الرئيسية / النظرية السياسية / فكر وفلسفة سياسية / السياسة الشرعية في التراث الإسلامي “3”
السياسة الشرعية في التراث الإسلامي
السياسة الشرعية في التراث الإسلامي

السياسة الشرعية في التراث الإسلامي “3”

السياسة الشرعية في التراث الإسلامي “3”

د. محمد أحمد عبد السلام

 

تعد السياسة الشرعية أحد العلوم الجليلة المنهجية في التراث الإسلامي، إذ هي أداة بيد وُلاة الأمر في الدولة لقيادة الأمة وتحقيق مصالحها الدينية والدنيويَّة، تخولهم ملاحظة المتغيرات والمستجدات الحادثة في الأمة، وتطبيق النص عليها بطريقة مناسبة دون إلغاء النص أو تجاهله، والسياسة الشرعية تواكب التطورات الداخلة على تصرفات الناس وأوضاعهم وتراعي المستجدات الداخلة على حياة الأفراد والأمم في ظل أحكام الشريعة وتحقيق مقاصدها.

وقد ظهر أول المصنفات السياسية على يد الفيلسوف المسلم الفارابي (260 هـ – 339 هـ / 874م – 950م)، المتأثر بالآراء السياسية لأفلاطون وأرسطو؛ حيث تناول الفلسفة السياسية في عدة كتب منها: رسالات تحصيل السعادة، السياسة المدنية، رسالة السياسة، الفصول المدنية، آراء أهل المدينة الفاضلة.([1])

وفي منتصف القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي (373 هـ – 983 م) ظهرت الكتابات السياسية لجماعة “إخوان الصفا وخلان الوفا” متأثرة بالمؤثرات نفسها التي خضع لها الفارابي، وكانت السياسة لديها تمثل علمًا مستقلًّا بذاته، له خمسة أقسام: السياسة النبوية، والسياسة الملوكية، والسياسة العامية، والسياسة الخاصية، والسياسة الذاتية. ثم في القرن الخامس الهجري ظهرت أول الكتابات السياسية المستقلة عن الفكر الفلسفي، المتأثرة بالفقه الإسلامي على يد الماوردي في كتابه “الأحكام السلطانية” وأبي حامد الغزالي بكتابه “التبر المسبوك في نصائح الملوك”.

ثم استمرت مسيرة التدوين في هذا الفن عبر العصور على هذا المنوال. والجدير بالملاحظة والذكر أن التدوين السياسي قد وجد أرضية فكرية وفقهية كونها الصراع السياسي على السلطة، بعد الانقلاب على الخلافة الراشدة، وما نتج عنه من تأثيرات في ميادين التفسير والحديث، والتاريخ والعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية عامة، وما كرسه من مفاهيم ومصطلحات وتقاليد وأعراف، بعضها لها أصول في الشرع، وبعضها لا أصل لها فيه، ولكنها توهم بالانتساب إليه بسبب وقد أسهمت هذه الأوضاع والمفاهيم والمصطلحات والتقاليد والأعراف المقحمة في الشرع، في تعطيل نمو الفقه السياسي الإسلامي وتوقفه عن التطور والنضج، وعاقته عن قيادة حركة المجتمع البشري.

وقد اعتنى علماؤنا الأوائل بهذا الفن من العلوم أمثال الماوردي،
وابن تيمية، والجويني، وابن الجوزي، وغيرهم.

كما أن كثيرًا من (زعماء السياسة ورؤساء الدولة الإسلامية) مَنْ جمع بين الزعامة السياسية والفكرية، مثل عبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون، وغير هؤلاء ممن لا نعلمهم.

ثم “إن أئمتنا (زعماء الفكر) لم يعتزلوا السياسة الشرعية أبدًا على طول التاريخ، فأبو جعفر المنصور يطلب من الإمام مالك أن يضع له (الموطأ)، وهارون الرشيد يطلب من أبي يوسف أن يضع له (الخراج)، والإمام أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي، نراه في طليعة جيش الإسلام في موقعة (ملاذ كرد) التي استؤصلت فيها جموع الروم، وأخذ إمبراطورهم أسيرًا، تلك المعركة التي كان لها ما بعدها في التاريخ، وأخبارها للأسف مجهلة لعامة مثقفينا وعلمائنا”. ([2])

“والإمام أسد بن الفرات (ت 213 هـ) يقود الجيوش في البر والبحر، ويموت شهيدًا وهو من أعمدة الفقه المالكي، صاحب (الأسدية) من أمهات كتب المذهب المالكي والشيخ أبو إسحاق الشيرازي (ت 476) كان في قلب السياسة، يوم أصلح بين الخليفة العباسي في بغداد، والسلطان ملكشاه في (الرَّي). والإمام أبو الوليد الباجي (ت 474 هـ) هو الذي جيَّشَ جيوس المسلمين في معركة (الزلاقة) التي أعادت هيبة المسلمين في الأندلس، ولعدة مئات من السنين”.([3])

وشيخ الإسلام ابن تيمية في قلب السياسة، والسجن، ويجَيِّش الجيوش لحرب التتار. وسلطان العلماء العز بن عبد السلام صانع النصر في معركة عين جالوت. وشيخ الإسلام محمد سعد الدين بن حسن المتوفى سنة 1008 هـ، الذي كان بمعية السلطان محمد الثالث في حرب هنغاريا، فلما هم السلطان بالتراجع تحت وطأة الهجوم الصليبي، أخذ شيخُ الإسلام بزمام حصان السلطان، ووجهه ناحية العدو، وصاح زاجرًا للسلطان: إنما نعيش لمثل هذا اليوم!! نموت شهداء، ولا نرى انكسار جيش الإسلام. فكان النصر.

“وعلماء الأزهر الذين كانوا يناقشون ما يصدر عن السلطان، ويردّونه إذا خالفت الشرع (أي يناقشون دستورية القوانين)، والذين انتزعوا وثيقة بحقوق الشعب مكتوبة مُوَقَّعَة من الأمراء المماليك قبل الحملة الفرنسية بسنوات (1794م)”.([4])

كما اعتنى بعض العلماء المعاصرين بدراسة السياسة الشرعية، ومعالجتها للمسائل المستجدة في حياة الناس حسب التطور الحضاري في العصر الحديث، فكان هذا البحث ضمن هذه الدراسات الشرعية، حيث تطرق إلى موضوعات في السياسة الشرعية جديرة بالبحث والدراسة؛ إذ إننا في أمس الحاجة إليها حتى نعيد للأمة مجدها وعزتها وقيادتها للبشرية من جديد من خلال إبراز الخطوط العريضة المتعلقة بالسياسة من قواعد وضوابط تحكم هذا الفن، وبيان ثمرتها على الفرد والمجتمع.

(لا مجتمع يخلو من السياسة)، مقولة تتحدث عن تجسيد حقيقة حضور السياسة بالمجتمع، ولا فارق في هذا بين المجتمع الإسلامي وغيره، فالسياسة هي سياسة أناس يعيشون في مجتمع، حاكمين ومحكومين مدافعين عن الواقع أو معارضين له، فوجود المجتمع – حسب التعريف العلمي – مرتبط منذ ظهوره وتطوره بوجود السياسة أو السلطة السياسية، ولا يعقل أن ينفصل في هذا مجتمع يدين بديانة معينة أو ينتهج نهجًا مغايرًا للآخر، فالكل سواء في هذا، ولن تستقيم حياة أناس دون سياسة تضبط شئون معاشهم.

لذا كانت عناية المسلمين الأوائل بالسياسة عناية فائقة؛ إذ نجد المؤلفات والمواقف تحدثنا عن مجتمع يتطور ويتقدم ويتسق مع حاضره ويبني مستقبله، وما أن تأثر الفقه السياسي بالنضوب إلا وتأثرت معه الأمة بالتراجع والتخلف، ولعل المنظمات والجامعات الغربية التي تعنى بالسياسة في حاضرنا خير دليل على الاعتناء بيد البناء الأولى للدولة مقابلة بما في الوطن العربي والإسلامي من تأخر في هذا الجانب.

ولو وُجِد في العالم الإسلامي اليوم القدرة على التعامل السياسي الواعي لاستطعنا التخلص من هذه الضغوطات المؤثرة علينا وعلى حاضرنا ومستقبلنا، بنظرة حولك تجد أن العالم الإسلامي كله يعاني ويكابد فتجد الاضطرابات في مصر، والحرب في سوريا، والتفجيرات في العراق، والاحتلال في فلسطين، والتهجير في بورما، وما حدث في أفغانستان ليس عنَّا ببعيد، كل هذا وتل أبيب تنعم بالاستقرار والتقدم، وكل الدول الأوروبية تواصل تقدمها السياسي والاجتماعي والعلمي والتكنولوجي، وأمريكا تواصل زعامتها وسياستها بأن تكون أقوى دولة في العالم، وما يحدث في الدول الإسلامية من اضطرابات داخلية إنما هو نتاج تأخر سياسي علمي؛ إذ إن الفكر السياسي الإسلامي لا يغدو إلا أن يكون جنينًا، وهذا كله يدفعنا إلى التقدم في العلوم كلها وعلى رأسها العلوم الإنسانية السياسية والاجتماعية، فمن عرف لغة قوم أمن مكرهم. ومما يندى له الجبين بعد كل هذا أن نسمع أبواقًا تنادي بفصل الدين عن الدولة والحياة السياسية وهو ما يدعونا إلى دراسة موقف العلماء من العمل السياسي.

 

([1]) تحفة الترك فيما يجب أن يعمل في الملك، نجم الدين الحنفي، تحقيق: عبد الكريم محمد مطيع الحمداوي، ط2، د. ت. ص 24.

([2]) انظر: زبدة التواريخ أخبار الأمراء والملوك السلجوقية، صدر الدين علي بن ناصر الحسيني، تحقيق: د. محمد نورالدين، دار اقرأ، بيروت، 1103 هـ/ 1923 م، نقلًا: نهاية المطلب في دراية المذهب، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، حققه وصنع فهارسه: د. عبد العظيم محمود الدّيب، دار المنهاج، ط 1، 1122 هـ/ 2007 م، ص 201.

([3]) نهاية المطلب في دراية المذهب، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، أبو المعالي، ركن الدين، الملقب بإمام الحرمين، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الدّيب، دار المنهاج، ط1، 1428هـ /2007 م، ص 204 بتصرف.

([4]) المرجع السابق، ص 205.

عن محمد أحمد عبد السلام

شاهد أيضاً

السياسة الشرعية في ضوء القرآن والسنة

السياسة الشرعية في ضوء السنة النبوية (2)

السياسة الشرعية في ضوء السنة النبوية (2) لقراءة الجزء الأول: السياسة الشرعية في ضوء القرآن …

2 تعليقان

  1. جزاكم الله خيرا وزادكم من فضله

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أريد مساعدة في موضوع أطروحة دكتوراة في موضوع الذرائع في السياسة الشرعية فتحا وسداد ونظرا وتطبيقا جزاكم الله خيرا الحسن اوبيلا من المغرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *