الرئيسية / تعريفات ومفاهيم / الشرعية: مفهومها وأنواعها ونماذجها- وأزمة الشرعية
الشرعية: مفهومها وأنواعها ونماذجها- وأزمة الشرعية
الشرعية: مفهومها وأنواعها ونماذجها- وأزمة الشرعية

الشرعية: مفهومها وأنواعها ونماذجها- وأزمة الشرعية

الشرعية: مفهومها وأنواعها ونماذجها- وأزمة الشرعية

 

مفهوم الشرعية

الشرعية وماكس فيبر

نموذج ديفيد إيستون

نموذج مايكل هدسون

نموذج ليبيست للشرعية

مصادر جديدة للشرعية

الأزمة الثقافية الكبرى

عودة الشرعية التقليدية

مستقبل أزمة الشرعية

 

 

مفهوم الشرعية

يثير المفهوم قدراً واضحا جليا من الاختلاف والالتباس بين المفكرين والباحثين المتخصصين. فالشرعية مشكلة مربكة عند الجميع عدا المنظرين الذين يرون السلطة في اعتمادها على القوة اعتمادا أساسياً. فالخلاف بين المفكرين والباحثين لا يعكس اختلافا حول مضمون المفهوم بقدر ما يعكس اختلاف توجهاتهم حول الهدف من دراسة الشرعية. فهي تكمن في المصدر، والمصدر يجب أن يعد شرعياً. تغير المصدر المقبول للشرعية في نظر المجتمع وأفراده يرتبط بعوامل وأسباب كثيرة منها: الاجتماعي، الديني، الاقتصادي، الفلسفي القيمي. إن التباين في ثقافة كل مجتمع عن الآخر يحتم تباعا التباين في أسس ومصادر قيام السلطة وكيفية فهم الجماعة لها ولوظائفها. فالثقافة السياسية الاجتماعية هي الأساس لمفهوم السلطة ولمصدرها وبالتالي لشرعيتها.

 

الشرعية وماكس فيبر

يعود الباحثون والمهتمون المتخصصون في مسألة الشرعية ومصادرها إلى ماكس فيبر، الذي ميّز بين ثلاثة نماذج للسلطة تعتمد على تصورات مختلفة للشرعية ومصادرها:

  1. التراث والتقاليد.
  2. الزعامة الملهمة الكاريزماتية.
  3. العقلانية القانونية.

السلطة التقليدية

تقوم السلطة التقليدية مستمدة شرعيتها في المجتمعات على أساس الاعتقاد في مبلغ القوة وقدسية العادات والأعراف السائدة. ويرتبط هذا النمط بالمجتمعات الشرقية، في حين عرفته أوروبا في العصور الوسطى (الإقطاع). إن المعتقدات التي سادت منذ زمن طويل وشكلت قواعد أضفت الشرعية على الحكام التقليديين وعززت هيمنتهم وتميز مكانتهم. يكون للقائد أو الزعيم في ظل هذا النمط من السلطة، شخصية مطلقة تصل إلى حد الاستبداد. ويدين له كل أعضاء المجتمع بالطاعة والولاء. تقترن الشرعية بالمكانة التي يحتلها أولئك الذين يشغلون المراكز الاجتماعية الممثلة للسلطة التقليدية. ويعتمد الزعيم أو القائد في إصدار الأوامر على المكانة الوراثية، وتعبر أوامره هذه على رغبات شخصية للقائد أو الزعيم. تتسم بالطابع التحكمي وإن بقي ذلك في إطار وحدود التقاليد والعادات المقبولة. ويرجع ولاء الأفراد وطاعتهم لاحترامهم للمكانة التقليدية/قبولهم وقناعتهم بشرعية الذين يمارسون السلطة التقليدية. ويندرج في إطار هذا النمط ثلاثة أنماط فرعية:

  1. النمط الأبوي.
  2. النمط الرعوي القبلي العشائري.
  3. النمط الإقطاعي.

الأبوي:

  • يسود في المجتمعات التقليدية البدائية.
  • سيادة منطق الأب في التعامل مع الأبناء (السلطة المطلقة).
  • حق الأمر والنهي دون مراجع، والطاعة والالتزام من دون مناقشة.
  • العلاقة بين القائد والمجتمع علاقة شخصية مباشرة.
  • لا وجود لأيّ أجهزة بيروقراطية أو تنفيذية.

الرعوي القبلي العشائري:

  • تأخذ العلاقة بين القائد وأفراد المجتمع طابع سلطة شيخ القبيلة أو زعيمها.
  • تنسج هذه العلاقة عبر شبكة معقدة بين البيروقراطيين الموالين للقائد.
  • يعتمد في تقديم حكمه على أسلوب توزيع الغنائم على الموالين.
  • يحتكر الزعيم وإدارته الثروة في المجتمع، وكذا يوزع المكانات.

 الإقطاعي:

  • هو النمط التقليدي للسلطة الذي ساد في أوروبا في المرحلة الإقطاعية.

السلطة الملهمة (الكاريزما)

الكاريزما مصدر مهم للشرعية في المجتمعات غير القائمة على أسس تامة من العقلانية. تلك التي تقوم على الولاء المطلق لقدسية معينة استثنائية مرتبطة بزعيم بطل مهاب ملهم تاريخي وصاحب رسالة. يملك هذا الزعيم البطل فضائل وصفات يعدها أعضاء المجتمع خارقة. يُقْرَن وجوده في كثير من الأحيان (هكذا يراد) بمساندة قوة عليا غيبية أو إلهية (مبعوث العناية الربانية). ارتبط هذا النمط في المجتمعات الحديثة ببعض القادة السياسيين أو الوطنيين سواء كانوا من قادة الدول أو زعماء الأحزاب السياسية: عبد الناصر، ماو تسي تونغ، هو تشي منه، ديغول، عرفات، بن غوريون، بيجن، لينين، ستالين، تشرتشل، أحمد ياسين وآخرين.

 

أساس شرعية السلطة في هذا النمط إيمان واعتقاد الجماهير بالقائد، وإيمانه بنفسه وخصاله وسماته الفريدة. لذا، ترتبط السلطة ارتباطا وثيقا بشخص القائد الذي لا يتقيد بأيّ قواعد أو ضوابط قانونية حديثة أو عرقية متوارثة. ويعتمد القائد على التأثير العاطفي في الجماهير، ويتصرف وكأنه الوحيد القادر على تقرير مصير المجتمع وتجسيد أهدافه واجتراح المعجزات. شرعية السلطة والنظام السياسي مرتبطة بالانجازات والأعمال الباهرة للزعيم، إذ أن إخفاقه يؤدي لزعزعة ثقة المجتمع به ويخلق حالة من عدم الاستقرار السياسي، ومن ثم الصراع السياسي على صعيد النظام.

 

السلطة العقلانية–القانونية

يقوم هذا النمط من السلطة على أساس عقلي رشيد مصدره الاعتقاد في قواعد ومعايير قانونية موضوعية غير شخصية. يُعطى القابضون على السلطة الحق في إصدار الأوامر بهدف إتباعها والمحافظة عليها وذلك من خلال القاعدة القانونية. وعليه فطاعة أفراد المجتمع لهذه الأوامر تقوم على إيمانهم بالإجراءات والقواعد الملائمة التي تحظى بقبول الحكام والمحكومين معاً. السلطة والنظام السياسي في ظل السلطة العقلانية-القانونية يستمدان شرعيتهما من القواعد الدستورية والقانونية. البيروقراطية وهيكلها الإداري تجسدان هنا السلطة الشرعية العقلانية القانونية.

 

نموذج ديفيد إيستون

طور إيستون نماذج فيبر الثلاثة للشرعية وأعاد تركيبها، فحدد ثلاثية أخرى كمصادر للشرعية: الزعامة الشخصية، الإيديولوجيا، الشرعية البنيوية. فقد طور فكرة الكاريزما، بحيث لم يعد ضرورة لتمتع الزعيم الملهم بوضع استثنائي أو امتلاكه لقدسية معينة لكي يدخل في بناء شرعية الحكم. يعتبر إيستون الإيديولوجية مصدرا مستقلا للشرعية مثله مثل المصادر الثلاثة (التقاليد، الكاريزما، والعقلانية القانونية). ويرى النظام السياسي نفسه أداة لها (للإيديولوجية) في الوقت الذي تزوده بشرعية الوجود. النخب السياسية البديلة، أو قوى المعارضة خارج السلطة تطرح وتروج لإيديولوجيا معينة تشكك في شرعية النظام القائم من ناحية وتعد بفعالية أكبر وأوسع من ناحية ثانية.

 

يؤمن إيستون في المكون البنيوي للمؤسسة، فإذا ما تحولت من بُنى بدائية إلى أخرى معقدة مستقلة بعض الشيء متماسكة في بنائها الداخلي وقادرة على التأقلم مع التطورات المجتمعية، تصبح قادرة على تحويل الثقافة السياسية نحو قاعدة الشرعية الدستورية أو المؤسسية البنيوية.

 

نموذج مايكل هدسون

قدم مقاربة جديدة بعد إيستون، تضم ثلاث قواعد لبناء الشرعية هي في ذات الوقت ثلاثة مصادر لها:

  1. القاعدة الشخصية (شائعة في النظم السياسية العربية الملكية والجمهورية).
  2. القاعدة الإيديولوجية (الاستعمال الكثيف لها يخبئ في الواقع هشاشة الشرعية المؤسسية للدولة).
  3. القاعدة البنيوية (هي تلك التي تنبع من المؤسسات، وبقدر ما يكون الحكم ممأسسا يزداد الاعتقاد بشرعية القوانين والنظم).

في الوطن العربي، ونظراً لهشاشة القاعدة المؤسسية الشرعية، يكون اللجوء بكثافة إلى بناء الزعامات الفردية وبخاصة اللعب بالرموز الإيديولوجية. مع التأكيد على دور الإيديولوجية كمصدر مهم  ودائم من مصادر الشرعية، فإن الإيديولوجية من دون شك، هي أبعد من أن تشكل العامل الوحيد لإضفاء الشرعية على الدولة والنظام والسلطة. الإيديولوجية تشهد تراجعا نسبيا ملحوظا في تكوين الشرعية السياسية.

 

نموذج ليبيست للشرعية

يضيف ليبست الفاعلية كمصدر مهم للسلطة وشرعيتها. ويقول الفاعلية التي يتمتع بها نظام سياسي ما دور مهم في بناء شرعيته. يرى أن استقرار السلطة (كنظام) وديمومتها ورسوخها يرتبط بوجود عنصر آخر مهم في كيان السلطة وذاك هو الفاعلية. عنصر الفاعلية في النظام يحول القوة من الكم إلى النوع، ومن ثم إلى حق، والتبعية والطاعة إلى واجب. في غياب الفاعلية تتوجب الطاعة للسلطة بالقوة، وفي وجودها تتوجب الطاعة لسلطة وجوباً وقناعة وقبولا. يقول روسو (الأقوى لا يبقى أبداً على جانب من القوة ليكون دائما هو السيد، إن لم يحول قوته إلى حق وطاعته إلى واجب).

 

يقرر ليبست أن استقرار النظام السياسي سيكون في خطر إذا ما انهارت الفاعلية لمدة طويلة، أو تكرر انهيارها أكثر من مرة. لمعرفة مدى استقرار المؤسسات السياسية التي تواجه الأزمات، لا بد من معرفة نسبة شرعيتها، ومدى علاقتها بالفاعلية. وعليه، يستنتج ليبست أنه لا يمكن لأيّ نظام سياسي أن يبقى شرعيا بغياب الفاعلية، فهي المعيار الوظيفي لعمل وديمومة شرعية النظام والسلطة السياسية.

 

مصادر جديدة للشرعية

حملت سنوات العقد الأول من القرن الواحد والعشرين من تحولات ومتغيرات أكبر تناقض في مصادر الشرعية في الحياة السياسية العربية. هذا يعني اننا أمام تحولات جذرية في مفهوم الشرعية السياسية ومصادرها مستندة إلى موجة من العقلانية الجديدة لم يستتب الأمر لها بعد في مجتمعات تتغير هياكلها الاجتماعية والاقتصادية بسرعة بفعل عوامل داخلية وخارجية. وذلك وارد الوقوع بفعل تآكل أنماط الشرعية السياسية للنظم الحاكمة والمستندة إلى تراث من هيبة القوة التي اهترأت على مدى عقود من التراجع والهزائم والتجريب والترقيع.

 

 

الأزمة الثقافية الكبرى

تناولت النخب والمفكرين العرب أزمة الشرعية على أنها شكل من أشكال التعبير عن الأزمة الثقافية الكبرى التي تعصف بالمجتمعات العربية. لقد أخذ المسار العربي لحل الإشكال باتجاه الإحلال البطيء لما يسمى في التراث الديمقراطي بالشرعية العقلانية القانونية مكان الشرعية التقليدية. لقد أُفرغت الشرعية العقلانية القانونية من كل مضامينها وتآكلت تماما مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي نتيجة الاحتلالات  والاقتتال الداخلي والخارجي وانهيار ما تبقى من نظرية الأمن القومي العربي، والفشل المتتالي لمشاريع التنمية الوطنية.

 

إن تحولات التسعينيات وما تبعها حوّل مشهد الأزمة الثقافية إلى صراع حاد على إرث شرعية في طريقها إلى الانحلال والزوال، أيّ الشرعية السياسية الراهنة للكثير من النظم العربية والإسلامية. هذه الشرعية في أغلب الأحوال شرعية تلفيقية تم ترميمها وإعادة صياغتها مرات عديدة من خلال إتاحة هوامش ضيقة أمام التعددية، إلى فتح نوافذ لحريات وفئات منقاة، صاحب هذا الترميم والترقيع تجديد شباب الدولة التسلطية. بات واضحا للعيان ولكل الأطراف أن الشرعية الراهنة في طريقها إلى الزوال. مع ازدياد حدة عصف الأزمة الثقافية تنطوي هذه المرحلة على واحدة من أشد لحظات الاستقطاب التاريخي في الصراع بين شرعيتين: العقلانية القانونية، عودة الشرعية التقليدية (التيار الإسلامي المعاصر).

 

عودة الشرعية التقليدية

الشرعية التقليدية الجديدة تجمع بين التقاليد الدينية التي لا تقبل إلا التفسير الآحادي للتاريخ والمجتمع والآخرين، وبين الزعامة الملهمة (الكاريزما)، مع عودة للخلافة الإسلامية. الشرعية السياسية التقليدية المستندة إلى تراث الخلافة حكمت العالم الإسلامي أكثر من (12) قرنا من الزمان، كان الوصول إلى السلطة فيها قائما على القوة. إلا أن تأمين الولاء والطاعة كان دائما يحتاج على أكثر من القوة؛ وهي الشرعية المستمدة المستندة على الرابطة الدينية والقدرة على تفسيرها في كل مرحلة.

 

مستقبل أزمة الشرعية

إن ما تقوم به النظم السياسية العربية والإسلامية اليوم من إجراءات ما هي إلا أنماط للدفاع الذاتي أمام صراع الشرعيات الحاد. يذكر هذا السلوك بإصلاحات الدولة العثمانية في آخر أيامها حينما بدأت تشعر ببداية تحلل شرعيتها. عجزت المجتمعات العربية وعلى مدار أكثر من عقدين عن ملء فراغ الشرعية الإيديولوجية الثورية بعد هزيمتها أمام المشروع الغربي الصهيوني. تركت المجال أمام النظم السياسية للاحتماء بالشرعية الملفقة والتي أهم ملامحها إعادة ترميم الدولة التسلطية متهاوية الشرعية من خلال تخويف الناس من منافسين على السلطة، أو/و تضخيم الانجازات الوهمية وبيع الأحلام الوردية وافتعال الأزمات الخارجية والاحتماء بقوى خارجية.

أيّ تحليل لمستقبل أزمة الشرعية في العالمين العربي والإسلامي لا يأخذ بعين الاعتبار مسارات الأزمة الثقافية الكبرى التي تعيشها هذه المجتمعات سيدخل دائرة التنجيم والكهانة اكثر من كونه رصدا واستشرافا تاريخيا اجتماعيا. وهذا ينقل مستقبل الأزمة من البحث في الحقل السياسي إلى الحقل الاجتماعي والثقافي. وهذا يتطلب بالضرورة إعادة اكتشاف الشرعية السياسية وتعريفها من جديد. يتطلب محاولة تعريف الشرعية بعيدا عن ما كان يتم ترديده من الولاء للحاكم أو النخبة الحاكمة إلى الولاء للدولة والطاعة للقوانين والتأييد للأهداف والقيم الكبرى. مصادر الشرعية تتجدد، وهي حالة سياسية تعكس موقفا اجتماعيا ثقافيا. وما قضية الديمقراطية والمشاركة السياسية وتداول السلطة إلا أحد تعبيرات أزمة الشرعية وليست الأزمة بأكملها، بل هي أكبر من كل ذلك.

 

 

عن admin

شاهد أيضاً

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية بالمجلس العربي للعلوم الاجتماعية

فتح منصّة تقديم طلبات المنح البحثية دعوة لتقديم المقترحات برنامج المنح البحثية (الدورة الثامنة)  “الصحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *