الرئيسية / النظم السياسية / السياسة العامة / إشكالية تفعيل المنظمات غير الرسمية في صناعة السياسة العامة
إشكالية تفعيل المنظمات غير الرسمية في صناعة السياسة العامة
إشكالية تفعيل المنظمات غير الرسمية في صناعة السياسة العامة

إشكالية تفعيل المنظمات غير الرسمية في صناعة السياسة العامة

إشكالية تفعيل المنظمات غير الرسمية في صناعة السياسة العامة فـي الجـزائـر

الدكتور: صالح زيانـي

الأستاذة:حجـيج أمال

قـسم العلوم السياسية

جامعة باتنة

ملخص باللغة العربية:

تهدف هذه المقالة إلى استقاء عدد من الدروس الممكنة انطلاقا من التجربة الجزائرية فيما يخص العلاقة الجدلية بين التمكين للفواعل غير الرسمية في صناعة السياسة العامة وترسيخ البناء الديمقراطي.

لقد كان مسار التحول نحو الديمقراطية وإرساء التعدية في الجزائر مليئا بالعثرات، لكن أهميته تكمن في تزامنه مع تصاعد حاد في مستوى العنف مما أدى إلى إضفاء الطابع الأمني على جل قطاعات السياسة العامة في البلد، ومع منتصف التسعينيات كان ضغط الفواعل غير الرسمية قد بلغ أوجه، مما ساهم في إزالة الطابع الأمني عن بعض قضايا السياسة العامة. ويعتبر ذلك خطوة جادة لاستبعادها من دائرة النقاش الضيق وبالتالي تطبيعها مع الممارسة السياسية الديمقراطية، بمعنى تسييرها بالاعتماد على القنوات والآليات الدستورية العادية.
وتطرح التجربة الجزائرية عموما إشكالية مهمة: ما هو الدور الذي يمكن أن يناط للفواعل غير الرسمية من أجل تفعيل وترسيخ الدمقراطة عبر نزع الطابع الأمني desecuritization عن قضايا السياسة العامة؟

Abstract :

This paper aims at exploring the relationship between democracy and empowering public policy non-official actors. It tries to draw significant lessons from the algerian experience.

Although, democritization in Algeria had been constrained by several structural problems, but the analytical importance of algerian experience is due the advent of a high-scale violence just after launching democratization process in late 80’s, and its direct impact on securitizing almostly every public policy issues. In mid-90’s, efforts of non-official actors were fruitful in desecuritizing many issues, which means excluding them from high-politics machinery for their re-integration into open debate machinery.

This paper tries to deal with the following research question : how to enact public policy non-official components for the aim of desecuritization of public policy issues in a context of an ongoing democratization?

مقـدمـة:

تتميز المؤسسات التي تساهم في عملية صنع السياسات العامة في الدولة بالتنوع إلى حد يصعب فيها حصرها أو حتى تنميطها بشكل دقيق. وتعود أسباب الاستعصاء في الحصر والتنميط لهذه المؤسسات إلى تنوع الأنظمة السياسية من جهة، واختلاف الفلسفات التي تعتمدها كل دولة في تسيير شأنها العام، وما يترتب على ذلك من تأثير على المنهجيات والآليات التي يتم اعتمادها عند تصميم السياسات العامة وتنفيذها. ومع ذلك، فإنه غالبا ما يتم تصنيف هذه المنظمات والمؤسسات إلى فواعل رسمية وأخرى غير رسمية.

إن محورية الأدوار والوظائف التي تضطلع بها الفواعل الرسمية وهي المؤسسات الرسمية في الدولة فيما يتعلق بالمراحل المختلفة من صناعة السياسات العامة، لا تستثني وجود منظمات ومؤسسات غير رسمية تساهم بدورها في هذه العملية، بحيث تصبح هذه السياسات كمحصلة للتفاعل القائم بين مختلف هذه الفواعل الرسمية وغير الرسمية. إن هذا التفاعل هو الذي يعطي للسياسات العامة طابعا عمليا لكي لا تبقى مجرد إجراءات سياسية. كما أن هذا التفاعل هو الذي يفسر نجاح واستقرار العديد من الديمقراطيات سواء كانت كلاسيكية أم جديدة. تعد الفواعل غير الرسمية حاليا، لاسيما في الأنظمة الديمقراطية، ركنا محوريا في تصميم وصناعة السياسات العامة المختلفة وعلى رأسها السياسات التنموية في مضامينها الشاملة، كما أنها تعد قاطرة أساسية يعول عليها لتجسيد طوبى المجتمعات الراسخة في البناء الديمقراطي ألا وهي الديمقراطية وجها لوجه.1إن أهمية هذه الفواعل ذات دلالة عالية أيضا بالنسبة للمجتمعات التي انخرطت في عملية الترسيخ الديمقراطي لاسيما منها الفواعل المتجذرة في المجتمع، وأقصد بالأساس المواطن والأحزاب السياسية والجمعيات المختلفة.

بالرغم من الأدوار المعتبرة التي يمكن للفواعل السالفة الذكر أن تضطلع بها لتكون قوة داعمة ومرشدة للأداء الحكومي في المجتمعات التي تسعى لترسيخ البناء الديمقراطي كالجزائر إلا أن قدراتها المؤسساتية والإنسانية يشوبها الكثير من القصور، مما ينعكس سلبا على قدراتها للمشاركة في إعداد برامج وسياسات التنمية وكذلك صياغة استراتيجيات بناء الدولة. فرغم تميز العديد من الدول التي تبنت سياسات الإصلاحات السياسية والاقتصادية بظاهرة ازدياد حجم الفواعل غير الرسمية، وكذا زيادة وتيرة ونشاط هذه الفواعل، إلا أن الحكمة القائلة “العادات القديمة تنقرض وتموت ببطء” تعد من الحكم التي تنطبق على العديد من القضايا التي تهم هذه الدول. فلا زالت هذه الأخيرة تتوجس من الإشراك الجاد للفواعل غير الرسمية في عملية صنع السياسات.

مشكلة الدراسة: تسعى هذه الورقة لمقاربة مجمل التحولات ولإخفاقات التي مرت بها الجزائر في مرحلة ما بعد الاحتلال انطلاقا من إعادة قراءة المدلولات والمضامين والوظائف التي حملتها هذه الفواعل غير الرسمية. إذ تساعدنا عملية القراءة تلك نحو فهم أفضل للعقبات والمعيقات الأساسية التي واجهت مسار بناء الدولة وعلى رأسها التمكين الديمقراطي. تحاول هذه الورقة أيضا أن تفحص مدى جدوى وأهمية تصميم إستراتيجية لترقية وتنشيط هذه الفواعل كروافد لا غنى عنها لترسيخ مبادئ الحكم الصالح والمساءلة والمحاسبة التي تعد مرتكزات ومتطلبات أساسية في مسار الترسيخ الديمقراطي في الجزائر.

تطرح هذه الورقة مشكلة بحثية مفادها: ما هي مكانة وقوة الفواعل غير الرسمية المتجذرة في المجتمع في عملية صنع السياسة العامة في الجزائر، وكيف يمكن ترقيتها وتفعيلها كمدخل للترسيخ الديمقراطي؟

إن الإجابة على هذه المشكلة البحثية الأنفة الذكر تستدعي التعرض للنقاط الآتية:

1) فحص لمكانة هذه الفواعل في شخصية وهيكل النظام السياسي الجزائري في فترة ما بعد الاحتلال؛

2) عرض للمعيقات التي تواجه هذه الفواعل المتجذرة (المواطن، الأحزاب السياسية، الجمعيات المختلفة) في ظل أهميتها ومركزيتها لأي ترسيخ ديمقراطي ناجح؛

3) فحص لنماذج سياسات لم يتم فيها إشراك الفواعل غير الرسمية بشكل كاف؛

4) تقديم بعض التوصيات كمدخل لتصميم إستراتيجية يتم بمقتضاها تفعيل وكذا ترشيد أدوات هذه الفواعل.

1. النظام السياسي الجزائري ومكانة الفواعل غير الرسمية في صناعة السياسة العامة منذ الاستقلال:

تميزت مرحلة ما بعد الاستعمار في الجزائر بعدم التمكين الفعلي للفواعل غير الرسمية وبالتحديد تلك النابعة والداعمة لقضايا الأمة، لاسيما خلال فترة الأحادية الحزبية (1962-1989)، وهي الفترة التي ينطلي عليها الوصف السابق بشكل لافت. رغم من أن فترة الاحتلال الأجنبي شهدت تبلور حركة فعالة لمكونات كان من الممكن أن تكون رافدا غير رسمي هام في تصميم وصناعة السياسات العامة كالأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المختلفة، وهي حركة عكست التوجهات الفكرية والإيديولوجية المختلفة للمجتمع الجزائري، وبشرت بديناميكية هائلة ومتميزة للفواعل غير الرسمية لفترة ما بعد الاحتلال، إلا أن ذلك لم يتحقق. إن فكرة توحيد الدولة الجزائرية، كفكرة شعبوية، جعلت النظام القائم يرفض الاعتراف وحتى الوعي بالاختلافات والتناقضات الاجتماعية والفكرية والسياسية، وبالتالي إعطائها ترجمة سياسية مؤسساتية.1بل على العكس من ذلك، عمل على مقاومة ونعت كل من حاول أن ينقد أو يعارض، من منطلقات مختلفة، توجهات النظام بأنه عدو للأمة والدولة الجزائرية. لقد اتجه النظام القائم لمنع أي حركة تجنيد للمجتمع قد تضيق من مجال سلطته، وذلك بوضع حواجز أمام الحركات التي تهدف إلى تحريك المجتمع.2 وبعبارة أخرى تهميش القوى الاجتماعية والثقافية، خاصة ذات التوجهات السياسية والعقائدية التي لا تتفق وفلسفة النظام القائم مما كان له أثرا سلبيا على عملية تصميم وصناعة السياسات العامة التي اتسمت بانتكاسات هامة سواء تعلق الأمر بالسياسات العامة في جانبها الكلي أم الجزئي.

إن أهم ما ميز شخصية السلطة في مرحلة ما بعد الاستعمار هو هيمنة العقل السياسي العسكري عليها. إذ صاحب هذه الهيمنة رغبة عارمة في السيطرة على الساحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية، وبالتالي إسباغ عملية صنع السياسة العامة بطابع أمني من خلال سحق العديد من الفواعل غير الرسمية، ابتداء من المواطن، مرورا بتكوينات المجتمع المدني الحديث والأحزاب السياسية والنقابات، وصولا إلى الصحافة الحرة، لاسيما وأن الجسم المجتمعي ظل في نظر الفئة العسكرية والبيروقراطية النافذة، في حالة عدم تشكل واضح، أي بمثابة كتلة صماءتخضع للتشكيل وإعادة التشكيل بالأوامر والقرارات والتشريعات التي تساهم هذه الفئة المسيطرة على جهاز الدولة في صياغتها3 لقد ساهم العقل السياسي العسكري وبطبيعته الأبوية في تشويه وتشويش عملية بناء الدولة وعلى رأسها إرساء ما يعرف في الفكر الحقوقي بدولة القانون والحريات.

لعبت الفلسفة الشعبوية دورا لا يستهان به في تضييق الخناق على العديد من الفواعل غير الرسمية، بحيث تعرضت بعض هذه الفواعل وعلى رأسها العديد من الأحزاب السياسية ومؤسسات المجتمع المدني إما للحظر التام، أو ضمها كلية تحت مظلة الحزب الواحد، وبالتالي غلق العديد من قنوات التعبير المنظم والحر بهدف الدفاع عن المصالح المختلفة للمجتمع الجزائري وترجمتها في صيغة سياسات عامة.1لقد دفع هذا الوضع إلى بروز مفارقة واضحة بين النصوص التي أكدت على التعددية الاجتماعية للشعب الجزائري، وبين واقع الفعل، أين لم يتم ترجمة تلك النصوص إلى تعددية سياسية واجتماعية فعلية عن طريق جمعيات مستقلة سياسية واجتماعية وثقافية تتمتع بوزن وثقل في عملية صناعة السياسات العامة في الجزائر.

لمنع بروز فواعل غير رسمية مستقلة، لعبت النخبة الحاكمة دورا هاما في جعل حزب جبهة التحرير الوطني، الحزب الوحيد في الدولة، بمثابة الوعاء الذي تصب فيه مختلف التنظيمات الاجتماعية بهدف الدفاع عن السياسات العامة للدولة، وليس التعبير عن مصالح أعضائها ومصالح المجتمع بصورة مستقلة. وبحكم هذه المهمة التي تم إسنادها لحزب جبهة التحرير الوطني، ظل هذا الأخير في معظم المعارك الحاسمة التي عرفتها الجزائر رديفا تاما ومكملا للنخبة الحاكمة ذات الجذور العسكرية والبيروقراطية. لقد عجز هذا الحزب أن يبلور مشروع مجتمعي حديث لبناء الدولة الحديثة التي تقوم على فصل السلطات، وإرساء بنية سياسية ديمقراطية تتجاوز انقسامات المجتمع التقليدي الفئوية منها والجهوية. وأدى العجز البنيوي الذي لازم حزب جبهة التحرير الوطني إلى اغتراب حتى تلك الفئات التي كان يمثلها وعلى رأسها العمال والفلاحين.2

انعكس تهميش الفواعل غير الرسمية سلبا على عملية صنع السياسات العامة المختلفة في الجزائر. فمثلا، أدت السياسات والاختيارات الاقتصادية إلى الاعتماد على فئة من التكنوقراطين بهدف الإشراف على تطبيق المشروع التنموي الطموح الذي تبنته النخبة الحاكمة. إلا أن المصالح النخبوية للفئات التكنوقراطية المتحالفة مع البيروقراطية أفضى إلى قلب موازين الاختيارات التنموية. فعوض أن يتم بناء دولة حديثة ومتقدمة تم تحقيق مايسمى برأسمالية الدولة، وبالتالي إفراغ المشروع التنموي من محتواه الحقيقي الذي يخدم المجتمع ككل لصالح النخبة السياسية الحاكمة التي أصبحت تتحكم في الريع النفطي.1 لقد برر هذا الوضع حرص هذه النخبة واستمرارها في استخدام وسائل القمع ضد أية حركة أو قوة اجتماعية معارضة من شأنها طرح مشروعها السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي قد ينافس ويهدد المصالح الاقتصادية لهذه النخبة.

لم تحض السياسة التربوية كجزء محوري في المسألة الثقافية بمتابعة جدية من قبل النخبة الحاكمة. ففي الوقت الذي تولي فيه الأمم والدول الجادة والمدركة لمكانة هذا الجانب أهمية بالغة، أين تسعى إلى جعل المسألة الثقافية كأساس لوحدتها، ومنطلق لتحررها وتجنب تحويلها إلى بؤرة توتر اجتماعي وتوظيف إيديولوجي وتكريس للتبعية والتخلف، فإنه وضمن الحالة الجزائرية يلاحظ غياب الإرادة السياسية، وغياب الاتفاق بين زمر النخبة الحاكمة حول مرجعية وفلسفة صارمة لبناء المنظومة التربوية، وهو ما انعكس سلبا على بناء هذه المنظومة. أدى هذا الإخفاق إلى بروز تناقضات ثقافية واجتماعية خطيرة، لعل أبرزها عدم الفصل بشكل نهائي في أهم أبجديات وأسس الهوية الوطنية مثل اللغة والثقافة بعد مرور عدة عقود من الاستقلال، وبالتالي عدم تحقيق الاندماج الثقافي والاجتماعي داخل المجتمع الجزائري.2انعكس غياب هذا الاندماج بشكل سلبي وواضح في أداء وتوجهات العديد من حركات وتيارات المعارضة، بحيث احتلت مسائل الهوية والثقافة لدى أغلبها مكانة مركزية، وهو ما دفعها لتعتمد أسلوب عمل يرتكز على فلسفة نفي الآخر. وتعد علاقة وموقف التنظيمات البربرية واللائكية والتنظيمات الإسلامية مع بعضها البعض مثالا جيدا على فلسفة النفي التي أشرت إليها.

إن التمعن بدقة في ظاهرة الإخفاق التي ميزت عملية صناعة السياسات العامة كأساس وركن مهم في عملية بناء الدولة يفضي إلى تثبيت ملاحظة جوهرية، وهي أن هذه العملية كان يتعين أن تمر عبر قناة معينة وهي قناة التعايش والتنافس السلمي بين الفواعل الرسمية والفواعل غير الرسمية، بحكم الدور الحاسم الذي تضطلع به هذه الفواعل الأخيرة، من خلال ضغطها على النخب الحاكمة لممارسة الحكم على أساس أغلبية سياسية حزبية يحترم فيه مبدأ التداول على السلطة ودولة القانون وحقوق المواطن. إن الإخفاق الذي عرفته هذه القناة يعد عنصرا محوريا مسؤولا عن ترهل شرعية النظام الحاكم وإفلاسه، وهو الإفلاس الذي وصل مستوى خطيرا خلال النصف الثاني من الثمانينيات وأكدته انتفاضة أكتوبر 1988 المأساوية. 1

إن إخفاق النخبة الحاكمة فيمهمتها المتعلقة بصناعة السياسة العامة، وهو الإخفاق الذي ارتبط بعدم قدرتها على بناء علاقة تكاملية تنافسية وتعايشية بين الفواعل الرسمية وغير الرسمية، أدى إلى أزمة بنيوية حادة في نظام الحكم نتج عنه فتح المجال أمام بروز ملامح مرحلة جديدة ، وهي مرحلة إذعان النظام الحاكم للقوة المتنامية التي اكتسبتها الفواعل غير الرسمية بشكل خاص. وعليه تم إقرار التعددية السياسية وفسح مجال النشاط العلني أمام العديد من الفواعل التي كانت مقصية من المشاركة في صناعة السياسات قبل إقرار التعددية.

من ضمن الملامح التي ميزت مرحلة الانفتاح السياسي، إتاحة فرصة المشاركة السياسية لمختلف القوى والجماعات والأفراد للتنافس، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع كوسيلة محايدة لتحديد الأوزان النسبية للمتنافسين في إطار ديمقراطي، واعتبار مؤسسة الجيش، ولو من الناحية النظرية، كأحد مؤسسات النظام السياسي فقط مهمتها حماية الاستقلال والدفاع عن السيادة الوطنية، وبالتالي إبعادها عن الانخراط في المؤسسات الحزبية. لقد أفضى المناخ الجديد إلى بروز اعتقاد مفاده أننا أمام وضع جديد من سماته نزع الطابع الأمني عن عملية صنع السياسة العامة وبالتالي صياغتها بشكل ديمقراطي مما دفع بالعديد من المحللين السياسيين المهتمين بالتطورات السياسية في الجزائر، إلى اعتبار هذا البلد نموذجا ديمقراطيا جارفا، وبمثابة ثورة ثانية تدشنها الجزائر في أقل من ثلاثين عاما، ثورة من شأنها أن تضع هذا البلد في قلب المشهد الدولي من جديد.1إلا أن هذا النموذج سرعان ما أصابه الضعف والوهن بفعل عدة عوامل تتعلق بشكل خاص، بسلوك النخبة الحاكمة.

يمكن القول هنا، أن الإقرار بالتعددية، وبرغم جوانبها الإيجابية، لم يكن لقناعة وإيمان النخبة الحاكمة في الجزائر بقيم ومزايا المشاركة السياسية والحرية وفسح المجال أمام الفواعل الرسمية المتجذرة في المجتمع، بقدر ما عكس هروبا من أزمة صراع على مستوى التيارات والتوجهات والمصالح المختلفة الممثلة ضمن العلبة السوداء، أي النظام السياسي. ويمكن الاستدلال على صحة هذا الطرح بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لمواصلة الإصلاحات التي باشرتها تلك النخبة إلى نهايتها المنطقية، وهو الغياب الذي تأكد من خلال عدم اعتماد ما يمكن أن نطلق عليه تسمية “العقد الوطني” أو “الاتفاق الوطني” الذي يحمي تجربة التعددية والانفتاح على الفواعل غير الرسمية بما فيها المواطن، مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية في الجزائر.

إن التعمق في تحليل أسباب الأزمة التي ظلت تلازم الجزائر منذ سنة 1992 يفضي إلى التأكيد أن من ضمن أهم تلك الأسباب ترهل عملية صناعة السياسات العامة بفعل التضييق وعدم إشراك الفواعل غير الرسمية، وهو التضييق الذي تجلى من خلال عوامل عديدة كانغلاق النظام السياسي على نفسه من جديد، وسلوكالنخبة الحاكمة للممارسات الأبوية كما كان الأمر قبل إقرار التعددية، ولجوئها إلى دعم أسلوب التعبئة بدل المشاركة. وعليه تم التمهيد لإحياء ظاهرة ميزت سلوك الفواعل غير الرسمية قبل إقرار التعددية، ألا وهي ظاهرة تحول هذه الفواعل إلى كيانات حاملة لعناصر العقد والعنف.1

سأقوم بفحص أداء بعض هذه الفواعل في ظل الأوضاع المتأزمة التي ميزت مسار التحول الديمقراطي في الجزائر، ومن هذه الفواعل:

2. فحص أداء المواطن ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية:

أ/ المواطن :

عادة ما يتم تحجيم وإغفال دور المواطن كفاعل مؤثر في عملية صنع السياسات العامة ، بحيث تكون مشاركته محدودة في هذه العملية لاسيما في الأنظمة التي تتميز بالطابع الأبوي تجاه مجتمعاتها، وهو عكس ما يميز الأنظمة الديمقراطية التي يشارك فيها الفرد فعليا في التصويت وفي مناقشات السياسات العامة ، كما يؤخذ برأيه في إجراء التعديلات اللازمة على الدستور.1

إن التمكين للمواطن ليكون فاعلا مؤثرا في عملية صنع السياسات المختلفة يدخل في نطاق ترسيخ وبلورة مفهوم المواطنة كفضاء للحقوق والواجبات ضمن الأنساق المختلفة، اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية داخل الوطن ، ومن الطبيعي أن نؤكد هنا أن الخروج من الأزمات والتوترات التي تمر بها البلاد حاليا لن يتحقق إلا بإعادة الاعتبار في السياسات والإجراءات إلى مفهوم المواطنة والعمل على صياغة فضاء وطني جديد ، قوامه الأساسي ومرتكزة الرئيس هو المواطنة بصرف النظر عن الأيديولوجية أو العرقية. إن المواطنة بكل ما تحتضن من متطلبات واليات تعد حجرا أساسيا في أي مشروع لبناء الوطن.

بالرجوع إلى تقييم مشاركة المواطن في السياسات العامة في الجزائر نلاحظ أن انجازات فترة التعددية السياسية محدودة للغاية. فرغم أننا شهدنا مشاركة المواطن في عدة استفتاءات شعبية كالاستفتاء الشعبي حول التعديل الدستوري في 28/11/1996، وكذلك الاستفتاء حول قانون الوئام المدني في 16/09/1999 والاستفتاء حول ميثاق السلم والمصالحة الوطنية في 29/09/2005، وهي استفتاءات تدخل في نطاق إعادة الطمأنينة للمواطن وتحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي، إلا أن هذه المشاركة تم تحجيمها عندما تعلق الأمر بالتعديل الدستوري الأخير، والتي تم بمقتضاه مراجعة المادة 74 التي تحدد العهدة الرئاسية وعددها. إن تفادي النخبة الحاكمة إجراء الاستفتاء والاكتفاء فقط بتمرير التعديل في البرلمان يعبر عن عدم اكتمال الثقة بين هذه النخبة والمواطن الذي من اجله تصنع هذه السياسات. وهكذا تم التراجع عن أحد أهم مكتسبات مرحلة الانفتاح السياسي ألا وهو مبدأ التداول على السلطة.

ب/ المجتمع المدني:

عرفت مؤسسات المجتمع المدني والحركة الجمعوية انتعاشا وكثافةبعد إقرار التعددية لم تعرف لها نظيرا منذ مجيء الاستقلال. لكن كثافة هذه التشكيلات المدنية لا يمكن النظر إليها، وبشكل كلي، على أنها مؤشرا كافيا لحرية وفاعلية المجتمع المدني في عملية صنع السياسة العامة في الجزائر. فقد ظلت الدولة تعمل على ممارسة أكبر قدر من الضبط والتحكم في هذه الجمعيات، وذلك عبر وسائل عديدة مثل استعمال سلاح الإجراءات الإدارية في التعامل معها، وهذا ما دفع بالعديد من النشطين ضمن هذه الجمعيات، وحتى الملاحظين لطرح سؤال مفاده: هل أن السماح بتشكيل هذه الجمعيات وسيلة تستخدمها الدولة لمراقبة المجتمع والمواطنين بدل أن تكون وسيلة تسمح للمواطنين وللمجتمع بمراقبة هذه السلطة والمساهمة في صنع السياسات؟1

ج/ الأحزاب السياسية: لقد كانت الأحزاب السياسية ومازالت من المؤسسات الضرورية للعملية الديمقراطية لما لها من دور في تنمية الرأي العام والتعبير عنه في القضايا الرئيسية بين الفرد والدولة. وعليه عادة ما تقوم هذه الأحزاب بتقديم نفسها على أنها المعبر الفعلي عن تطلعات ومطالب المواطنين، وإنها الآلية الأساسية للتعبير وكذلك تجميع المصالح والعمل على بلورتها في شكل بدائل لسياسات عامة.

إن ما يلاحظ عن الظاهرة الحزبية في الجزائر إفراغها من محتواها. ويبدو أن الانفتاح السياسي الواعد في بداياته الأولى لم يفض إلى ترسيخ ونضج في العمل الحزبي. إن انغلاق النظام السياسي بعد فترة قليلة من الانفتاح، وتشبثه بفكرة السلطة المركزية غير القابلة للتداول أو الاستحواذ جعل من الأحزاب السياسية تتنافس فقط على جزء من السلطة عادة ما تكون سلطة محلية أو نيابية دون التنافس على السلطة المركزية. 1

إن تقييد الممارسة الحزبية في الجزائر أفرز ظاهرة تستحق الاهتمام وهي عودة تكريس الممارسة الأحادية والتي من مؤشراتها الائتلاف بين الأحزاب السياسية الثلاثة الكبرى في الجزائر (حزب جبهة التحرير الوطني، التجمع الوطني الديمقراطي، وحركة مجتمع السلم). فإذا كان عدم حصول أي حزب سياسي على الأغلبية المطلقة من الأصوات في انتخابات معينة كالانتخابات التشريعية 1997 مبررا وراء هذه الائتلافات، فان الوضع يختلف في وضعيات ومناسبات أخرى، فمثلا رغم حصول حزب جبهة التحرير الوطني على الأغلبية المطلقة من المقاعد في تشريعيات 2002 والمقدرة بـ199 مقعد، وهو ما كان يسمح له بتشكيل حكومة الأغلبية ، إلا انه آثر اللجوء إلى اختيار الائتلاف مع أحزاب أخرى .

تعبر سياسة الائتلافات الآنفة الذكر عن معادلة تميز الكثير من انظمه الحكم في العالم الثالث ، وهي أن هذه الأنظمة قوية امنيا ، وهذا الصنف من القوة يمنع وجود أنظمة فرعية أخرى، وان وجدت يتم قمعها واستيعابها بحيث لا يكون للظاهرة الحزبية أي تأثير، بل يقوم النظام بتدجينها وابتلاعها لتتحول إلى لجان مساندة لسياسات هذا النظام، أو وسائل لإضفاء الشرعية عليه، بل وان ما زاد الأمر تعقيدا لاسيما بالنسبة للحالة الجزائرية استمرار العمل بقانون الطوارئ الذي اثر سلبا وضيق كثيرا على العمل الحزبي في هذا البلد .

3. نماذج لسياسات عامة لم يتم فيها إشراك الفواعل غير الرسمية المتجذرة في المجتمع:

ا/ نموذج السياسة العامة في شقها الأمني:

السياسة العامة تجاه السلم والمصالحة الوطنية: تعد هذه السياسة من أبرز السياسات التي حضت بدعم النظام الحاكم في الجزائر والتي هدف من ورائها إنقاذ أرواح الجزائريين وإفشال إستراتيجية الجماعات الإرهابية الهادفة لتقويض أركان النظام. وتدخل هذه السياسة ضمن سياق العدالة الانتقالية التي تنص عليها البروتوكولات والمواثيق الدولية، بحيث يسمح هذا النمط من العدالة العفو على أوسع نطاق عندما يتعلق الأمر بالنزاعات الداخلية. فرغم إقرار النخبة الحاكمة على أن ميثاق السلم والمصالحة الوطنية يعد نصا سياسيا في الأساس وأن جميع نصوصه التطبيقية يجب أن تقاس بمدى تناسقها مع النص السياسي الذي يمثل عقدا اجتماعيا جديدا،1 إلا أن تتبع مسار المصالحة يدفعنا إلى طرح سؤال جوهري وهو هل تم إشراك الفواعل غير الرسمية في إعداد نصوصها وتفعيلها على أرض الواقع؟

إن تأكيد النظام الحاكم في الجزائر، لاسيما في البدايات الأولى لصياغة هذا الميثاق، على انه ميثاق التوازنات لتجاوز مرحلة مأساوية في تاريخ الجزائر لم يعن في واقع الأمر، إشراك هذه الفواعل غير الرسمية في صياغتها ما عدا طرح الوثيقة للاستفتاء. لقد أفضى تغييب تلك الفواعل أن موضوع الحريات وموضوع الحقوق السياسية لم يتم إدراجهما بشكل كاف وعميق في نفس الوثيقة، كما وان عدم إشراك نفس الفواعل سمح لمحرري الوثيقة لوضع جدار أمام شرائح معينة في المجتمع الجزائري في العودة إلى العمل السياسي، بل وان هناك أطرافا متضررة لم يتم إنصافها وعلى رأسها إشكالية المعتقلين في الصحراء. وحتى الفصل السابع من نص الوثيقة، والذي هو بمثابة صمام أمان لرئيس الجمهورية، أكد أن رئيس الجمهورية وحده القادر على اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بتحقيق المصالحة، مما يعني التغاضي وإهمال إمكانية الاستعانة بأدوار الفواعل غير الرسمية كطرف مهم بإمكانه أن يساهم في معالجة أوجه القصور وتقديم الاقتراحات لإنجاح سياسة المصالحة وإيصالها إلى نهايتها المنطقية، أي تحقيق العفو الشامل.

ب/ نموذج السياسة العامة في شقها التنموي- مسار التنمية المحلية:

تحضى الفواعل غير الرسمية بدلالة خاصة في إنجاح سياسات التنمية المحلية وذلك بحكم أنها تساهم في تحديد الاحتياجات الحقيقية للسكان وكذا المشاريع التي ينبغي الاهتمام بها وتساعد في تفادي التصادم الذي ينجم أحيانا عندما تتعارض مقترحات ومشاريع الجهات الرسمية مع طموحات وتطلعات السكان على المستوى المحلي. إضافة أنها تمد الخبراء بجدوى وأهمية المشاريع المقترحة وكذا فعاليتها.2
رغم أهمية ومركزية إشراك الفواعل غير الرسمية وعلى رأسها العمل الجمعوي في عملية التنمية المحلية، وذلك كضرورة وكمدخل لبناء وترسيخ الممارسة الديمقراطية في الجزائر، خاصة في ضوء بروز شعارات مثل الديمقراطية وجها لوجه والديمقراطية الجوارية، إلا أن الدارس والمهتم بسياسة النخبة الحاكمة تجاه النشاط الجمعوي، كنموذج ذو دلالة، يلاحظ أن هذه السياسة يشوبها الكثير من القصور، كعدم احترام الرسالة الحقيقية للعمل الجمعوي وأهدافه، وذلك من خلال محاولة العديد من أجهزة السلطة احتواء وتوجيه نشاط الجمعيات لأغراض تكون في بعض الأحيان زائلة، بجعل هذه الجمعيات مكاتب خدمات ودعاية. وكذلك وجود الكثير من الإكراهات والعوائق الإدارية والقانونية، وقلة الوسائل وشح الموارد والأطر، وحصر النشاط الجمعوي في فئات اجتماعية معينة، وقلة انتشاره في المناطق الريفية وغيرها من المعيقات.2

تعد المشكلات الآنفة الذكر نتيجة حتمية أفرزتها عوامل موضوعية وعلى رأسها المنهجية والسياسة التي انتهجتها الدولة في التعاطي مع الجمعيات والعمل الجمعوي بشكل عام. إذ يلاحظ أن تعاطي السلطة مع الحركة الجمعوية يتسم بالارتجالية والمناسباتية. فلا توجد سياسة واضحة لدى الدولة تقوم على إشراك كل المؤسسات الشعبية، بما في ذلك الجمعيات في تدبير الشؤون المحلية وبالتالي المساهمة الفعلية في سياسات الدولة في هذا المجال. وبطريقة منهجية يمكن القول أن هذه السياسة تعاني من قصور واضح خاصة على مستوى مايمكن أن نطلق عليه بالبنية التحتية للنشاط الجمعوي.

تعاني البنية التحتية للجمعيات من مشكلات عديدة وعلى رأسها ضعف الميزانية التي تخصصها الدولة لهذا القطاع. فإذا أخذنا في الاعتبار ضعف القطاع الخاص المنتج في الجزائر، والذي يمكن أن يساهم في تمويل العمل الجمعوي، فإنه يمكن عندئذ تصور حجم المعاناة التي يواجهها نشاط الجمعيات . فكما هو معروف، تعد الموارد التي تمتلكها مؤسسات وجمعيات للمجتمع المدني من أهم متطلبات قيامه بأدواره المختلفة.1

يعد شح الموارد المالية من أبرز وأعقد التحديات التي تواجه العمل الجمعوي على المستوى المحلي في الجزائر. إن الاختلالات الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، والذي يتزامن مع بروز ما يمكن أن نطلق عليه باصطلاح البورجوازية الكسولة، يعدان عاملان من جملة عوامل أخرى تعرقل عملية بناء مؤسسات جمعوية نشيطة وحرة بحكم اعتماد العديد من هذه المؤسسات على إعانات الدولة المالية والمادية، لاسيما في ظل عدم مجازفة الرأسمال الخاص في دعم الحركة الجمعوية. فعليه يمكن القول أنه في ظل الوضعية الحالية للاقتصاد الجزائري والمنهجية التي تقوم من خلالها النخبة الحاكمة في الجزائر بالتعاطي مع مؤسسات المجتمع المدني، يكون من الصعب فعلا على الحركة الجمعوية كفاعل غير رسمي أن تضطلع بمهامها على أكمل وجه وعلى رأسها تحقيق التنمية المحلية كمحور أساسي في السياسة العامة للدولة. وعليه، يمكن القول أن الإخفاق في تحقيق التنمية المحلية يعد عاملا مسؤولا وذا دلالة عالية في استفحال ظاهرة الفساد محليا ووطنيا خلال السنوات الأخيرة، إضافة لعدم تحقيق تنمية اقتصادية متكاملة تضمن ارتفاع الدخل الفردي الفعلي للمواطن، وهو الوضع الذي ساهم في فشل سياسة تجفيف منابع الإرهاب والدليل أن أغلبية الانتحاريين حسبما رصدته الصحافة الوطنية ينتمون لأحياء قصديرية فقيرة.

4. نحو صياغة إستراتيجية لإشراك الفواعل غير الرسمية

أمام ما تقدم،تستعرض الدراسة بعض التوصيات التي ستساعد على معالجة أوجه القصور في عملية إشراك الفواعل غير الرسمية في صناعة السياسات كمدخل ضروري للانخراط جديا في مسار الترسيخ الديمقراطي. وعليه من الضروري بادئ ذي بدء إعادة التفكير بجدية في مراجعة سلوك النخبة الحاكمة بخصوص إشراك الفواعل غير الرسمية في عملية صناعة السياسات العامة بما يحقق تكاملا وتعايشا وانسجاما بينها وبين الفواعل الرسمية، لاسيما في ظل التحديات العديدة، سواء كانت محلية أو عالمية، التي تواجهها الجزائر حاليا في ظل عدم فعالية نشاط الدولة، وتقلص إمكانياتها وعدم جدية مؤسساتها في الوصول إلى الشرائح الاجتماعية الأكثر ضعفا وتهميشا.

إن بناء دولة قوية لا يمكن أن يتم بدون إشراك للفواعل غير الرسمية لتقوم بوظائفها وأدوارها بشكل كامل كمنظم (Regulateur) للعلاقة بين الدولة والمجتمع، وكقوة للاقتراح والتصور والمشاركة في عملية التحديث السليمة.

رغم أن آفاق إشراك الفواعل غير الرسمية في صناعة السياسات العامة في الجزائر تطرح مشكلة هامة، وهي أن هذه الآفاق مرتبطة أشد الارتباط بالتطورات التي سيشهدها نمط الحكم في الجزائر، إذ تؤكد العديد من الأبحاث في هذا الصدد أن الشكل التسلطي للدولة الجزائرية وكبقية العديد من الدول العربية الأخرى سيظل قائما لسنوات عديدة لاحقة.1 وهذا ما يدفعنا للنظر لهذه الآفاق، لاسيما في جانبها الإيجابي، بنوع من التردد.

ينبغي أن أشير هنا أن بقاء هذا النمط التسلطي للحكم في الجزائر سيطرح مشكلات عديدة للنخبة الحاكمة، وذلك في ظل تنامي لقوى وفاعلين اجتماعيين جدد. ومن هنا فإن تفعيل المكونات غير الرسمية والعمل على إشراكها فيصناعة القرارات والسياسات بدل استشارتها فقط ستكونله آثارا إيجابية على استقرار الدولة ذاتها. وهنا يمكن ذكر بعض الجوانب التي يمكن أن تساهم في هذا التفعيل:

– التأكيد على الاستقلالية النسبية لهذه الفواعل تجاه الدولة.

– ضرورة تدعيم المسار الديمقراطي لأنه الإطار المناسب لصيانة حقوق الأفراد والمواطنين، لاسيما فيما يخص اختيار الحكام، وحرية التعبير، وحق الاجتماع.

– التأكيد على تربية وتنشئة الفرد على السلوك الديمقراطي والعمل الجواري. ويمكن للمدرسة أن تقوم بدور هام في هذا المجال. ومنظومتنا القيمية الأخلاقية الإسلامية مليئة بالإيحاءات التي تؤكد على احترام الغير، والتسامح، والسلمبدل العنف، والتعاون بدل الإقصاء.

– دعم هذه الفواعل عن طريق إضافة فاعلين اجتماعيين نشطين يكون للمثقف دورا بارزا فيها.

– ضرورة دعم القطاع الخاص ليساهم في تنمية وبلورة قوى اجتماعية تكون لبنة هامة من لبنات هذه الفواعل وعلى رأسها مؤسسات المجتمع المدني، لاسيما وأن وجود قطاع خاص قوي سيساهم في توفير الدعم المالي والمادي لهذه التكوينات والفواعل.

مما سبق يمكن التأكيد أن إشراك الفواعل غير الرسمية في بلورة وصناعة السياسات يعد أمرا ضروريا لاسيما فيظل الظروف المتأزمة التي يمر بها العالم بفعل الأزمة الاقتصادية العالمية التي بدأت آثارها السلبية تزحف على معظم دول العالم بما فيها الجـزائر. إن الاهتمام بترقية وإشراك هذه الفواعل سيساهم ليس فقط في ترشيد عملية صنع السياسات بل حتى في التخفيف من الصبغة التسلطية لنظام الحكم في الجزائر وتحقيق الانفتاح السياسي. كما أن إشراك هذه الفواعل سيساهم كذلك في المحافظة على عدم تفكك الدولة وسيساعدها لمواجهة العديد من التحديات التي ستواجهها خلال العقود القادمة، لاسيما فيظل تنامي ظاهرة العـولمة بإفرازاتها المختلفة، أين ستصبح الدولة عرضة لمزيد من الضغوط المختلفة.1

في جميع ما تقدم، أردنا أن أحرر وجهة نظر مفادها أن الرهان الأساسي الذي يتوقف عليه تنشيط وترشيد الفواعل غير الرسمية في عملية صنع السياسة العامة هو رهان الدولة، وذلك ضمن أبرز مظهر لها وهو السلطة. فأنظمة الحكم التسلطية تسعى إلى بسط سلطتها على كل أجزاء المجتمع عن طريق تسييس مختلف دوائره، فيتضخم بذلك حجم الفواعل الرسمية على حساب الفواعل غير الرسمية . ولعل هذا الواقع تحديدا هو الذي يجعل الحديث عن تفعيل وتمكين الفواعل غير الرسمية ضمن أدبيات بعض التنظيمات والأحزاب السياسية في الجزائر مشوبا بشيء من الخلط والإبهام. فبفعل تفاقم واقع القهر والتسلط الذي يميز أداء النخبة الحاكمة في هذا البلد، يقوم البعض باختصار معنى الدولة في إحدى وظائفها وهي السلطة المباشرة، أي الاستعمال المادي لسلطة القمع و ممارسة القهر، وصار ينظر إلى الفواعل غير الرسمية بكل مكوناتها كمقابل لها تعمل خارجها وتتصارع من أجل الوجود عوض أن تكون رافدا إضافيا في عملية صنع السياسة العامة.

وفي مقابل ذلك، فبقدر ما تكون سلطة الدولة وظيفة من ضمن وظائف أخرى، إدارية وتنظيمية وقانونية وإنتاجية وخدمية، ينظمها القانون ويمنع التعسف في استعمالها، تكتسب كل الفواعل غير الرسمية قدرات خاصة تؤهلها للقيام بذاتها، وممارسة أعمالها الإنتاجية والإبداعية والدفاعية والتوجيهية والخدمية، لا يقودها في ذلك إلا إدارة الأفراد المنتمين إليها، وما وضعوه من مخططات في ضوء قناعاتهم وفي سياق تفاعلهم مع واقعهم، وهو ما سينعكس إيجابا في رسم إستراتيجية متكاملة ورشيدة لصنع السياسة العامة في الجزائر.

إن التعايش والتكامل بين الفواعل الرسمية التي هي جزء من المجتمع السياسي المتعلق بالدولة، والفواعل غير الرسمية ذات الصلة بالمجتمع له مزاياه الجمة على الدولة ذاتها. فمن شأنه أن يخفف عنها أعباء التسيير والإنماء، وبالتالي التقليص من مسؤوليات الحكام والمسؤولين وتجنيبهم السقوط في فخ الحساب القاسي، الذي قد يتخذ أشكال ردود فعل وانتفاضات عنيفة ووخيمة العواقب، خصوصا في ظل الأزمات الناجمة عن تعثر مشاريع التنمية، وتدهور ظروف عيش المواطنين، لاسيما أن كل المؤشرات الحالية تؤكد على اهتزاز الثقة بين الحكام و المحكومين في الجزائر، مع ورود احتمالات أن تجد الدولة ذات السلطة الكلية في مواجهة ثورة مجتمعها في هذا البلد.

إن التمكين لبروز فواعل غير رسمية قوية، لاسيما تلك التي تنبع وتدافع عن قضايا المجتمع الجزائري تمثل بدورها قاعدة لدولة قوية، لأن هذه الدولة ستقوم على احترام قواعد ذات قبول عام في المجتمع، ومن ثم سيكون هذا المجتمع أكثر استعدادا لمساندة هذه الدولة، وذلك بالوفاء بالالتزامات التي تطرحها على المواطنين. كما أن هذه الدولة بدورها ستسعى إلى كسب مساندة هذا المجتمع لأنها سوف تعتمد على إقناع المواطنين بأن سياستها تحقق مصالحهم، وتتخلى عن أساليب القمع عندما تضمن خضوع أغلبية المواطنين لإرادتها.

الخـاتمـة:

من كل ما تقدم نخلص إلى أن أسلوب توزيع مهام تصميم وصنع السياسات العامة بين الفواعل الرسمية والفواعل غير الرسمية، والحيلولة دون احتكار واختصار هذه العملية في أجهزة الدولة وحدها، لا يتحقق إلا في نظام ديمقراطي يفسح المجال أمام المبادرة الخاصة، ويسمح بتعدد وتنوع المبادرات الخاصة، ويحترم مبدأ التداول على السلطة عن طريق الاحتكام القانوني النزيه إلى صناديق الاقتراع. فيكون بالتالي العمل على تطوير أي نظام حكم، هو الامتثال لهذه المعايير الديمقراطية متلازما مع تطوير للمبادرات النابعة من المجتمع خاصة نحو تمثل هذه المعايير وعيا وسلوكا. فالديمقراطية ليست مجرد تدابير إجرائية وإدارية، وإنما هي أعمق من ذلك، إنها وعي نحو تمثل هذه القيم التي تقر للإنسـان كرامته وحقه في أن تكون له مشاركة حرة في الحياة العامة، ويحتاج رسوخ هذا الوعي إلى تنشئة أفراد هذا المجتمع عليه تربويـا، و نشره إعـلاميا وتدريب الكافة على التزامه في سلوكهم اليومي وفي حياتهم العملية الفردية والجماعية. وتعد تلك المهمة أحد أهم الوظائف التي تضطلع بها الفواعل غير الرسمية، إنها وظيفة ترسيخ القيم الديمقراطية في الوعي وفي الواقع من خلال برمجتها في أجندات صنع السياسات العامة، بما ينعكس إيجابا على تحصين المجتمع ككل بما في ذلك المجتمع السياسي.

الهـوامـش :

[1]Larry Diamond, “Rethinking Civil Society”, Journal of Democracy, Vol. 5, №3, July, 1994, p. 11.

[1]اسماعيل قيرة وآخرون، “مستقبل الديمقراطية في الجزائر” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002)، ص. 91-92.

[1]لمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع الى الدراسة المرجعية لـ:

Addi Lahouari, L’Impasse du Populisme: L’Algérie, Collectivité Politique et Etat en Construction. Alger:Entreprise Nationale du Livre, 1990.

[1]Paul Balta et Claudine Rulleau. L`Algérie des Algériens, Vingt ans après. Paris: Editions Ouvrières, 1981. P. 58.

[1]Addi Lahouari, op.cit ; p.08.

[1]مزيد من التفاصيل، يمكن الرجوع إلى دراسة:

Kamel Bouchama . Le FLN a-t-il Jamais eu le Pouvoir 1962-1992. Alger, El maarifa éditions,1997 .

[1]العياشي عنصر، “سوسيولوجيا الأزمة الراهنة في الجزائر”، في: مجموعة من الباحثين، الأزمة الجزائرية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1994)، ص. 181ـ183.

[1]محمد العربي الزبيري، “الغزو الثقافي في الجزائر”، منشورات إتحاد الكتاب الجزائريين، مجلة الرؤى، العدد 02 (1983)، ص. 18.

[1] المنصف الوناس، “الدولة الوطنية والمجتمع المدني في الجزائر”، في سليمان الرياشي وآخرون، “الأزمة الجزائرية: الخلفيات السياسية والاقتصادية والثقافية” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)، ص. 209.

[1]Suzan Waltz, ‘Human Rights and Reform: Changing the face of North African Politics’ (Berkeley: University of California Press, 1995), pp.139-140.

[1]Lahouari Addi, L’Algérie et la Démocratie (Paris: Editions la Découverte, 1994), pp. 121-125.

[1]جيمس أندرسون، “صنع السياسات العامة”، ترجمة : عامر الكبيسي (عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع، 1999)، ص. 67.

[1]Larbi Ichboudene, “Le Mouvement Associatif ou la Tentative de Structuration Sociale.” in “Le Mouvement Associatif en Algérie. Alger: Centre de Recherche en Economie Appliquée”, 2000. pp. 48-50.

[1]Lahouari Addi, “Les Partis Politiques en Algerie et la Crise du Regime des Grands Electeurs “ http:www. Algeria Watch, le quotedien d’Oran / 30. 12. 2007.

[1]”السلم والمصالحة الوطنية”. تم تصفح الموقع يوم: 15-03-2009.

<http://www.spa.gov.sa/English.details php?Id63115>

[1]Sarah Ben Nefissa, “NGO’s, Governance and Development in the Arab World”. Retrived on: 19-09-2009.

< http://www.infibeam.com/Books/info/Sarah-Ben-Nefissa/NGOs-and-Governance-in-the-Arab-World/9774249046.html>

[1]Mohamed Madani, “Les Regroupements associatifs: Image de Soi, de l’Etat et de la société”, in “Le movement Associatif en Algerie: Réalités et Perspectives” (Alger: Les cahiers du CREAD, Nro. 53, 2000), pp. 28-31.

[1]Rachid Grim, “Le Mouvement Associatif National en Grande Difficulté”. Retrived on: 20-10-2009.

<www.algeria-watch.org/fr/article/div/mvt_associatif_difficultes.htm>

[1] أنظر على سبيل المثال لا الحصر دراسة الأستاذين علي الدين هلال ونيفين مسعد، “النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000).

[1]حسين علي الحمداني، “الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني”. تم تصفح الموقع يوم: 23-07-2009.

<http://www.ahewar.org/search/Dsearch.asp?d=1&nr=2487>

قائمة المراجـع:

أندرسون، جيمس. “صنع السياسات العامة”. ترجمة : عامر الكبيسي. عمان: دار المسيرة للنشر والتوزيع، 1999.

حسين علي الحمداني، “الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني”.

تم تصفح الموقع يوم: 23-07-2009.

<http://www.ahewar.org/search/Dsearch.asp?d=1&nr=2487>

الزبيري، محمد العربي. “الغزو الثقافي في الجزائر”. مجلة الرؤى، العدد 02 (1983).

عنصر، لعياشي. “سوسيولوجيا الأزمة الراهنة في الجزائر”، في: مجموعة من الباحثين، “الأزمة الجزائرية” (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1994).

قيرة، اسماعيل. وآخرون. “مستقبل الديمقراطية في الجزائر”. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.

هلال، علي الدين ونيفين مسعد، “النظم السياسية العربية: قضايا الاستمرار والتغيير”. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2000.

الوناس، المنصف. “الدولة الوطنية والمجتمع المدني في الجزائر”. في سليمان الرياشي وآخرون. “الأزمة الجزائرية: الخلفيات السياسية والاقتصادية والثقافية”. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1996.

المراجع باللغات الأجنبية:

Addi Lahouari. “L’Impasse du Populisme: L’Algérie, Collectivité Politique et Etat en Construction”. Alger:Entreprise Nationale du Livre, 1990.

Addi, Lahouari. “L’Algérie et la Démocratie”. Paris: Editions la Découverte, 1994.

Addi, Lahouari. “Les Partis Politiques en Algerie et la Crise du Regime des Grands Electeurs”. http:www. Algeria Watch, le quotedien d’Oran / 30. 12. 2007.

Balta, Paul et Claudine Rulleau. “L`Algérie des Algériens, Vingt Ans Après”. Paris: Editions Ouvrières, 1981.

Ben Nefissa, Sarah. “NGO’s, Governance and Development in the Arab World”. Retrived on: 19-09-2009.

< http://www.infibeam.com/Books/info/Sarah-Ben-Nefissa/NGOs-and-Governance-in-the-Arab-World/9774249046.html>

Bouchama, Kamel. “Le FLN a-t-il Jamais eu le Pouvoir: 1962-1992”. Alger, El maarifa éditions, 1997.

Diamond, Larry. “Rethinking Civil Society”, Journal of Democracy, Vol. 5, №3, July, 1994.

Rachid Grim, “Le Mouvement Associatif National en Grande Difficulté”. Retrived on: 20-10-2009.

<www.algeria-watch.org/fr/article/div/mvt_associatif_difficultes.htm>

Ichboudene, Larbi.”Le Mouvement Associatif ou la Tentative de Structuration Sociale”, in “Le Mouvement Associatif en Algérie”. Alger: Centre de Recherche en Economie Appliquée”, 2000.

Madani,,Mohamed. “Les Regroupements associatifs: Image de Soi, de l’Etat et de la société”, in “Le movement Associatif en Algerie: Réalités et Perspectives”. Alger: Les cahiers du CREAD, Nro. 53, 2000.

Waltz, Suzan. “Human Rights and Reform: Changing the face of North African Politics”. Berkeley: University of California Press, 1995.

عن admin

شاهد أيضاً

انتقال بايدن.. والمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا: الحاجة لتغيير استراتيجية الولايات المتحدة في ظل الأزمة الحالة

انتقال بايدن.. والمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا: الحاجة لتغيير استراتيجية الولايات المتحدة في ظل الأزمة الحالة

انتقال بايدن.. والمنافسة الأمريكية مع الصين وروسيا: الحاجة لتغيير استراتيجية الولايات المتحدة في ظل الأزمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *