الرئيسية / النظم السياسية / التحول الديمقراطي / الموجه الثانية من ثورة الشباب العربي: تحليل لانتقال الإرادة الشعبية
الموجه الثانية من ثورة الشباب العربي: تحليل لانتقال الإرادة الشعبية
الموجه الثانية من ثورة الشباب العربي: تحليل لانتقال الإرادة الشعبية

الموجه الثانية من ثورة الشباب العربي: تحليل لانتقال الإرادة الشعبية

الموجه الثانية من ثورة الشباب العربي: تحليل لانتقال الإرادة الشعبية

 

د. صبري محمد خليل

أستاذ فلسفه القيم الإسلامية في جامعه الخرطوم

 

أولا: ملخص الدراسة:

إن مصطلح “ثوره الشباب العربي” أصدق في التعبير من مصطلح “الربيع العربي”، لأن الأول بشبر إلى ثورات شعبيه عربيه طليعتها الشباب العربي، بينما المصطلح الثاني يوحى بمحاوله استنساخ تجربه أوربية “ثورات: ربيع الأوطان في أوربا 1848، وربيع براغ 1968، وربيع أوربا الشرقية نهاية الثمانينات” على واقع مغاير على المستويين النظري والعملي لـ”الواقع العربي”.

وهي محاوله محكوم عليها بالفشل لأنها لا تراعى الفروق بين الواقعين، فضلاً عن أن المصطلح دعوة لاتخاذ موقف القبول المطلق من الليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب.

لثورة الشباب العربي موجتان: تتمثل الموجه الأولى، في سلسله الانتفاضات الشعبية العربية شبه المتزامنة، التي كان طليعتها الشباب، وكانت أداه الإعلام بها والتعبئة فيها الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي اندلعت شرارتها الأولى في تونس ( ثوره الياسمين 2011) ومنها انتقلت إلى مصر(ثوره 25 يناير 2011)، والتي نجحت في إسقاط عدد من الأنظمة العربية الاستبدادية سلميا، وبأساليب التغيير السياسي الديموقراطي، قبل أن تنجح القوى والنظم ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الإرادة الشعبية العربية، في تحويل مسارها في دول عربية أخرى، من المسار الجماهيري السلمي، إلى مسار طائفي مسلح “دموي” (سوريا، ليبيا، اليمن)، بهدف تشويه صورة هذه الثورة الشعبية السلمية، ومن ثم منع انتقالها إلى دول أخرى. وهذه الموجة هي تتويج لمرحلة التفعيل التلقائي للإرادة الشعبية العربية، ذلك أن مرحلة التعطيل “الارتدادي” للإرادة الشعبية العربية على المستوى الرسمي – والتي بدأت بتولي السادات السلطة في مصر بعد وفاه الزعيم جمال عبد الناصر عام 1970،وارتداده عن سياساته المجسدة للإرادة الشعبية العربية وأهدافها في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة – هي ذات مرحله ”ظهور الإرادة الشعبية العربية على المستوى الشعبي، فتعطيل الإرادة الشعبية العربية على المستوى السياسي، قد فتح المجال أمام تفعيلها على المستوى الشعبي، وفى ذات الوقت مهد الطريق أمام انتقالها من مرحله التفعيل الزعامي إلى مرحله التفعيل الجماهيري، والتي يدعمها تطور وسائل الإعلام الاتصال، وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام. وتشمل هذه المرحلة مرحلتين من مراحل تفعيل الإرادة الشعبية العربية على المستوى الشعبي، المرحلة الأولى هي مرحله التفعيل التلقائي، والتي أخذت شكل رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت ضد مظاهر تردى النظام السياسي العربي، ومشاريع محاوله إلغاء الإرادة الشعبية العربية، وقد حققت الإرادة الشعبية العربية في تلك المرحلة العديد من الانتصارات، تضمنت فشل المشاريع التي حاولت إلغاء الإرادة الشعبية العربية ”كمشروع الشرق الأوسط الامبريالي الصهيوني”، والمذاهب التي يلزم منها موضوعيا – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها – إلغاء الإرادة الشعبية العربية – كمذهب التقصير السياسي للدين ”الإسلام السياسة” ومذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة.

أما الموجه الثانية لثوره الشباب العربي فتتمثل مؤشراتها في الحراك الشعبي السلمي والذي طليعته الشباب أيضا، في العديد من الدول العربية كالسودان (ثورة ديسمبر 2018) والجزائر (الحراك الشعبي السلمي ضد ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية خامسة والمستمر إلى الآن)، والحراك الشعبي المطلبي في الأعوام الماضية في المغرب وتونس والأردن ولبنان…، وفي هذا العام في العراق ولبنان.

هذه الموجة مؤشرا على ضرورة انتقال الإرادة الشعبية العربية إلى مرحله جديدة من مراحل تفعيلها، وهي “المرحلة القصدية” والتي تتجاوز رد الفعل العاطفي التلقائي – إلى الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي، الذي يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من أهداف الإرادة الشعبية العربية في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والأصالة والمعاصرة.

وهذا الانتقال ضروري لضمان حفاظ الإرادة الشعبية العربية على الانتصارات التي حققتها في مرحله التفعيل التلقائي، وعدم إجهاض أعداء الأمه لهذه الانتصارات، فضلاً عن تحقيقها لمزيد من الانتصارات. وارتقاء الإرادة الشعبية العربية إلى مرحلة التفعيل القصدي لا يتحقق إلا بالالتزام بشروط تفعيلها، والتي تمثل خصائص الموجه الثانية من ثوره الشباب العربي.

 

ثانيا: المتن التفصيلي للدراسة:

تمهيد:

ثوره الشباب العربي وليس ربيع عربي: ترى الدراسة أن مصطلح ثورة الشباب العربي أصدق في التعبير من مصطلح الربيع العربي، لأن الأول يشبر إلى ثورات شعبيه عربية طليعتها الشباب العربي، بينما المصطلح الثاني يوحى بمحاولة استنساخ تجربه أوربية ”ثورات: ربيع الأوطان في أوربا 1848، وربيع براغ 1968، وربيع أوربا الشرقية نهاية الثمانينات” على واقع، مغاير على المستويين النظري والعملي ”الواقع العربي” وهى محاوله محكوم عليها بالفشل لأنها لا تراعى الفروق بين الواقعين، فضلاً عن المصطلح دعوة للاتخاذ موقف القبول المطلق من الليبرالية كفلسفة ومنهج ومذهب ذو أركان أربعة “الرأسمالية والعلمانية والفردية والديموقراطية في صيغتها الليبرالية”.

 

موجتان لثورة الشباب العربي:

ولثورة الشباب العربي موجتان:

الموجه الأولى:

تتمثل الموجة الأولي من ثوري الشباب العربي، في سلسلة الانتفاضات الشعبية العربية شبه المتزامنة، التي كان طليعتها الشباب، وكانت أداة الإعلام بها والتعبئة فيها الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي فيه (كالفيسبوك والتوتير واليوتيوب…)، والتي اندلعت شرارتها الأولى في تونس (ثوره الياسمين 2011) ومنها انتقلت إلى مصر (ثوره 25 يناير 2011)، والتي نجحت في إسقاط عدد من الأنظمة العربية الاستبدادية سلمياً، وبأساليب التغيير السياسي الديموقراطي، قبل أن تنجح القوي  والنظم ذات المصالح المتعارضة مع أهداف الإرادة الشعبية العربية، في تحويل مسارها في دول عربية أخري، من المسار الجماهيري السلمي، إلى مسار طائفي مسلح “دموي” (سوريا، ليبيا، اليمن)، بهدف تشويه صورة هذه الثورة الشعبية السلمية، ومن ثم منع انتقالها إلى دول أخرى.

مرحلة التفعيل التلقائي للإرادة الشعبية العربية: وهذه الموجة هي تتويج لمرحلة التفعيل التلقائي للإرادة الشعبية العربية. ذلك أن مرحلة التعطيل “الارتدادي” للإرادة الشعبية العربية على المستوى الرسمي – والتي بدأت بتولي السادات السلطة في مصر بعد وفاة جمال عبد الناصر عام 1970، وارتداده عن سياساته المجسدة للإرادة الشعبية العربية وأهدافها.

هي ذات مرحلة “ظهور” الإرادة الشعبية العربية على المستوى الشعبي، فتعطيل الإرادة الشعبية العربية على المستوى السياسي، قد فتح المجال أمام تفعيلها على المستوى الشعبي، وفى ذات الوقت مهد الطريق أمام انتقالها من مرحلة التفعيل الزعامي إلى مرحلة التفعيل الجماهيري، والتي يدعمها تطور وسائل الإعلام الاتصال، وظهور الخاصية التفاعلية للإعلام.

وتشمل هذه المرحلة مرحلتين من مراحل تفعيل الإرادة الشعبية العربية على المستوى الشعبي المرحلة الأولى هي مرحله التفعيل التلقائي، والتي أخذت شكل رد الفعل العاطفي- التلقائي/ المؤقت ضد مظاهر تردى النظام السياسي العربي، ومشاريع محاوله إلغاء الإرادة الشعبية العربية.

انتصارات الإرادة الشعبية العربية في مرحله التفعيل التلقائي:

فقبل قيام ثورة الشباب العربي حققت الإرادة الشعبية العربية في هذه المرحلة الكثير من الانتصارات، بدون أن يمثلها أو يعبر عنها أو يسعى لتحقيق أهدافها أي نظام سياسي معين، ومن هذه الانتصارات:

– 1-  الانتفاضات والثورات الشعبية السلمية، ضد تطبيق العديد من الأنظمة العربية النظام الاقتصادي الرأسمالي، تحت شعارات “الخصخصة” والتحرير والانفتاح والإصلاح الاقتصادي، والتي تظهر كل فتره في هذه الأنظمة حتى الآن.

ومن أهم هذه الثورات ثورتي 21أكتوبر 1964 و6 إبريل 1985 في السودان، واللتان مثلتا مرحلة متقدمة من الموجة الأولى لثورة الشباب العربي. ولكن لم يكتب لهما الشهرة الكافية في الوطن العربي، لأسباب متعددة أهمها عدم تطور وسائل الاتصال والإعلام في تلك الفترة.

– 2- تنامي المقاطعة الشعبية العربية للكيان الصهيوني ومناهضه التطبيع معه، والتي أضرت بالاقتصاد الإسرائيلي، وساهمت في الضغط – الاقتصادي – على الكيان الصهيوني، وتقديم دعم – معنوي – للشعب الفلسطيني .

– 3- تنامي مظاهر التدين الشعبي، وهى – في جوهرها – ظاهرة إيجابية، لأنها تعبير “ديني” عن رفض الإرادة الشعبية العربية لمظاهر التغريب والتخريب القيمي والأخلاقي، والتمرد على القيم الحضارية والدينية، التي تلازم تطبيق النظام الاقتصادي الرأسمالي. ولأن بنية التدين الشعبي العربي، السائد لدى الشعوب العربية، أنه سني “طبقا لمذهب الشمول الشرعي لمصطلح أهل السنة”، وهذه البنية تعنى أن التدين الشعبي العربي يتسم بالاعتدال والوسطية والبعد عن الغلو والتطرف لأنه يستند إلى مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي لمفاهيم التكفير والقتال. والمطلوب هو الارتقاء بظاهرة تنامي التدين الشعبي أمن مرحلة رد الفعل العاطفي التلقائي إلى مرحلة الفعل العقلاني، وترقية الوعي الشعبي الديني، وتقديم الفهم الصحيح للدين، ومحاربة أنماط التفكير البدعي – وليس إلغائها كما يرى بعض أنصار التيار التغريبي – أما بعض المظاهر السلبية كالتدين الشكلي ”المظهري والتظاهري “، والاتجار بالدين، والتوظيف السياسي للدين، كما في “مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي”… التي تزامنت في الظهور معها، فلا تعبر عن هذه الظاهرة وجوهرها، بل هي محاولات لتوظيفها واستغلالها، لتحقيق أهداف شخصية أو حزبية ضيقة.

– 4- استمرار المقاومة الشعبية الفلسطينية لهضم الكيان الصهيوني لحقوق الشعب الفلسطيني، ممثله في الانتفاضات الشعبية الفلسطينية الثلاثة: انتفاضة أطفال الحجارة عام 1987 والتي أجبرت الكيان الصهيوني على الاعتراف بالسلطة الفلسطينية. ثم انتفاضة الأقصى عام 2000, والتي أدت إلى تعاطف العالم مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وهو ما أثمر اعتراف العديد من الدول بالسلطة الفلسطينية. ثم ثورة السكاكين 2015, والتي أربكت الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية داخل الكيان الإسرائيلي. ثم الإضراب العام في الأراضي الفلسطينية، المؤيد لمطالب الأسري المضربين عن الطعام في المعتقلات الإسرائيلية، والذي انتهى برضوخ سلطة الكيان الصهيوني لمطالبهم، ثم المظاهرات الشعبية المناهضة لقرار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

– 5 – دحر المقاومة الوطنية اللبنانية للاعتداء الصهيوني على لبنان، والتي شملت أفراد وشخصيات و مؤسسات وكيانات وأحزاب وقوى لبنانيه متعددة التوجهات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ونجحت في طرد الاحتلال الصهيوني من جنوب لبنان عام 2002.

– 6-  نجاح المقاومة الوطنية العراقية، في توجيه ضربات قاضمه للاحتلال الأمريكي للعراق، والهادف إلى الاستيلاء على احتياطي النفط الضخم في العراق، والقضاء على القوه العسكرية المتنامية للعراق، أدت إلى انسحاب الجيش الأمريكي لاحقا- مع بقاء السلطة السياسية ”الفعلية” للاحتلال الأمريكي، من خلال إبقاء الكيانات السياسية الطائفية المتعاونة معه في السلطة – قبل أن تعمل أمريكا وحلفائها في المنطقة، على تحويل الصراع من صراع بين محتل ومقاوم، إلى صراع طائفي بين السنه والشيعة (تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وغيره من مليشيات مسلحة سنية من جهة، والمليشيات الشيعية المسلحة من جهة أخرى).

– 7-  تنامي الوعي الشعبي العربي: تنامي الوعي الشعبي العربي عامة، والوعي الشعبي الديني خاصة، بفضل جهود علماء مشهود لهم بالعلم، بينوا الفهم الصحيح للدين، وأبرزوا وسطية الإسلام وبعده عن الغلو والتطرف، وظهور العديد من الاجتهادات في إطار الفكر الإسلامي المعاصر، والتي أكدت على عدم تناقض الإسلام كدين مع التفكير العلمي والعقلاني والتقدم والتطور الاجتماعي، وضحت جوانب الاستنارة في التراث الفكري للعلماء المسلمين… وقد ساهم في تنامي هذا الوعي الشعبي تطور وسائل الاتصال والإعلام في عصرنا.

– 8-  فشل المشاريع التي تهدف الى الغاء الإرادة الشعبية العربية: “مشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي الصهيوني”.

ومن انتصارات الإرادة الشعبية العربية في هذه المرحلة، أن المشاريع التي تهدف إلى إلغائها، قد انتهت إلى الفشل في إلغائها – وإن نجحت في تعطيلها، ومن هذه المشاريع مشروع الشرق الأوسط الجديد “الامبريالي – الصهيوني”، الذى نجح في الارتداد بالنظام السياسي العربي خطوات تجاه التفتيت على أساس طائفي، لكنه فشل في التحكم في هذا الارتداد، فافرز عدد من الظواهر، التي تجاوز تأثيرها السلبي النظام السياسي العربي، إلى الدول والقوى “العالمية والإقليمية والمحلية” التي تقف خلف هذا المشروع، من هذه الظواهر:

ا/ تنامي ظاهره الإرهاب، إلى الحد الذي خرج عن سيطرة هذه الدول التي ساهمت في نشوء هذه الظاهرة عن قصد أحيانا، وبدون قصد أحيانا أخري، وتضررها منها.

ب/ تدفق اللاجئين على الغرب، مما أدى إلى تنامي الحركات السياسية اليمينية والعنصرية والمتطرفة في الغرب، الرافضة لأى تغيير في التركيبة الديموغرافية “السكانية” للمجتمعات الغربية، والذي قد يترتب عليه تغيير في الهوية الحضارية والدينية “المسيحية”.

ج/ الفوضى السياسية الناتجة من إسقاط الولايات المتحدة لبعض النظم العربية ““كإسقاط صدام حسين في العراق”، ومحاولتها تحويل ثوره الشباب العربي من مسارها الجماهيري السلمي، إلى مسار طائفي مسلح في بعض الدول العربية، مما أضعف مقدرة الولايات المتحدة ذاتها على فرض إرادتها السياسية على النظم السياسية العربية التالية لإسقاط أو سقوط هذه النظم.

وأخيرا/ فقد فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد في إلغاء الروابط الموضوعية “التاريخية، الحضارية، الدينية، الجغرافية..” التي تربط أجزاء الامة العربية، وتشدها إلى بعض، أي فشل في إلغاء الوحدة العربية على المستوى الشعبي- رغم نجاحه في تحقيق مزيد من التجزئة على المستوى الرسمي “السياسي”.

–9 –  فشل المذاهب التي يلزم منها موضوعيا – وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها – محاوله إلغاء الإرادة الشعبية العربية:

ومن انتصارات الإرادة الشعبية العربية أن المذاهب التي يلزم منها موضوعيا -وبصرف النظر عن النوايا الذاتية لأنصارها – محاوله إلغاء الإرادة الشعبية العربية، قد انتهت إلى الفشل في إلغائها – وإن نجحت في تعطيلها، ومن هذه المذاهب:

 

المذهب الأول/ مذهب التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي”:

ا/تعريفه:

هو مذهب معين في تفسير طبيعة العلاقة بين الدين والسياسة، يقوم على إثبات العلاقة بينهما، ولكنه يتطرف في هذا الإثبات إلى درجه جعل العلاقة بينهما علاقة تطابق وخلط. فهذا المذهب لا يتسق مع المنظور السياسي الإسلامي، الذي يجعل العلاقة بين الدين والدولة علاقة وحدة وارتباط “وليست علاقة خلط أو تطابق كما في الثيوقراطية”، لأن السلطة في المنظور السياسي الإسلامي مقيدة بمفاهيم وقيم قواعد كلية، مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعي الدلالة “كالشوري والعدل والمساواة….إلخ.

وعلاقة تمييز “ليست علاقة فصل كما في العلمانية”، لأن الإسلام – ميز بين التشريع كوضع إلهي ثابت والاجتهاد ككسب بشرى متغير. كما أن هذا المذهب يساوى بين الدين والسياسة في الدرجة، وقد يتطرف فيجعل السياسة أعلي درجة من الدين، حين يجعل الغاية هي الدولة – السلطة، والوسيلة هي الدين. بينما الدين هو الأصل “الغاية” والسياسة هي الفرع “الوسيلة”، وهو ما أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر …) (الحج).

مرجع تطرف مذهب التفسير السياسي للدين في إثبات العلاقة بين الدين والدولة أن هذا المذهب إنما ظهر في المجتمعات المسلمة في العصور الحديثة والمعاصرة كرد فعل على الليبرالية، والتي باستنادها إلى العلمانية نفت أي علاقة للدين بالدولة.

 

ب/ بدعيته: هذا المذهب هو بدعة في ذاته “أي يستند إلى مفاهيم بدعية”، ومن أهم هذه المفاهيم هو القول بأن الإمامة “بمعنى السلطة” أصل من أصول الدين وليست فرع من فروعه، وهو ما يخالف مذهب أهل السنة في الإمامة، والقائم على أن الإمامة هي فرع من فروع الدين وليست أصل من أصوله، كما قرر علماء أهل السنة، يقول الآمدي (واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور الابدِّيَّات … ) (غاية المرام في علم الكلام : ص 363).

كما أن هذا المذهب بدعة فيما يلزم منه، أي يلزم منه مفاهيم بدعية، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: تكفير المخالف في المذهب، وهو يخالف مذهب أهل السنة، القائم على إباحة الخلاف في فروع الدين دون أصوله، وبالتالي عدم جواز تكفير المخالف في المذهب، يقول ابن مفلح (لا إنكار على من اجتهد فيما يسوغ منه خلاف في الفروع) (الآداب الشرعية 1/186).

ثانيا: إباحة الاختلاف “التعدد” على مستوى أصول الدين: وهو ما يتناقض مع ما قررته النصوص، من النهى عن الاختلاف، على مستوى أصول الدين، التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة: يقول تعالى (وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ~ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( آل عمران: الآية (104).

ج/ الفتن التي تلزم منه: ويلزم من مذهب التفسير السياسي للدين – باعتبار بدعيته – العديد من الفتن التي نهت عنها النصوص وحذر منها علماء الإسلام، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

أولا: فتنه التفرق في الدين.

ثانيا: فتنه الرجل في دينه وبيعه الدين بعرض الدنيا.

ثالثا: فتنه الأئمة المضلين.

رابعاً: فتنة الهرج وهو القتل.

 

د/ عدم تعبيره عن الإرادة الشعبية العربية: أن بدعية هذا المذهب ومخالفته لمذهب أهل السنة – بتفريعاته الكلامية والفقهية المتعددة – والذي أصبح جزء من البنية الحضارية لأغلب الشعوب والأمم المسلمة – بما فيها شعوب الأمة العربية – يلزم منها أن شعوب الأمة العربية – وإن قبلت بأي حزب سياسي يتبنى هذا المذهب في البداية – كاستجابة تلقائية لنداء الإسلام، الذي يشكل هيكلها الحضاري، ولأنها تجهل حقيقة تبنى هذا الحزب لهذا المذهب الذي يتعارض مع مفاهيم وقيم وقواعد الدين الكلية ومذهب أهل السنة – إلا أن هذه الشعوب في خاتمة المطاف، سترفض الأحزاب السياسية، التي تتبنى هذا المذهب، ما توافرت لها شروط الرفض الذاتية “الوعي”، والموضوعية “الإرادة “. فهذه الأحزاب لا تعبر عن الإرادة الشعبية العربية.

ويمكن التدليل على صحة ما سبق من الحقائق التالية:

أولا: رغم أن بعض هذه الأحزاب السياسية حازت المرتبة الأولى، في الانتخابات التي أجريت في بعض الدول العربية، بعد سقوط أنظمتها الاستبدادية، بعد ثوره الشباب العربي “تونس، مصر“، إلا أن نتائج هذه الانتخابات لا تثبت أنها تعبر عن الإرادة الشعبية لشعوبها.

ففي تونس أثبتت نتائج الانتخابات أن حركه النهضة نجحت في التقدم على غيرها من الأحزاب التونسية – لتحرز المرتبة الأولى- إلا أنها لا تثبت أن الحركة تعبر رأى أغلبية الشعب التونسي، نسبة لضعف الإقبال على الانتخابات، ولأن النسب التي حصلت عليها الحركة لم تكن مرتفعة، فقد بلغت نسبة المشاركة 54,1 % فقط ، وفازت حركة بنسبه 41,47% فقط.

وفى مصر أثبتت نتائج الانتخابات تقدم حزب الحرية والعدالة – الذراع السياسي لجماعه الإخوان المسلمين – على غيره ليحرز المرتبة الأولى، إلا أنها أيضا لا تثبت أنه يعبر عن رأى أغلبية الشعب المصري، نسبه لضعف الإقبال على الانتخابات، وعزوف الكثيرين عن المشاركة فيها “ما اصطلح عليه بظاهرة حزب الكنبة”، ولأن النسب التي حصل عليها لم تكن مرتفعة، ففي انتخابات مجلس الشعب المصري 2011-2012 كانت نسبة المشاركة حوالي 54 % فقط. وحصل حزب الحرية والعدالة على 44.6 % فقط من أصوات الناخبين. وفي الجولة الأولي لانتخابات رئاسة الجمهورية 23 و24 مايو 2012، كانت نسبة المشاركة 46.4 % فقط. وحصل مرشح الحزب محمد مرسي على نسبه 24.8 % فقط. وكانت نسبة المشاركة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية التي اقترحها الحزب لاحقا 41.2.% فقط.

ثانيا: أن هذه الأحزاب فقدت عند وصولها للحكم ما تملك من شعبيه وفشلت في الاستمرار فيه. ففي تونس ورغم نجاح حركة النهضة في الانتخابات الأولى، إلا أنها فشلت في الحكم وتآكلت شعبيتها، بسبب فشلها في معالجه الكثير من الملفات وأهمها الملفين الأمني والاقتصادي، لذا فشلت في الانتخابات التالية في الاحتفاظ بالمرتبة الأولى، وجاءت في المرتبة الثانية بنسبة (31,79%)، لتتقدمها حركة نداء تونس في المرتبة الأولى، التي حصلت على بنسبة (38,71%). أما في مصر فانه رغم فوز الذراع السياسي للجماعة في الانتخابات إلا أنها فشلت في حكم مصر، فلم تستطيع البقاء في الحكم إلا لسنة واحدة، ارتكبت خلالها وقبلها أخطاء فادحة، أدت إلى خروج

30 مليون مصري ضدها، ومن ثم انحياز الجيش إليهم في 30 يونيو. وأخيرًا فإنه وبعد سقوط حكم الجماعة لم تلجأ إلى انتهاج أساليب سلمية ديموقراطية، ولم تستند إلى الإرادة الشعبية المصرية، في محاولتها العودة إلى الحكم، بل لجأت إلى أساليب غير شرعيه، تتضمن العمليات الإرهابية والاغتيالات السياسية والتخريب، وتحريض الجماعات المتطرفة ضد الدولة، ومحاولة تدمير الاقتصاد المصري، ومحاولة الوقيعة بين مصر وجيرانها وأشقائها العرب… وكلها أساليب لا تخدم إلا أهداف أعداء الأمة كالنشاط التخريبي للكيان الصهيوني، والسياسات الامبريالية في المنطقة العربية.. مما أدى إلى فقدانها ما تبقى لها من شعبية، واعتبارها جماعه إرهابية، ومن ثم حظر نشاطها .

 

ثالثا: إن وصول هذه الأحزاب للحكم في العديد من الدول العربية، سواء عبر الانتخابات “تونس مصر أو بانقلاب عسكري “السودان”، وتحالف أغلبها قبل ذلك مع أنظمة استبدادية، ومحاوله بعضها تغيير بعض أنظمة الحكم العربية باستخدام القوة المسلحة، وبدون أي ضوابط شرعيه أو أخلاقية… كل هذا أدى إلى فقدان هذه الأحزاب ما كانت تملكه من قبول شعبي قبل ذلك. وهو الأمر الذي شجع العديد من الدول العربية – مثلا – على حظر جماعه الإخوان المسلمين واعتبارها جماعة إرهابية “كمصر والأردن وموريتانيا والسعودية ودول الخليج العربي عدا قطر – وهو أحد أسباب الخلاف الخليجي الأخير- مع ملاحظة أن بعض هذه الدول تعاطفت في السابق مع الجماعة أو آوت بعض عناصرها، لكن الجماعة أسست تنظيمات سرية، واتهمت بأنها تهدف إلى قلب نظام الحكم في هذه الدول.

 

ضرورة المراجعة الفكرية:

أن شرط استمرارية هذه الأحزاب والحركات السياسية، هو إجرائها لمراجعه فكرية شاملة لمذهبها، تتضمن: انتقالها من التفسير السياسي للدين “الإسلام السياسي“، الذي يتعارض مع هوية التدين الشعبي لأغلب الشعوب المسلمة إلى التفسير الديني للسياسة “السياسة الشرعية الإسلامية”، الذي يتسق مع هوية التدين الشعبي لأغلب الشعوب المسلمة – ومنها الشعب العربي.

 

المذهب الثاني: مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة:

تنظيمات الغلو في التكفير قطاع من الإسلام السياسي:

نشطت في المجتمعات المسلمة عامة والعربية خاصة، في الفترة الأخيرة العديد من التنظيمات السياسية، التي تستند إلى مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة كتنظيم القاعدة بتنظيماته الفرعية المتعددة، وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، وأنصار الشريعة، وبوكو حرام، وأنصار بيت المقدس… إلخ.

هذه التنظيمات هي قطاع من الإسلام السياسي، أي أنها تتبنى إحدى صيغ مذهب التفسير السياسي للدين، فتلتقي فيما يتصل بمشكلة العلاقة بين الدين والدولة – مع الأحزاب السياسية التي تتبنى مذهب التفسير السياسي للدين، في بدعة التطرف في إثبات العلاقة بن الدين والدولة، إلى درجه جعلها علاقة تطابق وخلط وليست علاقة ارتباط ووحدة (وليس خلط كما في الثيوقراطية) من جهة، وتمييز (وليس فصل كما في العلمانية) من جهة أخري، ولا تختلف عنها إلا في أنها تقول بتكفير المخالف لها في المذهب صراحة وعلنا – لا ضمنا وسرا كما في هذه الأحزاب السياسية – التي تستخدم مفهوم التقية ذي الأصول الشيعية – إذ أن تكفير المخالف هو من لوازم مذهب التفسير السياسي للدين البدعي.

بدعية مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة:

يقوم مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة على بدعيتين بينهما علاقة تلازم، البدعة الأولى هي الغلو في التكفير، ويلزم منها البدعة الثانية وهي استحلال الدماء المحرمة “كدماء المسلمين وأهل الذمة والمعاهدين وغير المقاتلين من الكفار..”، فهو مذهب يقوم على الإطلاق البدعي لمفهومي التكفير والقتال، من خلال عدم الالتزام بضوابطهما الشرعية، وهو مذهب يفارق مذهب أهل السنة، لأنه يقوم على الضبط الشرعي لهذين المفهومين، من خلال الالتزام بضوابطهما الشرعية. كما أن هذا المذهب يتعارض مع قاعدة تحريم الخروج بالسيف، أي التغيير باستخدام القوه المسلحة، والتي أجمع عليها علماء أهل ألسنه يقول الإمام النووي (وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرام بإجماع المسلمين – وإن كانوا فسقة ظلمة – وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق) (شرح مسلم12/432-433).

وقد أجمع علماء أهل السنة، على كون مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المعصومة – الذي مثله في عصرهم الخوارج – مذهب بدعي ضال، وانه يجب قتال أصحابه في حال تطبيقهم لمذهبهم في استحلال الدماء المعصومة، يقول الإمام ابن تيمية (َإِنَّ الاُمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ وَتَضْلِيلِهِمْ … ) ( الفتاوى : 28/518 ).

تعارض المذهب مع هوية التدين الشعبي العربي: وبدعية مذهب الغلو في التكفير واستحلال الدماء المحرمة، ومخالفة لمذهب أهل ألسنه في الضبط الشرعي لمفهومي التكفير والقتال يعنى أن هذا المذهب يتعارض مع هوية التدين الشعبي لأغلب الشعوب المسلمة.

استنادا إلى ما سبق نقرر الآتي:

أولا: أن هذه التنظيمات تشوه صورة الإسلام (الذي يقوم على الوسطية ويرفض التطرف “الغلو فى الدين”)، والمسلمين (لأن أغلبهم ينتمون إلى مذهب أهل السنة القائم على الضبط الشرعي لمفهومي التكفير والقتال)، وتضر بالدعوة الإسلامية، ولا تخدم إلا أعداء المسلمين – بوعي أو بدون وعى- والأدلة على هذا كثيرة منها: إنها تؤجج الفتنه الطائفية، وهو ما يخدم مشروع الشرق الأوسط الجديد الامبريالي الصهيوني، الهادف إلى تحويل الدول العربية إلى دويلات طائفية.

ثانيا: أن نشاط هذه التنظيمات في الفترة الاخيرة هو مؤشر لنهاية الإسلام السياسي – لأنها قسم منه، أي تتبنى إحدى صيغ مذهب التفسير السياسي للدين كما أشرنا أعلاه – ولجوء أنصار أي فكرة إلى العنف، هو مؤشر على نهاية هذه الفكرة، وفشل أصحابها في إقناع الناس بصحتها بالحوار والحجة، كما أنه مؤشر على ضعف الولايات المتحدة الأمريكية، وضعف قبضتها على المنطقة العربية، لأنها ساهمت في تكوين هذه التنظيمات – بمساعدة حلفائها – بهدف تحقيق أهدافها في المنطقة، لكن هذه التنظيمات خرجت لاحقا عن سيطرتها، وضربت في العمق ذات القوى الدولية والإقليمية التي ساهمت في تكوينها.

 

الموجه الثانية:

الموجه الثانية من ثورة الشباب العربي وانتقال الإرادة الشعبية العربية الى مرحله التفعيل القصدي:

أما الموجه الثانية لثوره الشباب العربي فتتمثل مؤشراتها في الحراك الشعبي السلمي والذي طليعته الشباب أيضا، في العديد من الدول العربية كالسودان والجزائر والمغرب وتونس والأردن ولبنان…”، وجوهر هذه الموجة هو انتقال الإرادة الشعبية العربية إلى مرحلة جديدة من مراحل تفعيلها، وهى المرحلة “القصدية” والتي تتجاوز رد الفعل التلقائي – إلى الفعل العقلاني- المستمر – المنظم / المؤسساتي، الذي يهدف إلى تحقيق ما هو ممكن من أهداف الإرادة الشعبية العربية في الحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة والأصالة والمعاصرة.

هذا الانتقال ضروري لضمان حفاظ الإرادة الشعبية العربية على الانتصارات التي حققتها في مرحله التفعيل التلقائي، وعدم إجهاض أعداء الأمة لهذه الانتصارات، فضلا عن تحقيقها لمزيد من الانتصارات.

 

شروط تفعيل مرحله التفعيل القصدي كخصائص للموجه الثانية من ثورة الشباب العربي:

ارتقاء الإرادة الشعبية العربية إلى مرحلة التفعيل القصدي لا يتحقق إلا بالالتزام بشروط تفعيلها، والتي تمثل خصائص الموجه الثانية من ثوره الشباب العربي، ومن هذه الشروط:

  • الارتقاء بالوعي الشعبي العربي “الديني، السياسي، الثقافي…” باعتبار أن الوعي شرط الإرادة.
  • محاربة أنماط التفكير الخرافي والأسطوري والبدعي، والالتزام بأنماط التفكير العلمي والعقلاني – التي لا تتناقض مع الوعي – والفهم الصحيح للدين .
  • توظيف الخاصية التفاعلية، التي تميز هذه المرحلة من مراحل تطور وسائل الإعلام والاتصال، في الارتقاء الإرادة الشعبية العربية، من مرحلة التفعيل التلقائي إلى مرحلة التفعيل القصدي، من خلال ترقية الوعي الشعبي، واتاحة الفرصة للإرادة الشعبية للتعبير عن ذاتها، ومحاربة محاولات توظيفها لتعطيل الإرادة الشعبية العربية من خلال الانحطاط بالوعي الشعبي، وتزييف الإرادة الشعبية .
  • قيام الإرادة الشعبية العربية بكل الخطوات الممكنة تجاه أهدافها في الوحدة والحرية والعدالة الاجتماعية والحرية والأصالة والمعاصرة، علي المستوى الشعبي قبل المستوى الرسمي.
  • تفعيل العمل الخيري والتطوعي لمنظمات المجتمع المدني العربي، في مجال غوث وإعانة وتوطين واستقبال اللاجئين من الدول العربية التي تعانى من صراعات مسلحة، نتجت من تحويل القوى التي تقف وراء مشروع الشرق الأوسط الجديد ““الامبريالي الصهيوني” مسار ثورة الشباب العربي من المسار السلمي، إلى مسار طائفي مسلح. مع التأكيد على أن الحل الوحيد لهذه الصراعات، والآثار السلبية المترتبة عليها. بل الحل السياسي السلمي. وأن الحل العسكري لن يؤدى إلا إلى إطالة أمد هذه الصراعات، وبالتالي تضخم حجم الآثار السالبة المترتبة عليه.
  • إن تردى النظام السياسي العربي نحو مزيد من التجزئة “التفتيت”، مع ما يلزم من ذلك من زيادة احتمالات انزلاقه نحو الفوضي، يقتضى عدم السكوت عن هذا التردي، أو محاولة إيقافه باستخدام العنف ضد النظام السياسي العربي، بل العمل على إيقاف هذا التردي بأساليب سلمية، وذلك بضغط الإرادة الشعبية العربية على النظام السياسي العربي بأجزائه المتعددة – بأساليب سلمية – بهدف دفعه نحو التوافق “المشاركة”، والإصلاح “التغيير السلمي التدريجي” – بشرط بعدم اكتمال توافر الشروط الذاتية والموضوعية “للثورة” في الجزء المعين، مع الالتزام بالسلمية حتى في الحالة الأخيرة.

 

  • التمييز بين بين الديموقراطية والليبرالية: التميز بين الليبرالية كفلسفة طبيعية على المستوى الوجودي، فردية على المستوى الاجتماعي، وكمنهج للمعرفة يستند إلى فكرة القانون الطبيعي، والتي مضمونها أن “مصلحة المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال سعى كل فرد لتحقيق مصلحته الخاصة”، وكأسلوب شامل متكامل للحياة: رأسمالي في موقفه من الاقتصاد، علماني في موقفه من الدين، فردى في موقفه من المجتمع، ديمقراطي ليبرالي في موقفه من الدولة… والديموقراطية كنظام فني لضمان سلطة الشعب ضد استبداد الحكام.

فالأخيرة (الديموقراطية) وليست الأولى(الليبرالية)، هي غاية أساسية من غايات ثورة الشباب العربي – وكذا الإرادة الشعبية العربية – ويترجم هذا التمييز بالدعوة إلى العمل على تخليص الديمقراطية من الليبرالية كفلسفة ومنهج وأسلوب حياه شامل (رأسمالي، فردي، علماني..) وذلك بالديمقراطية ذاتها لا بإلغاء الديمقراطية، أي بالاحتكام إلى الشعب.

  • رفع التعارض بين أنماط التغيير بالالتزام بمفهوم المفاضلة: الجمع بين أنماط التغيير المتعددة، على وجه يرفع التعارض “التناقض” بينها، بالالتزام بمفهوم المفاضلة الذي أشارت إليه كثير من النصوص كقوله تعالى (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة: 19). وقوله صلى الله عليه وسلم (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ) (مسلم). وكما – اتساقا مع العلماء، يقول الإمام الغزالي (وترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور) (الإحياء 3/403)، ومضمون المفهوم هو تقديم نمط تغيير معين على نمط تغيير أخر زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار نمط التغيير الأول هو الأصل، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر إمكانية التزام به، بينما نمط التغيير الثاني هو الفرع، وبالتالي عدم الالتزام به إلا في حالة عدم توافر إمكانية الالتزام بنمط التغيير الأول.

ا/ المفاضلة بين الإصلاح والثورة: إن تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي التغيير: الإصلاح والثورة، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما، على وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم الإصلاح على الثورة زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار الإصلاح هو الأصل، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر إمكانية التزام به، بينما الثورة هي الفرع، وبالتالي فإن الالتزام بها إلا يكون في حالة عدم توافر إمكانية الالتزام بالإصلاح.

ب/ المفاضلة بين السلمية واستخدام القوة: كما أن تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي الثورة: السلمية واستخدام القوة، إنما يتحقق من خلال الجمع بينهما، علي وجه يرفع التعارض (التناقض) بينهما، من خلال تقديم الأساليب السلمية على استخدام القوة زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار الأساليب السلمية هي الأصل، وبالتالي الالتزام بها ما دامت تتوافر إمكانية التزام بها، بينما استخدام القوة هو الفرع، وبالتالي فإن الالتزام بها إلا يكون في حالة عدم توافر إمكانية الالتزام بالأساليب السلمية.

ج/ المفاضلة بين استخدام القوة الذاتية والاستعانة بقوة خارجية: كما أن تطبيق مفهوم المفاضلة على نمطي استخدام القوة: استخدام القوه الذاتية والاستعانة بقوة خارجية، إنما يتحقق من خلال تقديم استخدام القوة الذاتية على الاستعانة بقوة خارجية زمانيا وقيميا، وذلك باعتبار استخدام القوه الذاتية هو الأصل فى استخدام القوة، وبالتالي الالتزام به ما دامت تتوافر إمكانيه التزام به، بينما الاستعانة بقوة خارجية هو الفرع، وبالتالي فإن الالتزام به إلا يكون في حالة عدم توافر إمكانيه الالتزام استخدام القوة الذاتية.

عن admin

شاهد أيضاً

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية دعوة لتقديم المقترحات برنامج المنح البحثية (الدورة الثامنة)  “الصحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *