الرئيسية / علوم بينية / علم اجتماع السياسة / الأنظمة الأبوية المستحدثة في العالم العربي الحديث
الأنظمة الأبوية المستحدثة في العالم العربي الحديث
الأنظمة الأبوية المستحدثة في العالم العربي الحديث

الأنظمة الأبوية المستحدثة في العالم العربي الحديث

الأنظمة الأبوية المستحدثة في العالم العربي الحديث

الأبوية البورقيبية -نموذجاً-

أ:مـراد مهني

جــامعة تـونس

Résumé

Cet article s’intéresse à une problématique centrale concernant les fondements culturels des régimes politiques arabes contemporains et en particulier le régime bourguibien en Tunisie.

L’hypothèse guide qui a orienté cette étude pourrait être formulée ainsi « L’essence du régime politique bourguibien n’est ni présidentiel ni présidentialiste comme on avait suggéré, il est plutôt un régime Néopatriarchal au sens  qu’a attribué  Max Weber et  a été développé notamment par « Hichem Charabi »

En effet Bourguiba a essayé dés les premières années de l’Independence de concrétiser ce régime Néopatriarchal en évitant les deux obstacles majeurs qui menaçaient son projet et qui sont d’une part la Monarchie des Beys Husseinites et d’autre part l’institution tribale.

مقدمة

باغتت “ثورة الكرامة” في تونس كل المنظّرين والمحلّلين السياسيين شرقا وغربا وجعلتهم يراجعون قراءاتهم للواقع السياسي والاجتماعي العربي الذي عرف تسونامي حقيقي مازال يجرف أنظمة متهاوية كما يجرف أحكاما نمطية كرّست دونية الشعوب العربية واستكانتها للاستبداد السياسي .

إن هذه المراجعات يجب أن تتعلق في تقديري بجهد حفري يهدف الى كشف مرجعيات ثقافتنا السياسية وتفاعلاتها مع المتغيرات السياسية والثقافية التي يفرضها المحيط الإقليمي والدولي وفي هذا الإطار اعتمدنا منهجا تاريخيا عتبته الأولى صدمة الحداثة باعتبارها لحظة تأسيسية.

رغم أن فيبر كان قد تنبّه إلى خصوصية المجتمعات الإسلامية التي  تحكمها أساسا سلطة أبوية إلاّ أنه اعتبرها نمطا من أنماط السّلط التقليدية التي لا تستطيع التأقلم مع المدّ الحداثوي1. إن إعادة قراءة فيبر على ضوء خصوصيات حركة “النهضة العربية “قد يمكننا من فهم أعمق لجوهر ثقافتنا السياسية حيث أن الحداثة لم تستطع إلغاء البطريركية كما يؤكد ذلك هشام شرابي إذ تفاعلت الأنظمة الأبوية مع المدّ الحداثوي وأنتجت نظاما هجينا ناجما عن تزاوج تعسفي بين مرجعية تقليدية ومظهر حديث سماه شرابي بالأبوية المستحدثة 2.

إن الممارسات الأبوية كانت ولا زالت تخترق كل مجالات الواقع الاجتماعي والسياسي ابتداء من العائلة وصولا إلى السلطة السياسية 3 ممّا دفع شرابي إلى اعتبار الأبوية باراديغما في حدّ ذاته نستطيع بالاعتماد عليه أن نفسر مجموع الظواهر المميزة لحياتنا الاجتماعية والسياسية4.

لعلّ محاولتنا لتقصي آليات تشكل الأبويات المستحدثة في العالم العربي عموما والأبوية البورقيبية في تونس خصوصا قد تمكّننا من تجذير فهمنا لثقافتنا السياسية الراهنة.

.1تشكل الأبوية المستحدثة في العالم العربي الإسلامي:

 1.1اللحظة التأسيسيّة:

مثّلت ” صدمة الحداثة ” التي عرفتها المجتمعات العربية منذ حملة نابليون بونابرت على مصر (1798- 1801) اللحظة التأسيسية للنظام الأبوي المستحدث في الثقافة العربية الإسلامية حيث أفرز تفاعل نظام الحكم آنذاك – العثماني في أغلبه – مع هذه الحركة الحداثية ” تحديثا ” سطحيا5 لم يشمل في حقيقة الأمر إلا المؤسسة العسكرية وإصلاحات محدودة التأثير على المستوى التعليمي والسياسي تجسّمت من خلال تأسيس العديد من المدارس العصرية الحربية أساسا6.   لم تكن  هذه الإصلاحات في حقيقة الأمر نابعة من سيرورة تاريخية ومن حركة تاريخية داخلية المنشأ -Endogène- تلبي طموحات ومشاريع القوى الاجتماعية والسياسية “الوطنية” بل كانت استجابة فرضتها التغيرات الخارجية ولاسيما التهديد الاستعماري الأوروبي الساعي لضمان مصالحه في المنطقة العربية.

 إنّ “عهد الأمان“7 الذي حرّره احمد بن أبي الضّياف سنة (1857) في زمن قياسي تحت ضغط القناصل الأوربيين وتهديد السفن الحربية الفرنسية يبدو للباحث المعاصر وثيقة قانونية تشرّع التغلغل الاستعماري أكثر من كونها نصا حقوقيا حيث يقرّ هذا العهد المساواة بين الرعايا والأجانب في الحقوق التجارية والحريات الاستثمارية حتى وإن لم تخدم المصالح الوطنية.

إنّ هذا التحديث المادي المفرغ من كل مرجعية قيمية فرضته الأنساق الثقافية الموجهة والقائمة على الاستبداد السياسي الموظف للدين والذي أكدته حقيقة الإنجازات الشكلية واستمرارية آليات التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وقد أشار “روّاد حركة النهضةالعربية ” من أمثال رفاعة الطهطاوي إلى هذه الحقيقة حيث يقول في معرض حديثه عن أسس الحداثة الأوروبية: ” فلنذكر لك – مبادئ الحداثة –  وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا سنة رسوله…”8

مثّلت صدمة الحداثة إذا لحظة إرباكية للأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة على أساس مجتمع أبوي تقليدي يرتكز على توظيف الدين لتبرير وشرعنة الاستبداد السياسي، غير أن هذا الارتباك سرعان ما وقع احتواؤه من داخل المعايير الأبوية نفسها حيث وقع تبني الأشكال المادية للحداثة ومحاربة جوهرها ألقيمي باعتباره بدعة وضلالة

غايتها محاربة الإسلام ومبادئه9 وبذلك فإن النسق الأبوي حافظ على جوهره وغيّر شكله وأضاف شرعية جديدة لوجوده وهي مقاومة المستعمر غير أن هذه الشرعية لم تتبلور وتتشكل إلا إبان اللحظة الاستعمارية وما بعد الاستعمارية.

2.1 اللحظة الاستعمارية والأبوية المستحدثة:

مثلت اللحظة الاستعمارية منعرجا تاريخيا هاما في الثقافة العربية الإسلامية لأنها أوجدت واقعا جديدا أفرزه ذلك الاحتكاك المباشر بين حضارة الشرق والغرب ولئن تمكنت الدول الاستعمارية الأوروبية وبصفة خاصة فرنسا في شمال إفريقيا وبريطانيا في المشرق العربي من السيطرة عسكريا وسياسيا على البلدان العربية في أغلبها فإنها لم تؤثر كثيرا على بنية الثقافة العربية الإسلامية وثوابتها وإن كانت تأثيراتها في بعض البلدان العربية التي عرفت الشكل الاستيطاني للاستعمار – مثل الجزائر –  بالغة الوضوح على مستوى اللغة خاصة.

إن محدودية هذا التأثير الثقافي  يجب  أن لا تحجب عنا الحراك الاجتماعي والطبقي الذي نجم عن السياسات الاستعمارية حيث برزت نخبة من الزعماء السياسيين المنتمية طبقيا إلى ” البرجوازية الصغرى”10 والتي قادت الكفاح ” التحريري ” في الكثير من البلدان العربية وطبعت التجربة الكفاحية بإيديولوجياتها.

إن هذا الكفاح الذي قادته هذه النخبة جعلها تتبوأ مكانة هامة وتؤسس مشروعية الارتقاء في السلـّم الاجتماعي من خلال التضحيات والمعاناة الذي عرفها هؤلاء الزعماء غير أن أهمية هذه النخبة لا تكمن أساسا في نضاليّتها بل في تمريرها لمشروعها الإيديولوجي الذي قوّض أسس النظام القائم على أبوية تقليدية مرتبكة تبحث عن نفسها في ظل تحولات جوهرية فرضها الاستعمار الأوروبي.

لقد تمكّن هؤلاء الزعماء الواعون بهامشية مكانتهم في التراتبية الاجتماعية التقليدية والمدركون لتوفر الفرصة السانحة للصعود الاجتماعي  إبان اللحظة الاستعمارية من خطف الحكم الأبوي عن طريق إلباسه شكلا حديثا لا يتناقض مع الحداثة ولا يصطدم مع أسسها.

استفادت هذه النخب إذا من وضعية “الرجل المريض” التي عانت منها الإمبراطورية العثمانية وأسست نظاما أبويا مستحدثا لا  يصطدم مع الحداثة اصطداما مباشرا مثلما كان شأن حكام “عصر النهضة” منذ أواخر القرن الثامن عشر ولكنه لا يتماهى مع قيمها ومبادئها إلا على مستوى السّطح كما سيتأكد ذلك إبان قيام الدولة “الوطنية”  حيث أن دعوة زعماء الإصلاح إلى تبني مشروع الحداثة واعتماد أسسها وقيمها في الخطاب السياسي كانت دعوة صريحة جعلت عبد العزيز الثعالبي مؤسّس الحزب الحر الدستوري التونسي القديم في تونس لا يتردد في المناداة ” بتأويل القرآن تأويلا صحيحا… أي باختصار تأويلا مطابقا لمبادئ الثورة الفرنسية …”11 ، ولكن ذلك لم يمنع هؤلاء “الوطنيين” من الاستئثار بالسلطة ورفض الضوابط الديمقراطية  المتعلقة بتداول السلطة والحكم بإرادة الشعب في المرحلة المابعد استعمارية.

3.1 لحظة ما بعد الاستعمار والأبوية المستحدثة:

تمكن زعماء الأحزاب السياسية وضباط الجيش المنتمون إلى الطبقة البرجوازية الصغرى من الاستيلاء على السلطة في مرحلة ما بعد الاستعمار في العديد من أقطار العالم العربي ولاسيما الأقطار الأربعة الرئيسية: مصر، سوريا، العراق، الجزائر12 بالإضافة إلى تونس إبان الحكم البورڤيبي.

حاول هؤلاء الحكام تجسيم مشاريعهم التي أعلنوا عنها زمن الكفاح التحريري أومن خلال البيانات المصاحبة للانقلابات العسكرية ولكنهم اصطدموا بالعديد من الحواجز الداخلية والخارجية إلا أن القاسم المشترك بين كل هذه الأنظمة هو تنكرها للضوابط الديمقراطية التي يفرضها النسق الحداثي خاصة على مستوى تداول السلطة واحترام سيادة الشعب وضمان حقوق الإنسان، حيث رفضت هذه الأنظمة تجسيم مشروعها ولم تسع إلى التغيير الجوهري بل اقتصرت على تحقيق إنجازات اجتماعية مثل تعميم التعليم وتحسين ظروف العيش وتحرير المرأة (بالنسبة للنموذج التونسي) وأخرى اقتصادية مثل تركيز أسس صناعة ثقيلة وتأميم النفط … هذا إذا سلمنا بأن هذه الأنظمة قد تمكنت فعلا من التخلص من تبعيتها للمركز وهو أمر يثير الكثير من الجدل ويبدو غير واقعي بالنسبة لأغلب الباحثين في العلوم السياسية والاجتماعية والاقتصادية بمختلف توجهاتهم النظرية.

واجهت إذا هذه الأنظمة تحديات داخلية وخارجية وتفاعلت مع مختلف القوى الاجتماعية والسياسية لتفرز نمطا جديدا من الأبوية المستحدثة التي وإن لم تتنكر للحداثة في خطابها السياسي، فإنها أنكرتها على مستوى الممارسة وأعادت إنتاج البنى الأبوية التقليدية وصاغتها في شكل جديد يعتمد على بناء شرعية زعامية تستند إلى انجاز” الاستقلال عن المستعمر الأروبي”, هذه الشرعية الجديدة أعاقت الى حدّ كبير المشروع النهضوي لانها حولت مركز الاهتمام من آليات النهضة الى تقديس مشروع الزعيم الأوحد13.

 .2الأبوية البورڤيبية تؤسس الدولة الوطنية

2.1.تشكل الأبوية البورڤيبية

نجح بورقيبة خلال مؤتمر الحسم 14 في حسم أمر القيادة و إضفاء شرعية مؤسسية على زعامته و لكنه أثار في الآن نفسه زعامة صالح بن يوسف15 التي سرعان ما نازعته القيادة و التصور و الإستراتيجية بصفة علنية و صريحة غير أن إصرار بورڤيبة و البورڤيبين على محاربة خصومهم “اليوسفيين” مكّن الزعيم من إزالة آخر العواقب المعرقلة لتجسيم مشروع “وطني” مؤسس على تصور فردي يستمد مشروعيته من تفوق رؤيته الإستراتيجية.

هذا المشروع “الوطني” لم يكن حقيقة بناء مؤسساتيا بقدر ما كان بناء أبويا اخترق بفضله بورڤيبة  الو لاءات التقليدية وحطم أسسها من خلال تشريعات “ثورية” نجح الزعيم الأب في تنفيذها نجاحا فريدا خلال السنوات الأولي للاستقلال بالاعتماد على شخصية كارزمية لافتة من جهة وزبونية سياسية16 تدين بالولاء الشخصي لبورقيبة مقابل بعض الامتيازات      .

ترتكز الأبوية بوصفها نظاما رمزيا مؤسسا في اللاوعي الجمعي للثقافة العربية الإسلامية عموما و الثقافة التونسية خصوصا علي الولاء لمرجعيتين أساسيتين وهما المرجعية الدينية من جهة والمرجعية الاجتماعية القبلية من جهة ثانية.

مثلت هاتان المرجعيتان حاجزا أمام تنفيذ المشروع البورڤيبي الهادف إلى بناء أبوية مستحدثة قادرة على تأسيس دولة “وطنية” تدين بالولاء إلى بورقيبة بوصفه “رئيسا – أبا” ولذلك عمل الزعيم السابق على محاربتهما بلا هوادة.

2-1-1إلغاء النظام الملكي: تحطيم لصورة الباي الأب

تمثل الأسرة الحسينية مجسّمة في مؤسسة الباى المرجعية السياسية الشرعية باعتبارها امتدادا للخلافة الإسلامية في اسطنبول التي ولئن تم إلغاؤها من قبل “كمال أتاتورك : أب الأتراك ” الذي كان يمثل نموذجا لبورڤيبة منذ سنة 1924 إلا أن حضورها الرمزي بقي مستمرا بقوة في اللاوعي الجمعيّ مشكلة المرجعية الشرعية الوحيدة للحكم.

وقع إلغاء النظام الملكي في تونس بفعل صدور قرار 25 جويلية 1957 غير أن هذا القرار لم يكن ليصدر لولا إرادة الزعيم باعتبار أن إلغاء الملكية لم يكن هدفا سياسيّا للحزب الحر الدستوري “الجديد” على الأقل من خلال منطوق مؤتمراته.

إن ارتباط النظام الملكي بنظام الحماية  بفعل اتفاقيات 12 ماي 1881 كبّل مؤسسة الباي وجعلها رهينة لاستراتيجيات الدولة الفرنسية ومناوراتها. ولئن بقي نفوذ الباي قويّا على المستوى الرّمزي لارتباطه بالشرعية الدّينية فإنّ صلاحياته السّياسية تقلصت كثيرا لفائدة نظام الحماية ممّا أثار حفيظة- رعايا الباي- مدفوعين بإرادة صادقة للدّفاع عن مفهوم الخلافة17.

غير أن استكانة أغلب البايات وخضوعهم لإرادة المستعمر باستثناء المنصف باي18 خصوصا جعل شرائح عريضة من الشعب التونسي لاسيما الفئات المستنيرة التي تلقت تعليما عصريّا في المدرسة الصّادقية تفقد تدرجيا ولاءها لدولة الباي وبالتالي ولاءها لمرجعيته الأبويّة ولم يقتصر دور هذه الفئات الاجتماعية المنتمية في أغلبها إلى الطبقة الوسطى19  على فكّ ارتباطها بالمرجعية الأبوية “البايويّة” بل عملت على تأسيس شرعية جديدة للحكم.

ولئن لم يحارب “الحزب الحر الدستوري ” النظام الملكي في حد ذاته إلا أنه سحب منه بساط المبادرة و الفعل السياسي, وقد مثلت لحظة –المنصف باي- تهديدا لهذا المشروع إذ أيقظ هذا الباي من خلال مواقفه الوطنية مشاعر الولاء التقليدية20 إلا أن زعماء الحركة الوطنية تمكنوا آنذاك من استيعاب هذا الولاء في إطار ولاء وطني واسع يتماهى معهم إذ تفاعلت مبادرات المنصف باي الوطنية مع الحركات السياسية و الاجتماعية الاحتجاجية المناهضة لقرار خلعه وتعويضه بالأمين باي في 14 ماي 1943 لتنصهر في بوتقة واحدة وهي العمل الوطني 21.

غير أن هذا “الانصهار الوطني” لم يتعد حدود المنصف الباي الذي كانت سياسته متمايزة مع سياسة أسرته عموما مما جعل R.LETOURNEAU يتحدث عن حركة “منصفية“اعتبرها بمثابة ” روحانية جديدة في البلاد التونسية “22.

وتوضح تسمية – لجنة الدفاع عن المنصف باي- وهي لجنة شكلها الدستوريون أساسا لإلغاء قرار عزله مدى ارتباط المد الشعبي الولائي لمؤسسة الباي بشخص “المنصف”.

و اثر وفاة هذا الملك الشهيد على حد تعبير عمار الخليفي في منفاه الفرنسي يوم 1 سبتمبر 1948 سقطت آخر دعائم الولائية “للعرش الحسيني” و أصبح المجال مفتوحا لبورڤيبة لتأسيس ولائية أبوية مستحدثة على أنقاض أبوية تقليدية لم تتمكن من التأقلم مع مختلف المتغيرات الوطنية و الدولية .

إن الولاء للعرش “الحسيني ” كان ولاء سطحيا و مفروضا خاصة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية و انتصاب نظام الحماية الفرنسية في تونس لذالك لم يحدث قرار إلغاء النظام الملكي و تعويضه بالنظام الجمهوري احتجاجات شعبية أو معارضات سياسية ذات دلالة.

غير أن أبناء الأسرة الحاكمة و بعض ممثلي الأرستقراطية التقليدية المرتبطة مصالحهم ارتباطا عضويا بنظام البايات عبروا عن استيائهم ورفضهم لهذا الواقع الجديد ممّا دفع العديد منهم إلى الهجرة خاصة بعد أن تم تصفية أملاكهم “العائلة الحسينية” وإلحاقها بأراضي الدولة التونسية يقول بورقيبة في هذا الإطار “إنكمتعلمون أنه انجر عن تصفية الأحباس و أملاك العائلة المالكة السابقة أملاك كثيرة ” .23

إن إلغاء النظام الملكي كان منعرجا تاريخيا أقدم على تحقيقه بورقيبة من اجل تحطيم مرجعية ولائية رمزية تعطل مشروعه السياسي الأبوي.

2-1-1 تحطيم الولاءات العروشية

 عمل النظام البورڤيبي بعيد الظفر “بالاستقلال التام” على تفكيك البنية القبلية العروشية للمجتمع التونسي إذ أن القبيلة كانت تهدّد مشروع الدّولة الوطنية الفتية لأنها تنازعها السيّادة و المرجعية.

إن خطر القبيلة بالنسبة لبورقيبة لا يتمثل في تعطيلها لمسار الحداثة فحسب بل كذلك في منافستها لسلطة الدّولة إذ كثيرا ما مثلت القبيلة خطرا حقيقيّا عل السّلطة المركزية في الفضاء المغاربي خلال العصر الحديث لاسيما بالنسبة لقبائل السّيبة24.

ولئن اعتبرت القبيلة في تونس محدودة التأثير مقارنة بقوّة قبائل السّيبة في المغرب والجزائر التي استطاعت أن تحمي نفسها من تدخّل الرّأسمالية العقارية25 إلاّ أن مظاهر التضامن القرابي بقيت راسخة في اللاوعي الجمعي خاصة في مناطق الجنوب التونسي26 .

لم يكن هذا اللاوعي السّياسي القبلي غائبا عن وعي بورقيبة إذ أنّ اتّصاله المباشر بمختلف الفضاءات القبلية مكنه من استيعاب أسس الولائية العروشية المتمثلة أساسا في وجود ملكية عقارية تستغل بشكل جماعي تضامنيّ ولذلك فقد سارع بورقيبة منذ فجر الاستقلال إلى تصفية هذه الملكية العقارية العروشية من خلال إصدار “قانون 28 سبتمبر 1957” الّذي قضى بتحويل أراضي العروش من أراضي جماعية إلى أراضي فرديّة.

كانت هذه الأراضي تمسح قبيل 1956 ما يقارب الثلاثة ملايين هكتار مركزّة في وسط وجنوب البلاد27  ممّا جعل بورڤيبة رهينا للقبيلة المسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحية.

وقد عبّر بورڤيبة بكلّ وضوح عن استيائه الشديد من هذه الوضعية العقارية المعطلة للتنمية في خطاب ألقاه يوم 28 أفريل 1963 بمدينة قابس:”  القانون يقف أحيانا عرضة في سبيل استثمار مساحات شاسعة من الأراضي تسمى أراضي العروش… ففي ثلاث أو أربع ولايات توجد مئات الآلاف من الهكتارات بل أكثر من مليون أو مليوني هكتار من أراضي العروش بدعوى أنّ العشيرة الفلانيّة أو الفلانيّة تملك تلك الأراضي… لم يعد من اللائق أن نترك أراضي شاسعة بورا معطلة لمجّرد كون اسمها”أراض عروش – أو أراضي اشتراكية-… الله أعلم من أين انجرّت لها وكيف تكوّنت ملكيتها لأوائلها فيما تقدّم من الأزمان.”28  

إن المتأمل في هذا الخطاب سوف يلاحظ دون أدنى شكّ أن بورقيبة لم يكن يهدف إلى حثّ السكان على إحياء أرض بور أهملوها بفعل الاستغلال الجماعيّ فحسب بل هو خطاب مناوئ للعروشية باعتبارها بنية اجتماعية حيث أنّ سؤاله حول شرعية ملكية العروش لهذه الأراضي “الله أعلم كيف تكوّنت ملكيتها لأوائلها فيما تقدّم من الزمن” هو سؤال استنكاري مشحون يؤكد عدم اعتراف-بورڤيبة- بشرعية امتلاك العروش هذه الأراضي وبالتّالي فإنّه يحاول تحطيم العروشية من خلال سحب شرعية امتلاكها للأرض.

فقد كان هذا هو منهجه الهادف إلى تحطيم البنية العروشية حيث يستنكر في خطاب ألقاه بغمراسن في 7 ديسمبر 1958 ظاهرة التعصّب القبلي والّتي تشكل ظاهرة بنيوية في العلاقات القبليّة و يقول” إنّ ما أحرزنا عليه من نصر و تغلّبنا عليه من قهر وإذلال لم يكن إلاّ نتيجة اتحادنا و تكتّلنا… وقد ينسى أبناؤكم الاستعمار و مساويه، و تحدثهم أنفسهم للّرّجوع إلى ماكانوا عليه من أحقاد و أغراض و تعصّب وهي السّوس الّذي ينخر هيكل المجتمع”29.

بل أن بورڤيبة  قد ذهب إلى حدّ الإعلان عن سعيه لإبادة النزعة القبلية بمعني أنّ معاداة النظام القبلي لا يقتصر على تفكيك أراضيه ومحاربة الأحقاد القبلية بل إلى إبادتها كنظام رمزيّ ومرجعيّة اجتماعيّة تشكل الهويّات و تدافع عنها حيث يقول في خطاب ألقاه في حامة قابس في 24 نوفمبر 1958:”إنّ عروش تونس… فيهم نقطة ضعف يجب التنبيه إليها… وهي النزعة القبليّة الّتي يجب أن تعمل على إبادتها30

ثمّ يطرح بورقيبة بديلا للمرجعية القبليّة الّتي أعلن رغبته في تحطيمها حيث يؤكد أنّ الحزب الحرّ الدستوري التونسي لم يرتكز على النزعة القبليّة و بالتالي فإنّ المؤسسة الحزبية الّتي تمكّنت من قيادة الأمّة – على حدّ تعبير بورقيبة –  إلى الاستقلال كانت براء من كلّ نزعة قبليّة فهو إذن يتبرأ من داء عضال ووباء فتّاك.

 يقول في خطاب ألقاه بالمكناسي في 11 جانفي 1956 :” إنّ حزبكم لم يرتكز على الشعوبية القبليّة بل قاومها منذ نشأته الأولى، والإسلام نفسه قضى على النزعة القبليّة… فحذار أن تطغي على عقولكم هذه النّزعات المخرّبة الهدّامة.”31

يمثل الحزب الحرّ الدّستوري التّونسي بديلا مرجعيّا للقبيلة يوحّد كلّ أبناء تونس خلف قائد واحد ويؤسّس أبوية تشمل كلّ أفراد الأمّة على أنقاض أبويّات عروشيّة هدّامة ومخرّبة للمجتمع بل أنّها معادية للإسلام حيث قاوم الإسلام منذ نشأته كلّ مظاهر الحياة الجاهلية ومن أبرزها التعصّب القبلي. هكذا إذن أسّس الخطاب البورڤيبي أبوية مستحدثة على أنقاض أبويّة عروشية هدامة ومفرّقة هذا الخطاب طبعه بورقيبة بطابع مقدّس معلنا حينا وضمنيّا أحيانا أخرى.

2.2 مميّزات الأبويّة البورڤيبيّة:

تشترك الأبوية البورقيبية مع بقية الأبويات المستحدثة في العالم العربي والإسلامي في كونها تشكّل رمزيّ يقوم على نظريّة الزعيم الملهم بالضرورة الذي يقود شعبا- طفلا غيرقادر على تسيير شؤونه ويشير مصطفى حجازي في هذا الإطار إلى أنّ بروز الزعيم- الأب ماهو إلاّ ردّ فعل لإنسان مقهور وشعب يتميّز ” بوضعيّة طفليّة إتّكالية “32.غير أنّ هذا الاشتراك لا يجب أن يحجب عنّا تميّز الأبويّة البورڤيبيّة بخاصيتين أساسيتين وهما اختراق المجال الديّني والمؤسسة العائلية.

 1.2.2 اختراق المجال الديني:

يعتبر بورقيبة أن زعامته وإشعاع شخصيته الكاريزمية يمكنانه من ممارسة سلطة دينية هي سلطة الإمامة التي تتفوق على سلطة الرئاسة من حيث النفوذ والتأثير حيث يقول في خطاب 24 مارس 1975:

” وللإمام في الإسلام منزلة عظيمة، تجب طاعته فتقرن بطاعة الله ورسوله، رفعا لشأنه وتنويها بقدره، وقد قال جلّ من قائل: ” وأطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم.”33

وتكمن أهمية منصب الإمام بالنسبة لبورقيبة حسب عدنان المنصر في كونه قادرا على تحمل مسؤولية التشريع34 حيث أنّ ” الإمام يتحمل مسؤولية التشريع بحسب ما تمليه مصلحة الأمّة أو تفرضه ضرورة الأحوال الطارئة”.35

كما يسعى بورقيبة إلى تمثل شخصية الرسول من خلال إيجاد تماثل بين مسيرته السياسية النضالية والمسيرة النبوية إذ أن جهل المسلمين للرسالة المحمدية أدى بهم إلى انحطاط كانت خاتمته الاستعمار، ممّا يجعل من أوكد مهام الزعيم- بورقيبة بناء تصوّر جديد يعمل على إخراج المسلمين من حالة الانحطاط والارتقاء بهم إلى مراتب التقدم والتنمية36.

وكثيرا ما تتجاوز هذه المهمّة حدود الوطن الضيّقة لتشمل ديار العروبة والإسلام فهو يسخّر نفسه ويكرّس جهوده لخدمة قضايا العروبة والإسلام من خلال تعريفهم بـ”القواعد الحقيقية” للدين  الإسلامي و مقاومة  حركة التبشير المسيحيّة التي تقودها الإرساليات الكاثوليكيّة و البروتستانتية 37.

تمثّل الإمامة إذن رهانا حاول الزعيم كسبه متحدّيا المؤسسة الفقهيّة التي لا يعترف بها باعتبار أن الإمام أرقى من الفقيه  و قد تجلّى إصرار بورڤيبة للعب دور الإمام في تصدّيه لبعض  الطقوس التي اعتبرها مناقضة للفهم الصحيح للإسلام و هذه الطقوس هي الأضحية والصوم و الحج38،حيث يقول في خطاب 19 أفريل 1964 : “.. إنّ في وسعي أن أفتي بصفتي إمام المسلمين في هذه البلاد بأولويّة رصد المال الذي يخصّص للحجّ في صندوق التضامن الاجتماعي أو إقراض الدولة إيّاه لتصنيع البلاد و إنماء ثروتها، و من شاء التبرّك فإنّه يستطيع زيارة قبر أحد أصحاب رسول الله ممن تضمّ رفاتهم الطاهرة تربة البلاد كأبي زمعة البلوي دفين القيروان”39يبدو بورڤيبة من خلال هذا المقتطف مفتيا في قضايا جوهريّة تمسّ أحد أركان الإسلام الخمسة وهو الحجّ ، كما تكشف هذه الفتوى رؤية بورقيبة لوظيفة الحج التي لا تعدو أن تكون إلا  تبرّكا بفضاء مقدّس وهي لا تختلف عن رؤيته لوظيفة الدين الإسلامي عموما إذ يعتقد أنّ الإسلام ما هو إلاّ ركن من أركان الشخصيّة التونسيّة40 لذلك فقد كان حريصا عن حضور احتفالات المولد  النبوي الشريف بالقيروان غير أنّه لم يكن   يتردّد في الصعود على منبر عقبة والإفتاء في مسائل فقهيّة ضاربا بعرض الحائط كل قواعد  الفقة واستحقاقاته  وصادما الشعور الديني الراسخ  بدعوته الصريحة إلى الإفطار في رمضان حيث يقول في خطاب ألقاه بالقيروان في 3 سبتمبر 1960 : “لم نتردّد بمناسبة حلول شهر رمضان الأخير في الدعوة إلى التوسّع في باب الرخص و إعمال الرأي في فهم المقصد و النتائج من عبادة الصوم التي زاغ فيها الناس عن الأصول القارّة و السنن الجوهريّة.”41

غير أنّ هذا الخطاب الصّادم للشعور الديني لم يكن النمط الوحيد للخطاب السياسي البورقيبي المتعلّق بالمسألة الدينيّة عموما ومسألة الإفطار خصوصا حيث فرضت بعض الإحتجاجات الشعبيّة التي وصلت إلى حدود المظاهرات مثل مظاهرة القيروان 17 جانفي 1961 على بورقيبة التعامل بطريقة مرنة مع المقدّس الديني وفي هذا الإطار فقد رصدت الباحثة آمال موسى ثلاثة نبرات خطابيّة بورقيبيّة مرتبطة بالتوتّر الناجم عن مسألة الإفطار وهي الصدمة ، الخدش ، التلطيف42.

وهكذا تبدو علاقة بورقيبة بالإسلام علاقة متوتّرة غير أنّ هذا التوتّر لم يؤثّر على الصورة الأبويّة لبورقيبة بل أن بورقيبة وظّف  قدسيّة الإسلام لنحت قدسيّة أبويّة مستحدثة.

2.2.2 اختراق المؤسسة العائليّة

 تعتبر مجلّة الأحوال الشخصيّة الصادرة في 13 أوت 1956 تشريعا راديكاليّا طبع الدولة التونسيّة بطابع مميز في محيطها العربي والإسلامي غير أنّ هذا القانون التشريعي لم يكن نتيجة تطوّر تاريخيّ  بقدر ما كان استجابة لإرادة الزعيم- الأب-.

وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن مستويين أساسيين لاختراق المؤسسة العائليّة وهما المستوى البنيوي و المستوى الوظيفي, يتجسّم الاختراق البنيويأساسا  في :

  • منع تعدّد الزوجات:

 ينصّ الفصل 18 من مجلّة الأحوال الشخصيّة على ما يلي: ” تعدّد الزوجات ممنوع..” يمثّل هذا الفصل بالتحديد جوهر الفعل الأبوي المخترق للمؤسسة العائليّة إذ أن تعدّد الزوجات لم يكن واقعا مشروعا دينيّا واجتماعيّا فحسب بل كان كذلك ظاهرة اجتماعية وظيفيّة تكرّس هيمنة الرجل كما تحدّد بنية المؤسسة العائليّة القائمة بالضرورة على نموذج العائلة الممتدّة .

وهكذا فإنّ إلغاء تعدّد الزوجات هو فعل اجتماعي بنيوي ساهم في إرباك التوازنات الاجتماعية القائمة على العائلة الممتدّة وعلى ” تنشئة اجتماعيّة تقليديّة”.

يعبّر بورقيبة عن توجّهاته الاجتماعية بلغة قريبة من ذهن عامّة التونسيين شكلا ولكنّها تحمل في مضمونها مشروعا حضاريّا شاملا. يقول بورقيبة في خطاب ألقاه بمدينة القيروان يوم 4 جانفي 1957: “إنّ الحكومة الشعبيّة لا تعمل على تفكيك أواصر العائلة و بثّ الفوضى  حيث أنّه لا غاية لها إلاّ تحقيق مصلحة الوطن، وما الوطن في الواقع إلاّ  مجموع الأسر “

لا يستعمل بورڤيبة مفهوم ” المجتمع ” بل ” الوطن ” وذلك يعود في تقديرنا إلى تصوّر يهدف إلى دولنة المجتمع ” Etatisation de la  société” أي احتواؤه وتوجيه مؤسساته ويحلّل عبد الباقي الهرماسي هذه العمليّة : ” دولنة المجتمع ..بمعنى تحييد المؤسسات الموجودة والاعتماد على طوائف رسميّة قصدتأطير الناس في مختلف القطاعات43 ويتابع بورڤيبة خطابه فيقول “ الأمّ هي المدرسة الأولى للأولاد و البنات ، فإذا كانت في خلاف و شجار مع زوجها من أجل إدخال أو محاولة إدخال ضرّة عليها… نشأ الأطفال نشأة فاسدة…و هذا ما حرصنا على تلافيه بسدّ الطريق أمام تعدّد الزوجات بالنسبة إلى الفرد الواحد.”44

إقرار الطلاق العدلي

 نصّ الفصل 30 من مجلّة الأحوال الشخصيّة: ” لا يقع الطلاق إلا لدى المحكمة ” يمنع هذا الفصل ” الطلاق العرفي” الذي كان يكتفي بمقتضاه الرجل بتلفّظ كلمة طلاق حتّى تصبح المرأة مطلقة.

وهكذا يخترق هذا الفصل سلطة الرجل من جهة و يوسّع نفوذ المرأة التي أصبح لها الحق في طلب الطلاق أو حتّى إنشاؤه غير أنّ تأثيرات هذا التشريع تتعدّى حدود المكانة والنفوذ الاجتماعيين لتشمل التوازن والاستقرار الاجتماعي إذ أنّ : “الطلاق التشريعي” لم يعد حكرا على جنس معيّن بل أصبح حقّا لجميع المواطنين نساء ورجالا وهذا من شأنه  إعادة ترتيب التوازنات الاجتماعية من خلال مراجعة الأدوار والمراتب داخل العائلة وخارجها.

تعمّد بورقيبة من خلال هذين القانونين “الراديكاليين” تغيير بنية العائلة  وتمثلاتها مبرّرا ذلك بسعيه لتحقيق المصلحة في إطار تصورات  أبويّة حداثويّة حيث أنّه لا يعتبر نفسه “مسؤولا” عن حاضر تونس فحسب  بل عن “مستقبلها وفيما عسى أن تصطدم به أو يعترضها من محن الدهر أو بلاياه.45

غير أن هذه المبادرة التشريعيّة فجّرت مكبوتات وعقد لا واعية مرتبطة بعلاقة الزعيم الأب بالشعب الطفل ويؤكّد مصطفى حجازي هذه المكبوتات حين يشير إلى العدوانيّة الكامنة في نفس الشعب – الطفل والناجمة عن قوّة الأب ، هذه الميول العدوانيّة هي سمة من سمات المرحلة الطفوليّة وكذلك هيّ خاصيّة من خصائص الإنسان المقهور.46

كما يضيف نفس الباحث أن بروز هذه الميولات إلى حيز الوعي يرتبط بـ”شعور ضمني بالذنب وبمزيد من التبعيّة والإتّكاليّة والنكوصيّة المستسلمة”.47ويعمّق بورڤيبة تفجيره لهذه المكبوتات من خلال اختراقات وظيفيّة الّتي تتجسّم أساسا في:

  • توجيه الوظيفة الإنجابيّة :

 إنّ تمثّل بورڤيبة للوظيفة الإنجابيّة مرتبط بمفهوم التنمية الاجتماعية إذ أنّ السلوك الإنجابي بالنسبة لبورڤيبة هو سلوك يمكن للدولة أن تتدخّل فيه لضمان مصلحة الأمّة حيث من واجبات الدولة ” الحرص على أن تكون عمليّة التعقيم في متناول كلّ المواطنين“.48

لا شكّ أن التدخّل في الوظيفة الإنجابيّة هو تدخّل سافر في العلاقة الجنسيّة بين الزوج وزوجته و هذا ما يثير كما أسلفنا سابقا مكبوتات وعقد ترتبط بعلاقة الشعب- الطفل بأبيه  غير أنّ الخطاب البورڤيبي سعى إلى عدم إثارة هذه العلاقة الحميميّة في حدّ ذاتها بل ركّز على تداعياتها الاقتصادية والاجتماعية  بمعنى أنّه لم يركّز خطابه على ضرورة التحكّم في العلاقة الجنسيّة بل على ضرورة تحديد النسل باستعمال الأساليب الوقائية من الحمل العديدة والمتنوّعة ، غير أن بورڤيبة لم يتردّد في بعض المناسبات- كما هي عادته- في صدمة الشعور الجمعيّ بمناداته بإمكانيّة تعقيم المرأة منطلقا في ذلك من نظرة حداثويّة للعمليّة التناسليّة التي تهدف إلى ” الحفاظ على كيان الوطن وقوّته والمساهمة في تشييد الحضارة و ليست الغاية منه ادخار الولد لسن الشيخوخة.”49

هذه النظرة الحداثويّة ليست في حقيقة الأمر إلا مظهرا من مظاهر ” دولنة الجسد” و تصل هذه الدولنة إلى حدود  قصوى حين يأمر بورڤيبة بتعقيم إجباري للنساء اللواتي يتجاوز معدّل إنجابهن ثمانية أطفال ” حينأتتني امرأة متبوعة بسبعة صغار ، أمرت بحملها إلى المستشفى و إجراء عمليّة تعقيم لها… وقرّرنا تطبيق ذلك على كل أمّ ولدت عشرة أطفال أو ثمانية”50.

 توجيه الوظيفة التربويبّة:

كثيرا ما حلّ بورڤيبة محلّ أب الأسرة التونسيّة في قيامه بوظيفته التربويّة حيث نجده يتدخّل في أدقّ تفاصيل تربية الأبناء و من ذلك إشارته في خطاب 12 أوت 1966 إلى سلبيّة ظاهرة – الميني –جوب- لدى الفتيات51 و التي أثارت الزعيم الأب بوصفها تداعيا غير متوقّع و مغرض لدعوته لسفور المرأة و كذلك حديثه عن سلبيّة إطالة شعر الرجل و التي وصفها بأنّها ظاهرة لا تدلّ إلاّ على الاتساخ والهمجيّة52 وهكذا فإنّ بورقيبة لا يقوم بوظيفة إشرافية على المؤسسة العائليّة فحسب بل يتدخّل في وظائفها تدخّلا يخترق سلوك الأبناء و كذلك الآباء ، حيث يندّد بسلوك بعض النساء اللواتي يحرصن على كنز ” الحليّ” و يدعوهنّ إلى تجنّب هذا السلوك المخرّب للاقتصاد كما يدعو الزوج إلى الانسجام مع واقع المساواة بين المرأة والرجل و أن لا يخجل من خروج زوجته سافرة أو من أدائها لواجبها الانتخابي.53

إنّ حصص من “توجيهات السيّد الرئيس” التي كانت تبثّ يوميّا في التلفزة التونسيّة تمثّل دروسا في التربية الاجتماعية و دليلا على ممارسة بورقيبة لوظيفة تربويّة توجيهيّة.

أمّا العلامة الأكثر دلالة على النموذج الأبوي المخترق للعائلة بنيويّا ووظيفيّا فهي احتضان بورقيبة للأطفال الفاقدين للسند و إلحاقهم بحماه الخاص عن طريق إنشاء ملاجئ-قرى تحمل اسمه- ” قرى أطفال بورقيبة“.

الخلاصة

تبدو الأنظمة السياسية العربية التي عقبت المرحلة الكولونيالية أنظمة ثورية نجحت في تحقيق الاستقلال عن المستعمر الأوربي غير أن هذه الثورية لم تتعدّ حدود القطع مع التجربة الكولونيالية لأنها لم تنجح في إرساء دعائم” دولة الحداثة” التي وقع التبشير بها منذ البداية وذلك بالرّغم من بعض المحاولات التي اصطدمت بمعيقات بنيوبة ترتبط بمحدّدات العقل السياسي العربي.

تمثّل الدولة البورقيبية في تونس نموذجا في غاية الأهمية لأنه يبين بكل وضوح تفاعل مشروع” حداثوي ” مع ممارسة سياسية أبوية صارخة, لقد عمل بورقيبة كما تؤكد ذلك العديد من الدراسات التاريخية على بناء دولة” ثورية” في محيطها العربي الإسلامي تنزع نحو اللاّئكية وتقوم على اعتبار الشعب التونسي أمة مستقلّة بذاتها وذلك من خلال محاولة القضاء على كل الو لاءات التقليدية التي تهدّد مشروعه الأبوي وبصفة خاصّة الولاء القبلي.

 لقد مثّـّل نجاح التجربة الكمالية في تركيا حافزا مهمّا لبورقيبة لمحاولة تحقيق مشروعه إلاّ أنه لم يستطع أن يتجاوز في ممارسته السياسية النمط الأبوي الذي غـذّته من جهة أرضية نفسية –اجتماعية متلائمة مع السلطة الأبوية ومن جهة أخرى زبونيّة سياسية استطاعت التأقلم مع محدّدات الأبوية البورقيبية المستحدثة.

الهــــوامش:

1– جامعي, المعهد الوطني للشغل والدراسات الاجتماعية, تونس.

2 -Weber(max) Economie et société , Paris ,Plon ,1971,p232.

3  – شرابي (هشام) النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1993, ص41 .

4-  شرابي (هشام) البنية البطريركية : بحث في المجتمع العربي المعاصر, دار الطليعة , بيروت,1987,ص22.

5 -. شرابي (هشام) النظام الأبوي واشكالية تخلف المجتمع العربي,مرجع سابق,ص21

6- الجابري (محمد العابد) الخطاب العربي المعاصر,دار الطليعة,بيروت,1988,ص38.

7- مثل المدرسة الحربية بباردو في تونس وكذلك المدارس الحربية في مصر في فترة حكم محمد علي باشا  مثل       (الاسكندرية, دمياط….)

8-ابن أبي الضياف (أحمد) إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان,المنشورات الجامعية التونسية, تونس,1991,ص52.

9- الطهطاوي (رفاعة رافع) : “تخليص الإبريز في تلخيص باريس” الدار العربية للكتاب – تونس 1991 ، ص 115.

10- العروي(عبد الله) , مفهوم الدولة, المركز الثقافي العربي, بيروت,1988,ص131.

11- شرابي( هشام )  النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي مرجع سابق، ص 25.

12 – الثعالبي (عبد العزيز) روح التحّرر في القرآن , دار الغرب الإسلامي ، ط1 , بيروت, 1981  ، ص 118.

13- شرابي (هشام): ” النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي “مرجع سابق، ص 26.

14- أركون( محمد) تاريخية الفكر العربي الإسلامي, مركز الإنماء القومي, بيروت, 1998,ص229.

15- مؤتمر الحزب الحر الدستوري المنعقد في جوان  في مدينة صفاقس في جوان1955

16-من أبرز زعماء الحركة الوطنية في تونس ذو توجه قومي معارض للتوجهات البورقيبية

17-  Médard (jean françois) le rapport de clientèle  In Revue française de science   politique , vol 26,n°1, fev 1976.

18 – نضالات طلبة الزيتونة مثلا.

19 حكم الإيالة التونسية(1942-1943) عرف بمواقفه الوطنية ممّا دفع السّلطات الاستعمارية الى نفيه الى فرنسا حيث توفي في سنة 1948

20- شرابي (هشام) “النظام ألأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي”، مرجع سابق، ص 25 .

21- القليبي (محي الدين) “مأساة عرش” القاهرة ,1948,ص23.

-22  Mestiri(said), Moncef bey, Arcs, Tunis,1998, p241.

23-LETOURNEAU (R)  ” Evolution politique de l’afrique du nord musulman : 1920-      1961 ” Armand colin, Paris , 1962, p105.

24- خطاب بورقيبة ,صحيفة العمل(التونسية), 13- 6-1958 ص 3.

25- الهرماسي (عبد الباقي) “المجتمع والدولة في المغرب العربي” مركز دراسات الوحدة العربيةََ، بيروت، ص 13.

26- بوطالب (محمّد نجيب) “القبيلة التونسية بين التغير والاستمرار” منشورات كلّية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس,2002, ص 241.

27- المرجع السّابق، ص 211.

28- ستهم (حافظ) مرجع سابق، ص 121

29-خطاب بورقيبة- العمل 29 أفريل 1963، ص 3.

30- العمل 8 ديسمبر 1958، ص 3

31-العمل 25 نوفمبر 1958، ص 3

32- بورقيبة “خطب” ج1، كتابة الدولة للاعلام، تونس،1977، ص 302.

33- حجازي (مصطفى): التخلّف الإجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، معهد الإنماء العربي، بيروت، 1976، ص179.

34- العمل 25 مارس 1975.ص 3.

35- المنصر (عدنان): ” دولة بورقيبة“، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، 2004،  ص.31.

36- خطاب بورقيبة: العمل 4 سبتمبر 1960.

37-  المنصر (عدنان) ، مرجع سابق ، ص 31-32.

38 -خطاب بورقيبة بمناسبة زيارته لغانا- العمل 16 مارس 1957.

39-االمنصر (عدنان) ، مرجع سابق ، ص 33.

40- بورقيبة (الحبيب) خطب : الجزء 7، مرجع سابق، ص 43.

41بن سلامة (البشير) : ” تأملات في شخصيّة بورقيبة “، مؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات زغوان ، أفريل 2000, ص 28.

42- بورقيبة (الحبيب) خطب : الجزء 11، مرجع سابق، ص 78.

43- موسى (آمال) ” بورقيبة و المسألة الدينيّة ”  سراس للنشر، تونس، 2006، ص 108.

44- الهرماسي (عبد البافي): ” المجتمع و الدولة في المغرب العربي” مركز دراسات الوحدة العربيّة ، بيروت  1992ص127

45-خطاب بورقيبة : العمل -5 جانفي 1957 ، ص 3.

46-خطاب بورقيبة : العمل -17مارس 1963 ، ص 3.

47-حجازي (مصطفى) : مرجع سابق ، ص 179.

48- نفس المرجع ، ص 179.

49- بورقيبة ” خطب ” ، الجزء 22 مرجع سابق ، ص 98.

50- المرجع السابق، ص 177.

51-بورقيبة ، خطب ، مرجع سابق، ص99

52-ورد في المنصر (عدنان): دولة بورقيبة، مرجع سابق ، ص 27.

53- المرجع السابق، ص 27.

54- المرجع السابق، ص 28.

المراجع

المراجع العربية:

1)   ابن أبي الضياف (أحمد) إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس و عهد الأمان المنشورات الجامعية التونسية,تونس,.1991

2)   الثعالبي (عبد العزيز) “روح التحرر في القرآن“, دار الغرب الإسلامي، بيروت،1981.

3)   حجازي ( مصطفى) التخلّف الإجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور معهد الإنماء القومي, بيروت, 1976.

4)   الطهطاوي (رفاعة رافع) تخليص الإبريز في تلخيص باريس، الدار العربية للكتاب، تونس 1991.

5)   القليبي (محي الدين) مأساة عرش القاهرة ,1948.

6)   الهرماسي (عبد الباقي)  المجتمع و الدّولة في المغرب العربي مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1987.

7)   شرابي (هشام) النّظام الأبوي وإشكالية تخلّف المجتمع العربي مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت 1993.

8)   شرابي (هشام) البنية البطريركية : بحث في المجتمع العربي المعاصر, دار    الطليعة , بيروت, 1987

9)   بورقيبة خطب، كتابة الدولة للإعلام، تونس،1977

10)    موسى (آمال)  بورقيبة والمسألة الدّينية  سراس للنشر, تونس,2006

11)    بوطالب (محمد نجيب)  القبيلة التونسية بين التغيير و الإستمرار, منشورات كلية العلوم الإنسانية و الإجتماعية، تونس، 2002.

12)    الجابري (محمد عابد) الخطاب العربي المعاصر,دار الطليعة,بيروت,1988

13)    العروي(عبد الله) , مفهوم الدولة, المركز الثقافي العربي, بيروت,1988

14)    أركون( محمد) تاريخية الفكر العربي الاسلامي, مركز الانماء القومي,   بيروت, 1998

15)    المنصر (عدنان): “”دولة بورقيبة“، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، 2004.

16)    بن سلامة (البشير) :” تأملات في شخصيّة بورقيبة” مؤسسة التميمي للبحث العلمي و المعلومات زغوان ، أفريل 2000 .

17)  ستّهم (حافظالهياكل الزراعيّة والتحويرات التي أدخلت عليها في البلاد التونسيّة ودورها في التنمية الزراعيّة بعد الإستقلال، في المجلّة الجغرافيّة التونسيّة، عدد 23/24 تونس 1993.

المراجع الأجنبية:

 

  1. Médard (jean françois)le rapport de clientèle In Revue française de science politique, vol 26,n°1, fev 1976.
  2. Weber(max),Economie et société, Plon, Paris ,1971
  3. Letourneau (R)Evolution politique de l’afrique du nord musulman : 1920-1961 Armand colin, Paris , 1962
  4. Mestiri (said),Moncef bey,Arcs, Tunis,1998

الصحف:

صحيفة العمل (التونسيّة)

05/01/1957 – 16/03/1957

25/11/1958 – 08/12/1958

04/11/1960

17/03/1963

25/03/1975

عن admin

شاهد أيضاً

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم

الرد الشعبي على الإساءة إلي الإسلام ورموزه.. ضرورة الانتقال من التلقائية إلي التنظيم   د. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *