم يرمي بكل ثقله على حاضر و مستقبل القبيلة في اتجاهين متعاكسين، فمن جهة هناك بعض القبائل التي استفادت من هذه الاكتشافات و استغلتها كورقة مساومة لتعيد ترتيب توزيع السلطة و بالتالي أصبحت القبيلة في هذا الحال مصدر للترقية و تحقيق المصالح، و الانتماء لها ضمنا للترقية الاجتماعية و الاحترام، بينما في الاتجاه المعاكس تعرضت القبيلة لسيل من المضايقات و التحرشات وتم تحجيم الكثير من سلطتها، بل قامت بعض الأنظمة السياسية بافتعال أحداث تسمح لها بمعاقبة تلك القبيلة و عزلها و التقليم من أظافرها كي يسهل التمتع بثرواتها الباطنية، فكم من قبيلة تقبع في فقر و حرمان فوق ثروات هائلة، و شبابها يعاني من التهميش و الإقصاء و كأننا لازلنا في مرحلة الاستعمار السابقة، لذلك رأينا كيف ثارت الكثير من الشعوب العربية في السنوات الأخيرة ضد الحقرة و غياب التنمية و التوزيع غير العادل للثورة، و تحاول بعض القبائل في ظل الانقلاب الأمني الحاصل و النزاعات المتزايدة رسم حدود جديدة تسمح لها بالاستئثار بثرواتها و لو بإقرار نظام فيدرالي إن لم تستطيع الإنفصال كلياً كما تسعى إليه بعد القبائل اليوم. لكن تداخل المصالح و هيمنة الشركات العالمية الكبرى المتعددة الجنسيات على ثروات المجتمعات العربية حال دون ذلك مؤقتا في الكثير من الحالات.

صعوبة الاستفراد بالشأن الداخلي

يجب أن نعترف بأن الاستفراد بالشأن الداخلي اليوم أصبح أمرا صعبا للغاية و أثبتت الأحداث أن النخب الحاكمة اليوم تتخفى من وراءها إرادة سياسية خارجية تحدد الخطوط و المعالم الكبرى للسياسات خاصة التي تأثر بشكل أو بآخر على مصالحها الإستراتيجية وأمنها القومي، فالقبيلة اليوم تعلم أن حدود استقلاليتها تتناقص بقوة و أفرادها مقتنعين في غالبيتهم بصعوبة الاعتماد على الولاء للقبيلة، قد يكون ذلك ناجعا في ظروف معينة مثل الأحداث المؤقتة العرضية، حيث تستطيع القبيلة توفير الحماية لأفرادها لكن كلما تعقدت الأوضاع ظهرت الحاجة إلى الحماية و التدخل من قبل قوى أكبر مثل مطالبة بعض القبائل اليوم بالحماية الدولية و التدخل الأجنبي بعد أن أصبحت هاته القبائل مهددة بالاستئصال و الانقراض.

فبالرغم من ظهور نخب محلية قبلية قوية تحاول الدفاع عن مصالح قبائلها و تحاول تأمين وجودها، فإن القبيلة تبقى تفتقر إلى آليات حقيقية ضامنة لحقوقها و مصالحها، فكل التغيرات و التحولات التي استعرضناها الآن أثرت بشكل أو بآخر في تحجيم دور القبيلة وإضعاف تواجدها المادي و المعنوي بالرغم من بقائها كإطار اجتماعي يدخل ضمن البنى التقليدية التي تساعد على تنظيم المجتمع و هيكلته، فطالما لم تصل المجتمعات العربية إلى درجة بناء مجتمعات مؤسسات و تنتقل من نموذج العلاقات الاجتماعية التقليدية إلى مجتمعات ذات علاقات تعاقدية، فإن القبيلة تبقى حاضرة كبنية تقليدية فاعلة في الكثير من الأحيان على الأقل على المستوى المحلي رغم تراجع أدوارها فلا زال هذا النوع من الأنظمة السياسية في المجتمعات العربية يحتاج إلى القبيلة ليوظفها لتحقيق ديمومة و استمرارية.

و سوف نحاول الآن التطرق إلى الأدوار السياسية التي مرت بها القبيلة عبر جزء من التاريخ الحديث للمجتمعات، كي نفهم ما آلت إليه اليوم.

القبيلة من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة التحرر:

عندما دخل الإستعمار إلى المجتمعات العربية وجدها تتهيكل في غالبيتها في شكل قبائل متحالفة ضمن شكل من أشكال السلطة المركزية، تحت وصاية إمبراطوريات عظمى، و منها الدولة العثمانية فقام بزرع الانقسامية و التفرقة بين هاته القبائل كي يستطيع السيطرة على تلك المجتمعات، فاعتمد سياسة فرق تسد و حاول اللعب على وتر الفروقات و الانقسامات الحاصلة بينها ليكرس وجوده، و بحث في الموروث الثقافي لتلك القبائل عن العداءات السابقة و القضايا التاريخية التي أثرت على طبيعة العلاقة فيما بينها و أسباب النزاعات التي عايشتها، و قد اندمجت بعض القبائل في هذا المسعى و تحالفت مع الإدارة الاستعمارية لتستفيد من هذا الوضع الجديد و تعيد توزيع السلطة بالهيمنة تحت سلطة الاستعمار على المصالح و مراكز النفوذ و الترقية مقابل تأدية الدور الذي رسمته لها الإدارة الاستعمارية لتثبيت وجوده و إدامته أكبر قدر ممكن و هذا لا يتم إلا بإضفاء نوع من الشرعية بحيث تصبح هذه القبائل تطالب أفرادها بضرورة التعامل مع الاستعمار و تجنب مقاومته تحت شعارات عدة، منها أنه يجلب التقدم و التطور و الرقي للمنطقة و في نفس الوقت دخلت قبائل أخرى في صراع مع الاستعمار منذ الوهلة الأولى فقام بتأليب القبائل الموالية له لمقاتلتها، مما أنتج عداوة جديدة بين القبائل التي تساند و التي تعارض وجود الاستعمار فأصبح الاستعمار بعد سنوات من الصراع و الاقتتال بين القبائل يطرح نفسه كإطار ضروري للتعايش بين تلك القبائل وأنه الضامن الوحيد لعدم استئصال أية قبيلة لأخرى، و بالتالي يصبح بقائه مطلب أقرب للإجماع في ظل الوضعية الجديدة، و هذا بعد أن كان الاستعمار جسم غريب عن لمجتمع استطاع أن ينتج صراعا بين القبائل التي كانت متعايشة ليطرح نفسه كإطار ضامن للتعايش، و قد حدث ذلك في السنوات الأخيرة رغم الوعي القائم و تطور وسائل الاتصال إلا أن خبث الاستعمار استطاع أن يعيد إنتاج تلك المشاريع السابقة مثل ما يحدث اليوم في العراق من صدام و صراع بين العشائر و القبائل و مطالبة البعض منها بالتدخل الأجنبي، و كذلك الشأن في ليبيا و اليمن و غيرها من المجتمعات العربية و الإسلامية.

و في مقابل ذلك استغلت بعض القبائل المرحلة الاستعمارية و تحولت إلى حامل قبلي للفعل الثوري المقاومة و بقيت لعقود من الزمن محافظة على ثقافة المقاومة و رفض الذوبان في المشاريع الاستعمارية و تجاوبت مع كل محاولات التحرر، بل قادت الكثير منها، لأن حركات المقاومة في المجتمعات العربية في غالبيتها تشكلت في إطار قبلي و اعتمدت قيم القبيلة و مبادئها، و لكي تحافظ القبيلة المقاومة على حضورها أمام محاولات إضعافها من قبل الاستعمار و القبائل المتحالفة معه، سعت إلى تفعيل آليات و أدوات تسمح بإعادة إنتاج قيمها والمحافظة على استمراريتها و من أهم تلك الآليات إيجاد فضاءات لتعليم و تأطير أفرادها و على رأس تلك الفضاءات منظومة الزوايا، بحيث كان مركزا لتربية و تعليم أفراد القبيلة و إعادة إنتاج قيمها الدينية و الصوفية، و تاريخ المجتمعات العربية لا يمكن فصله عن تاريخ الزوايا والارتباط واضح بين القبيلة و الزاوية و أحيانا تختفي القبيلة وراء الزوايا و تصبح تعرف بتسمية تلك الزاوية إلا أن الحاصل الفعلي هو قبلي مع إمكانية تجمع عدة قبائل تحت سقف زاوية واحدة، كما هو حاصل اليوم بحيث نلاحظ أن بعض الزوايا يمتد انتشارها في عدة مجتمعات مثل الزاوية التيجانية و السنوسية و غيرها.

و قد لعبت هذه المرحلة الاستعمارية دور كبير في التأثير على نشاط القبيلة و امتدادها فقد تدخل الاستعمار في التوزيع الجغرافي للقبائل من خلال القتل و الإبادة و التهجير و النفي و التوطين، بل وصل به الأمر لدرجة زرع قبائل بكاملها للمناطق المستعمرة كي يساعدوه على تثبيت هيمنته في المنطقة و خلق توازن ديمغرافي، و للأسف الشديد هذا الوضع لازالت المجتمعات العربية و الإفريقية و الإسلامية التي استعمرت تعاني منه لحد اليوم و جزء مهم من النزاعات الحاصلة اليوم و الصراعات الدموية يمكن تفسيره بتلك المرحلة الاستعمارية المدمرة التي قضت على التوافق و الانسجام الحاصل آنذاك و عوضته بالانقسامات و التوجس و الخوف من الاستئصال و التغول الذي تعاني منه اليوم.

و من أهم نتائج تلك المرحلة الاستعمارية إنتاج مرجعيات جديدة بنيت على أنقاض تلك التجربة المريرة، فالقبائل التي قاومت الاستعمار و استطاعت أن تطرده أسست مرجعية للحكم فيما بعد تستند على ربط الحق في الحكم بالمشاركة في مقاومة المستعمر و هذا ما ولد الشرعية الثورية فيما بعد، و في مقابل ذلك تم اعتماد مرجعية التخوين بناء على رفض فكرة المقاومة و مساندة الإدارة الاستعمارية، ولازالت لحد الآن رغم مرور عقود من الزمن على خروج الاستعمار بعض القبائل تعاني من القمع و التهميش و الإقصاء بسبب هذه المرجعية وتواطأ الجيل السابق مع الإدارة الاستعمارية، و من جهة أخرى هناك بعض القبائل التي بقيت لحد الآن مستفيدة من دعم الإدارة الاستعمارية وتلقى كل السند لكي تبقي على جزء من نفوذ و هيمنة القوى الاستعمارية و تعامل الإدارات الغربية مع الأكراد في سوريا أحسن دليل على ذلك فعندما استهدف تنظيم داعش منطقة كوباني هب الغرب إلى نجدة الأكراد في الوقت الذي تباد قبائل و عشائر أخرى على مرأى ومسمع من الإدارات الغربية دون أن تحرك ساكنا.

فنحن الآن بحاجة إلى إعادة قراءة اتفاقية أو معاهدة سايسيبكو من جديد لكي نفهم حجم الضرر الذي ولدته في المنطقة و من زاوية أخرى نقرأ هذه المعاهدة جيدا كي نستطيع فهم مؤامرات التقسيم التي تحاك اليوم بعالمنا العربي و الإسلامي، بالإضافة إلى ذلك لا يجب أن لا نهمل دور القبيلة في تكريس الانقسامية للحفاظ على امتيازاتها و هيمنتها، فقد حدث أن عارضت بشكل مباشر أو بطرق ملتوية عملية بناء الدولة الحديثة، فالدولة الحديثة تقوم بالضرورة على مؤسسات و منظومة قانونية ستحدث آليات ضبط تحتكر العنف مثل المؤسسات الأمنية و تحتكر مصادر الترقية الاجتماعية مما أخاف القبيلة من إمكانية التهميش و الإقصاء العملي في حالة احتكام أفرادها فعليا إلى السلطة المركزية مما يضعف كثيرا تأثيرها و يحد من نفوذها و سيطرتها.

و هذا ما يجعلنا ننتقل إلى إشكالية أخرى تتمحور حول التوظيف السياسي للقبيلة و موقعها من توزيع السلطة.

القبيلة بين الزعامة و التوظيف السياسي:

لا يمكن فهم دور القبيلة في المجتمعات العربية المعاصرة دون ربط ذلك بأدوارها أثناء المرحلة الاستعمارية و ما تلتها من تطورات، فنفس الأدوار التي تحدثنا عنها فيما سبق تم إعادة إنتاجها في مرحلة بناء الدولة و لو بأشكال متفاوتة، فقد كان للقبيلة دور مزدوج بين المساهمة في بناء الدولة و تعطيلها للأسباب المذكورة سابقا، فالنخب الحاكمة لما بعد الاستقلال سارت على نفس نهج الإدارة الاستعمارية أي بمبدأ فرق تسد، فقد كرست الانقسامية التي زرعت الاستعمار و حافظت على هذه التقسيمات كي تستطيع طرح نفسها كإطار ضامن لعدم التغول و الاستئصال، و في نفس الوقت استثمرت علاقاتها مع القبائل لمحاولة ترسيخ سلطة الإدارة المركزية، فمنذ المراحل الأولى لمحاولات تأسيس الدولة الحديثة طرحت إشكالية ولاء المواطن بين الولاء للقبيلة و الولاء للدولة و لازلنا لحد اليوم نعاني من إشكالية معقدة، بحيث من حيث الشكل المجتمعات العربية تزخر بالمؤسسات في كل المجالات لكن سيرها تتجاذبه الولاءات المتعددة و قد رأينا جيوش عربية مبنية على تقسيمات قبلية و الولاء فيها للقبيلة سابق عن الولاء للوطن، فعندما تجد هذه الجيوش نفسها أمام تحديات فعلية و أخطار محدقة وتصبح ملزمة باتخاذ مواقف في النزاعات يظهر بشكل واضح ضعف ولائها للإدارة المركزية و ضعف عقيدتها القتالية فقد انقسم الجيش اليمني عندما وجد نفسه أمام أزمة و كذلك حدث للجيش الليبي و الجيش العراقي مما يؤكد مشكلة الولاء و حتى على مستوى النخب الحاكمة، بحيث نجدها في حالة النزاعات تتبنى مواقف قبيلة عشائرية على حساب وحدة الوطن. لكن هنا لابد من إنصاف القبيلة أحيانا لأنها تصبح ضحية للتوظيف السياسي و الاستغلال من قبل النخب التي تستنجد بالقبيلة و تستجلي حمايتها لتورطها في صراعات و نزاعات لا ناقة و لا جمل لها فيها، و بالتالي القبيلة ليست طرف في قفص الاتهام بل عادة ما تصبح في ثوب الضحية.

القبيلة و الانتخابات:

خلافا لما هو موجود في الأنظمة الديمقراطية تخضع عملية الانتخابات في المجتمعات العربية عموما المحاصصات و تقاسم المناصب القيادية بناء على الواقع الفعلي لتوزيع السلطة في المجتمع و هذا ما يتعارض مع غرس ثقافة المؤسسات، فالترشح للانتخابات عادة ما يخضع للانتخابات القبلية و العشائرية بحكم أن الاختيار لا يتم بناء على نوعية البرامج و المشاريع المقترحة بل تتحضر اللعبة في التفاوض حول المكاسب المختلفة و توزيع السلطة بعيدا عن الاختيارات الحرة، فالانتخابات عادة ما تكون انعكاس للولاء للقبيلة و العشيرة، و الترشح يخضع لتزكية مسبقة قبل الإعلان عنه رسميا، فقد رأينا الكثير من رؤساء الحكومات و الأحزاب يقومون بجولات قبل بداية الحملات الانتخابية و قبل الترشح الرسمي لكسب دعم القبائل و العشائر و الأعيان مما يبين قوة حضور القبيلة و تأثيرها في نتائج الانتخابات المختلفة، و لكن هذا الدعم لا يقدم بدون مقابل، بل تحرص القبيلة على الاستفادة أكبر قدر ممكن منه بتحصيل مشاريع تنموية و مناصب قيادية لنخبها و مجال واسع من المراكز لكي تستطيع ضمان ترقية اجتماعية لأفرادها تصل أحيانا للاستئثار بقطاعات كاملة تصبح خاضعة لتسييرها لكن تحت غطاء السلطة المركزية، كما تقوم القبيلة بإنشاء أحزاب سياسية أو جمعيات قوية في إطار مؤسساتي معتمد تعمل على دعم تواجدها و نفوذها، فالقبيلة اليوم تستعمل الأدوات الديمقراطية الحديثة للحفاظ على البنية التقليدية، أي أن التطور المادي والتكنولوجي في بعض المجتمعات لم يرافقه تطور على مستوى البنية الفكرية، بل وظف لإعادة إنتاج الثقافات التقليدية لذلك فإن المجتمعات العربية بحاجة إلى ثورة ثقافية قبل التفكير في الثورة السياسية و انطلاقا من ذلك فإن أفراد القبيلة حتى و إن كانوا غير مقتنعين بثقافتها و قيمها فإنهم يلجئون إليها لضمان الترقية الاجتماعية و الحماية و ولوج المناصب القيادية باستغلال لعبة التفاوض على توزيع السلطة خارج الأطر الديمقراطية للتداول على السلطة، بل تستعمل هذه الأدوات الديمقراطية لإخراج القرارات المتخذة و الإعلان عنها فقط،فبعد أن يتم مثلا الاتفاق على شخصية رئيس الجمهورية أو الدولة أو الحاكم يتم تنظيم الانتخابات لترسيم القرار.

و قد رأينا رؤساء دول يشكون شعوبهم لقبائلهم عندما تطالب الشعوب بإسقاط الحاكم أو النظام، فيقوم الحاكم باستنفار القبيلة ضد الشعب كما حدث في ليبيا و اليمن على سبيل المثال.

إشكالية التواجد في المؤسسات الأمنية:

“لقد صمدت العشيرة في دول و مناطق عديدة حيث المدينة أقل نقوداً،و هي إما صمدت كبنية اجتماعية و ساعدها تكيفها مع الوضع الجديد على تسخير أدوات حديثة في خدمة بقائها من استخدام السياسة و الصراع على النفوذ السياسي و حتّى استخدام الخدمة العسكرية و الرغبة بتبوء مركز قوة في الجيش.يسخر كل ذلك في حالة تكيفها مع التوطين من أجل تكريس نفسها كوحدة اجتماعية تضامنية،أوكوحدة سياسية سهلة التحشيد في الانتخابات مثلاً،أو يمكن الاعتماد على ولائها في الجيش أو الأجهزة الأمنية”9

و بما أن المجتمعات العربية تحكم في غالبيتها بمنظومة أمنية مشددة سواء كان نظام بوليسي كما كان عليه الحال في تونس أو مؤسسة الجيش كما هو حال غالبية المجتمعات العربية أو كتائب مسلحة كما كان عليه الحال في المجتمع الليبي، و هذا التوجه الأمني في إحكام القبضة على الشعوب و تسيير الشأن العام ،بحيث نجد من قيادات الجيوش من يتحكم في مقاليد اقتصاد تلك المجتمعات ، وجدت القبيلة نفسها مرغمة على التكيف مع هذا الوضع فمنها من توغل في الجيش و أعاق إنشاء مؤسسة جيش قوية إلا بحضورها بحيث نجد بعض الجيوش العربية تتشكل وفق تقسيم قبلي و عشائري بحيث التوزيع الجغرافي للألوية و الكتائب ينسجم مع التوزيع الجغرافي للقبائل مثل ما هو عليه الحال في اليمن، و منها من تم تهميشها من المؤسسات الأمنية و بالتالي تم حصر تواجدها في الشق المدني مثل الجيش المصري و الجيش السوري، فقد درجت بعض الأنظمة السياسية على عزل مؤسسة الجيش عن الانتماءات القبلية و العشائرية و حاولت تجند الأفراد في سن مبكر ثم تقوم بعزلهم أكبر قدر ممكن عن أهاليهم و تقوم بتلقينهم عقيدة قتالية و تزرع فيهم عقيدة الولاء للمؤسسة الأمنية و الحاكم ،ووفرت لهم كل ما يحتاجون إليه مقابل ذلك الولاء و أصبحوا يتلقون أجور عالية مقارنة بالنخب المدنية بما فيها أساتذة الجامعات و تحصلوا على امتيازات في كل الجوانب على أن تتم معاقبة أي إخلال أو تراخي في الولاء للنظام بإجراءات عقابية قاسية كي يكون عبرة لغيره.حتى وإن كان ولاءه لقبيلته أو مجتمعه، فلقد رأينا كل الجيوش العربية توجه الرشاشات لمجتمعاته و قتلت الكثير ممن حاول الاعتراض على الأنظمة الحاكمة، و ربما كان الاستثناء الوحيد هو الجيش المصري، إلا أنه بعد ثورة 25 جانفي 2011 انضم لنادي الجيوش التي تقتل شعوبها، وهكذا اكتملت الحلقة و أصبح جليا أن أي تغيير يحتاج إلى حل معادلة ولاء الجيش و المؤسسات الأمنية لأخرى بدرجة أقل للنظام السياسي، لذلك حاولت دائما القبيلة تأمين مستقبلها بالتواجد البنيوي داخل الجيوش أو محاولة إضعافها إن لم يكن لها وجود فعلي بثكناتها.

القبيلة و رحلة الانتقال من القبلي إلى الطائفي:

وجدت القبيلة نفسها في ظل التغيرات التي تحدثنا عنها سابقا ملزمة بتغيير استراتيجيات بحثا عن الاستمرارية و البقاء، خاصة و أن المصالح لم تعد تعترف بالحدود ، و النظام الدولي الجديد أصبح عابرا للقارات بمؤسساته المختلفة فأصبحت القبيلة لا تشكل أي وزن في صناعة السياسات بعد أن ظهرت محدودية نفوذ النخب الحاكمة و لم تعد تستطيع الإنفراد بالشأن الداخلي و أصبح التدخل في شؤون الدول من قبل المؤسسات الدولية أمرا شرعيا و ملزما لها، و أحيانا تلك القرارات تضر بالشأن الداخلي و تمس مصالح القبيلة التي التزمت منذ مرحلة الاستعمار بالحدود الجغرافية التي رسمت لها داخل الدولة القطرية رغم امتدادها أحيانا لعدة دول مجاورة.

و أمام هذا الوضع لجأت بعض القبائل للبحث عن غطاء أكبر من الاصطفاف القبلي فتم اللجوء إلى الاصطفاف الطائفي و الإثني والعرقي و الجهوي كتكتل يسمح بتوفير حماية أوسع لمصالح القبيلة و توفر لها قدرة على مقاومة الاستئصال في هذه النزاعات المسلحة التي نشبت في المنطقة العربية، فتخفت القبيلة وراء المذهبية و الإثنية ضمن تحالفات واسعة تحت غطاء الاتجاه السني و الشيعي و الإباضي والطرقي و ضمن تحالفات عرقية كالعرب و الأكراد و الأمازيغ و الطوارق و تحالفات جهوية كسكان الجنوب و الشمال و الشرق و الغرب و الأفارقة و المشارقة…إلخ.

تحت هذه العناوين دخلت القبيلة في الصراعات من أجل البقاء، و بدون أن تختار توقيت المعركة و لا ميدانها بل فرضت الأحداث ذلك على القبائل ضمن توظيف و استغلال مفضوح من قبل الدول الكبرى التي تحاول استنزاف المنطقة و إضعاف كل الأطراف كي يسهل عليها استغلال ثرواته و تفادي نهضة تلك المجتمعات، و بالتالي أعادت بعض القبائل مراجعة الارتباطات و التحالفات خارج حدود الدولة القطرية في مختلف المجتمعات العربية التي تعيش صراعات و نزاعات مسلحة، فقد رأينا ذلك في التحام القبائل بين حدود سوريا و العراق، ولبنان و سوريا و طوارق مالي، و أصبحت الظاهرة في تفاقم، خاصة و أن تطور وسائل الاتصال كما بيننا ساعد على مد العلاقات وإعادة بناء التحالفات، لكن علينا أن نعترف بأن مستويات إلتقاء القبلي بالطائفي تختلف بحسب الموروث الثقافي للمجتمعات فمثلاً نلاحظ”في المشرق العربي كثيراً ما تتطابق الظواهر القبلية و الظواهر الطائفية،بل إن الحضور الطائفي يتخد له لبوساً قبلياً إثنياً،بينما ساهمت التركيبة الدينية المذهبية(المالكية)في المغرب العربي في تقليص الانقسامات الاجتماعية…كما أن الطائفية التي كانت تتغدى بالنعرة القبلية لدى بعض المجموعات اختفت في مجتمعات المغرب العربي لأنها لم تتعمق تاريخياً”10

و يمكن اختصار أزمة القبائل اليوم في غياب مؤسسات ضامنة لحقوقها و بقائها، فالدولة القطرية فشلت في بناء مؤسسات ضامنة ومواطنة توحد الجميع و ها نحن اليوم نتخبط في فراغ مؤسساتي يدفع كل الأطراف للبحث عن أية وسيلة للاحتماء بما فيها التدخل الأجنبي، إلا أن المؤسسات الدولية أثبتت أنها تسعى في إطار خدمة مصالح الدول الكبرى و لا تعترف بحماية الأقليات و رفع الظلم عن المظلومين إلا عندما يتوافق ذلك مع مصالح الدول العظمى، و أحسن دليل على ذلك فلسطين التي تعاني من الاحتلال و الاستعباد و غزة الأسيرة و المجوعة و الجريحة لم تنتصر لها هذه المؤسسات الدولية، هذا ما يدفع القبيلة إلى رحلة البحث عن التسلح و الاعتماد على منطق القوة و العسكرة لضمان البقاء و بناء تحالفات تجاوزت حدود الدولة القطرية طالما أنها فشلت في ضمان حمايتها و تأمين وجودها، والمواطن العربي يجد نفسه مضطرا للاحتماء بالقبلي ثم الطائفي عندما يستشعر الخطر، طالما أن ليس له بديل آخر لضمان الحد الأدنى من الحقوق وهو الحق في الحياة.

هذا هو وضع القبيلة اليوم و قد يكون له دور مهم في ظل هذا الوضع المتوتر لأنها تستطيع أن تشكل حاملاً و إطارا لمرحلة انتقالية جديدة من أجل المرور من مرحلة التفكك و الانهيار إلى مرحلة التوافق على بناء مؤسسات جديدة تستطيع إعادة بناء الدولة من جديد وتفادي أخطاء النخب الحاكمة السابقة التي أدت إلى هذا الوضع المزري، فإما أن تكون القبيلة أداة استقرار و نجاة للخروج من مرحلة الخطر و إلا أن تخطأ الطريق و تصبح أداة لتعميق التفكك و تقسيم المجتمعات و تفكيك الدولة الوطنية.

الهوامش :

$11. بركات حليم:المجتمع العربي في القرن العشرين(بحث في تغير الأحوال و العلاقات)،مركز دراسات الوحدة العربية،ط1،بيروت،2000،ص38

$12. د. محمد نجيب بوطالب : سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،ط2، بيروت،2009 ،ص14

$13. بركات حليم:مرجع سابق،ص72

$14. محمد نجيب بوطالب: مرجع سابق، ص57

$15. -نفس المرجع ص85

$16. نفس المرجع السابق: ص58

$17. د بشارة عزمي: في المسألة العربية، (مقدمة لبيان ديمقراطي عربي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ، 2007،ص ص113-114

$18. -نفس المرجع السابق:ص ص122-123

$19. بشارة عزمي:مرجع سابق،ص116

$110. بوطالب محمد نجيب:مرجع سابق،ص164

قائمة المراجع:

1- بركات حليم:المجتمع العربي في القرن العشرين(بحث في تغير الأحوال و العلاقات)،مركز دراسات الوحدة العربية،ط1،بيروت،2000.

2-د. محمد نجيب بوطالب : سوسيولوجيا القبيلة في المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية،ط2، بيروت،2009.

3-د بشارة عزمي: في المسألة العربية، (مقدمة لبيان ديمقراطي عربي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007

عن admin

شاهد أيضاً

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية دعوة لتقديم المقترحات برنامج المنح البحثية (الدورة الثامنة)  “الصحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *